إذا سألتك عن لونك المفضل، بماذا ستجيب؟ بالتأكيد ستختار لونًا معينًا وتقول إنه لونك المفضل، وربما يكون انعكاسًا لحالتك النفسية أو تجاربك الشخصية. لكن، هل اللون الذي اخترته الآن، كان هو لونك المفضل في فترة الطفولة؟ البعض وربما الكثير سيقول لا.

منذ نعومة أظفارنا ونحن مستعدون لاختيار اللون المفضل لنا، لكن الغريب أنه كلما كبرنا، غالبًا ما يتغير تفضيلنا. فلماذا هذا التغيير؟ ولماذا تتغير ألواننا المفضلة مع تقدمنا في العمر؟ وما التأثيرات التي تتحكم في هذا التغيير. والسؤال الأهم: لماذا لكل منا لونه المفضل؟ هل للونك المفضل دلالة ما؟ إجابات هذه الأسئلة هو ما سنتناوله.

الطفولة واللون المفضل.. المشاعر الإيجابية ذات ألوان زاهية

اختيارنا للون المفضل هو شيء يميل إلى الظهور في مرحلة الطفولة. اسأل أي طفل عن لونه المحبب وستجد الإجابة جاهزة بالفعل. فقد أظهرت الأبحاث أن الرضع لديهم تفضيلات واسعة وغير متسقة إلى حد ما للألوان، لكنهم يظهرون بعض التفضيل نحو الظلال الفاتحة (لأن الرضع في شهورهم الأولى لا يرون تفاصيل الأشياء، بل يرونها كما لو كانت ظلالًا ملونة).

لكن كلما زاد الوقت الذي يقضيه الأطفال في هذا العالم، بدأوا في تطوير صلات أقوى بألوان معينة، بناءً على تلك التجارب المرتبطة بالألوان التي تعرضوا لها. والأطفال أكثر عرضة للارتباط بالألوان الزاهية مثل البرتقالي، والأصفر والوردي، إذ ترتبط هذه الألوان بالمشاعر الإيجابية وليس السلبية، كون الحياة بالنسبة للأطفال في هذه السن، هي السعادة والمرح والانطلاق بلا قيود.

أظهرت دراسة أجريت على أطفال تتراوح أعمارهم بين أربعة و11 عامًا، أنهم استخدموا ألوانهم المفضلة عند رسم شخصية «لطيفة»، بينما يميلون إلى استخدام اللون الأسود عند رسم شخصية «سيئة»، ومن هنا تبدو العلاقة بين الروابط العاطفية والألوان بسيطة، وإن كانت في الواقع أكثر تعقيدًا مما أظهرته هذه الدراسة، لكن الفكرة نفسها مقبولة، فبالتأكيد يربط الأطفال علاقات معينة بين مشاعرهم وبين الألوان المفضلة عندهم.

يتأثر الأطفال أيضًا ببعض الضغوط الاجتماعية، على سبيل المثال، فإن المجتمع هو الذي حدد أن اللون الوردي هو المستخدم للفتيات، سواء في ملابسهن أو ألعابهن، ومن ثم يمكن لهذا الأمر أن يكون له تأثير قوي في اختيارات اللون المفضل في مراحل لاحقة من عمر الإنسان.

ومرحلة المراهقة أكثر قتامة

عندما يتحول الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، نلاحظ أن اختيارات اللون المفضل تميل إلى الألوان الأكثر قتامة وكآبة، المشكلة هنا أنه لا توجد الكثير من الدراسات التي تبين سبب هذه العلاقة. وجدت إحدى الدراسات الصغيرة في المملكة المتحدة، أن الفتيات في سن المراهقة يملن إلى اللون البنفسجي والأحمر (اللون الأكثر قتامة من الوردي)، في حين أن الأولاد يفضلون الأخضر والأصفر المخضر.

بينما أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت على اختيار لون غرفة نوم الأولاد البريطانيين المراهقين أنهم يميلون إلى اختيار اللون الأبيض، لكن عند سؤالهم عن اللون المفضل، اختاروا اللونين الأحمر والأزرق ألوانًا مفضلة، مثل هذه الألوان الأكثر قتامة تميل للانتشار أكثر مع الناس المتجهين لسن الرشد.

الشباب وما بعده: هيمنة اللون الأزرق

في إحدى التجارب البسيطة التي أجريت في عام 1993، أجرت إحدى شركات صناعة أقلام التلوين استطلاعًا حول تفضيلات بعض الأمريكيين لقلم تلوينهم المفضل، فاختار عدد كبير منهم اللون الأزرق القياسي، كما ظهرت ثلاث درجات للون الأزرق في قائمة الألوان العشرة الأكثر تفضيلًا.

بعد سبع سنوات، كررت الشركة تجربتها. مرة أخرى، فاحتل اللون الأزرق الكلاسيكي المرتبة الأولى، في حين ظهرت ست درجات أخرى من اللون الأزرق في المراكز العشرة الأولى، كما انضم للقائمة ظلال من اللون الأرجواني والأخضر والوردي.

هيمنة اللون الأزرق في مثل هذه القوائم تظهر أنه بمجرد أن نصبح بالغين، فالجميع يحب اللون الأزرق بشكل أو آخر، ويبدو أن هذا اللون متعدد الثقافات، وربما يكون له علاقة بلون البحار والسماء.

لكن.. لماذا لدينا ألوان مفضلة؟

الجواب ببساطة، لأن لدينا أشياء مفضلة، وهذا هو جوهر نظرية تسمى «التكافؤ البيئي»، وهي فكرة طرحها باحثون علم نفس أمريكيون. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الألوان بعيدة كل البعد عن الحيادية، فالبشر يضعون المعنى على الألوان، وهذا المعنى يكون في الغالب مستمدًا من تاريخنا الذاتي، ومن ثم يخلقون أسبابًا شخصية عالية للعثور على لون مفضل أو لون غير محبب.

هذه النظرية تفسر سبب اختلاف تفضيلات الأشخاص المختلفين للون نفسه، ولماذا يمكن أن يتغير تفضيلك للون معين بمرور الوقت. ومع تراكم ارتباطات جديدة من خلال التعرض اليومي لتجارب ما في العالم من حولنا أو بشكل مصطنع عن طريق التكيف المتعمد، يمكن أن يتسبب ذلك في تغيير اللون الذي نحبه بمرور الوقت.

إذا أخذنا اللون الأحمر على سبيل المثال، بالنسبة للبعض هو لون رائع يمثل الحب خصوصًا إذا كنا نعيش (أو عشنا) قصة حب جميلة مليئة بالهدايا والورود الحمراء. بينما قد يشمئز البعض الآخر منه لأنه يرتبط بلون دماء رآها تنزف من والده قبل وفاته مثلًا، تجاربنا مع العالم هي التي تؤثر باستمرار في طريقة رؤيتنا لكل لون وتفسيره، وبكلمات أبسط، فكر في تفضيلات الألوان على أنها ملخص لتجاربك مع هذا اللون.

بالمناسبة، الشخص الذي يعشق اللون الأحمر بسبب قصة حبه الرائعة يمكن أن يكره الأحمر بشدة إذا انتهت قصة الحب نهاية دراماتيكية، مثل وفاة المحبوبة أو الانفصال مثلًا.

وما هي تأثيرات البيئة في اللون المفضل؟

من هنا يمكننا تفسير سبب حب الكثير من البالغين للون الأزرق، إذ إنه من المرجح أن تكون معظم تجارب البشر مع هذا اللون إيجابية، مثل صور البحار والمحيطات الشاعرية أو السماء الصافية. على المنوال نفسه، يمكن أن نفهم سبب كره كثير من البشر للون البني، لأنه يرتبط بالنفايات أو الأطعمة المتعفنة أو الطين.

لماذا يملك كل شخص لونًا مفضلًا؟

فالبيئة التي نعيش فيها تحفز تفضيل الألوان لدينا بطرق أخرى أيضًا، إذ أظهرت دراسة أمريكية أن ألوان الجامعة (المباني أو شعار الجامعة) التي يدرس فيها الطلاب أثرت في درجات الألوان التي اختاروها كأفضلية، فكلما قال الطالب إنه يؤيد ويتبنى قيم وروح الجامعة أو المدرسة التي يدرس فيها، ارتفع تفضيل هذا اللون.

الوردي والأزرق

يسود في العالم الآن فكرة أن اللون الوردي مخصص للفتيات، بينما اللون الأزرق مرتبط بالأولاد، وقد بحثت إحدى الدراسات في تأثير هذا الأمر، فوجدت أن حب الفتيات للألوان الوردية يمثل قمة التفضيلات، ويبلغ ذروته في سن المدرسة المبكرة قبل أن يتراجع في سن المراهقة.

في المقابل، يتجنب الأولاد اللون الوردي في سن مبكرة، على الأقل خمس سنوات الأولى. إذ يكون باعتقادهم أنهم يمكن أن يحبوا أي لون عدا الوردي، وإذا وجدنا صبيًّا يحب اللون الوردي فإننا نعده متمردًا، ويصعب أن نجد بين الرجال البالغين من يقول إنه يحب اللون الوردي.

المذهل في الأمر أنه حتى عشرينيات القرن الماضي، كان ينظر إلى اللون الوردي على أنه لون ذكوري نمطي، لكنه أصبح مرتبطًا بالفتيات فقط في منتصف القرن العشرين، ومن هنا يظهر لنا تأثير البيئة والمجتمع في تفضيلات الألوان لدينا.

تربية

منذ 3 سنوات
ما الذي تكشفه رسومات الأطفال عن مشاعرهم وشخصياتهم؟

وأخيرًا من المنطقي أن يكون لكل منا لونه المفضل، لكن هذا اللون قابل للتغير بسهولة في المراحل العمرية المختلفة نتيجة اختلاف تجاربنا وخبراتنا المكتسبة في الحياة، فلونك المفضل هو انعكاس لتجربة أو تجارب ما مرت عليك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد