علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

2,519

سواء كنا نتحدث عن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) كونها مؤامرة داخلية، أو أن هبوط الأمريكيين على القمر هو حادثة ملفقة، أو أن اغتيال جون كينيدي كان بأمر من قبل وكالة الاستخبارات المركزية أو المافيا، أو أن العالم الآن تحت سيطرة الكائنات الفضائية، فيبدو كما لو كان هناك شخص ما يصر على أن هذه المؤامرات صحيحة.

ومن المؤكد تقريبًا أن نظريات المؤامرة هذه تصر على أن شخصًا ما هناك (مثل المتنورين أو النظام العالمي الجديد أو المعبد الماسوني) يثبطون المعلومات التي يمكن أن تثبت أنهم على حق، وقد نشأت صناعات بأكملها لدعم مختلف المجتمعات المحلية التي تتبنى هذه النظرية أو تلك، ولا يبدو أن أي قدر من الأدلة الملموسة قادر على ردع المؤمنين الحقيقيين بهذه النظريات، ويبدو وكأن كل حدث عالمي جديد يولد نظرية أخرى لإضافتها إلى عدد لا يحصى من النظريات الأخرى الموجودة بالفعل التي تعزو الأمر برمته إلى مؤامرة ما خلف الكواليس.

على الرغم من أن الاعتقاد بنظرية المؤامرة يمكن أن يستند في بعض الأحيان إلى تحليل عقلاني للأدلة المتاحة أمامنا، إلا أنها في معظم الأحيان ليست كذلك. نحن كبشر، واحدة من أعظم نقاط القوة لدينا هي قدرتنا على إيجاد أنماط ذات مغزى في العالم من حولنا، وتكوين روابط سببية، لكننا أحيانا نرى الأنماط والروابط السببية التي لا توجد في الواقع، خاصة عندما نشعر بأن الأحداث خارجة عن إرادتنا.

تأكيد ما نعتقد وتجاهل ما لا نؤمن به

قد تنشأ جاذبية نظريات المؤامرة من عدد من التحيزات المعرفية التي تميز الطريقة التي نعالج بها المعلومات، على سبيل المثال فإن ما يعرف بـ «التحيز التأكيدي» هو التحيز المعرفي الأكثر انتشارًا وهو يعد أقوى الأمور التي تجعلنا نعتقد في وجود نظريات المؤامرة.

لدينا جميعًا ميل طبيعي لإعطاء المزيد من الوزن للأدلة التي تدعم ما نعتقده بالفعل، كما أن لدينا جميعًا ميل لتجاهل الأدلة التي تتناقض مع معتقداتنا. أحداث العالم الحقيقي التي غالبًا ما تصبح موضوعات لنظريات المؤامرة، تميل إلى أن تكون معقدة جوهريًا وغير واضحة، وقد تحتوي التقارير المبكرة على أخطاء وتناقضات وأوجه غموض، ويركز أولئك الذين يرغبون في العثور على أدلة على التستر على أوجه عدم الاتساق هذه لدعم مطالباتهم.

هناك نوع آخر من التحيز يسمى «التحيز التناسبي». ميلنا الفطري إلى افتراض أن الأحداث الكبيرة لها أسباب كبيرة، قد يفسر أيضًا ميلنا لقبول المؤامرات. هذا هو أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الناس غير مرتاحين لفكرة أن الرئيس جون كينيدي كان ضحية لمجرد مسلح وحيد مختل، ووجدوا بالطبع أنه من الأسهل قبول النظرية بأن اغتياله كان نتيجة مؤامرة واسعة النطاق.

نوع آخر من أنواع التحيز المعرفي ذو الصلة هو «الإسقاط». قد يكون الأشخاص الذين يؤيدون نظريات المؤامرة أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات تآمرية، مثل نشر شائعات أو أنهم يميلون إلى التشكيك في دوافع الآخرين. إذا كنت تشارك في مثل هذا السلوك، فإنه من الطبيعي أن الآخرين يفعلون المثل أيضًا، مما يجعل المؤامرات تبدو أكثر معقولية وواسعة النطاق، وعلاوة على ذلك، فإن الناس الذين يميلون بقوة نحو التفكير التآمري، سيكونون أكثر عرضة لتأييد نظريات متناقضة متبادلة.

على سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أن أسامة بن لادن قتل منذ سنوات عديدة قبل أن تعلن الحكومة الأمريكية رسميًا وفاته، فإنك أيضًا أكثر عرضة للاعتقاد بأنه لا يزال على قيد الحياة الآن.

ولا ينبغي أن يشير أي مما سبق إلى أن جميع نظريات المؤامرة خاطئة. قد تميل بعضها بالفعل إلى أن تكون صحيحة. النقطة هنا هي أن بعض الأفراد قد يكون لديهم ميل لأن يجدوا هذه النظريات جذابة لهم. جوهر المسألة هو أن أصحاب نظريات المؤامرة ليسوا متأكدين حقًا حيال ما هو التفسير الحقيقي للحدث، هم ببساطة متأكدين أن «الرواية الرسمية» هي مجرد تغطية على الحقيقة.

الشعور بالعجز والشعور بالسيطرة

وفقًا لاثنتين من الدراسات اللتين نشرتا في مجلة علم النفس المعرفي التطبيقي عام 2015، فإن أصحاب نظريات المؤامرة، وهناك الكثير منها، أكثر مما نعتقد، يميلون إلى أن يكون لهم شيء واحد مشترك: أنهم يشعرون بعدم السيطرة على حياتهم.

جان-ويليم فان برويجن، أستاذ مشارك في علم النفس الاجتماعي والتنظيمي في جامعة فو أمستردام، قام بدراسة نظريات المؤامرة وأولئك الذين يؤمنون بها لمدة ست سنوات.

يقول: «عندما بدأت هذا البحث، واحدة من الأشياء التي وجدتها مذهلة ومستغربة هي كم الناس الذين يعتقدون في نظريات مؤامرة معينة».

نظريات المؤامرة غالبًا ما تزداد وتنتشر في أوقات عدم اليقين والخوف؛ بعد الهجمات الإرهابية، والأزمات المالية، والوفيات البارزة، والكوارث الطبيعية، وتشير الأبحاث السابقة إلى أنه إذا شعر الناس أنهم ليس لديهم سيطرة على حالة ما، فسوف يحاولون فهم المعنى ومعرفة ما حدث. يقول فان برويجن إن إحساسهم وتوقعاتهم «تقودهم إلى ربط النقاط التي لا ترتبط بالضرورة بالواقع».

وأظهر هو وفريقه أن العكس صحيح أيضًا، الشعور ببعض السيطرة هو أمر وقائي ضد الإيمان بنظريات المؤامرة. في إحدى الدراسات، قسموا 119 شخصًا إلى مجموعتين، وطلبوا من المجموعة الأولى كتابة المرات عندما كانت الأمور بالنسبة لهم تحت السيطرة بشكل كامل؛ وقيل للفريق الآخر أن يكتب المرات التي كانوا فيها لا يشعرون بالسيطرة. هذا الأمر أعطى المجموعة الأولى شعورًا قويًا، في حين منح المجموعة الثانية شعورًا بالعجز.

ثم قام الباحثون بعد ذلك باستطلاع مواقفهم بشأن مشروع بناء في العاصمة الهولندية أمستردام دمر عن طريق الخطأ أسس العديد من المنازل المجاورة، والتي كان كثير من الناس يعتقدون أنها مؤامرة من مجلس المدينة، وليس مجرد حادث عارض. أولئك الذين كانوا يملكون شعورًا بالسيطرة كانوا أقل احتمالًا للاعتقاد بأن الحكومة كانت وراء هذا الحادث. يقول برويجن «وجدنا أنه إذا كنت تعطي الناس شعورًا بالسيطرة، يصبحون أقل ميلًا للاعتقاد في نظريات المؤامرة». وأضاف إن منح الناس شعورًا بالسيطرة يمكن أن يجعلهم أقل ارتيابًا في العمليات الحكومية.

وبطبيعة الحال، فإن الهولنديين ليسوا المؤمنين الوحيدين بمثل هذه النظريات، فقد نظرت التجربة الثانية في بيانات المسح من عينة ممثلة على الصعيد الوطني من الأمريكيين أجريت في الأشهر الأخيرة من عام 1999 إلى عام 2000. وقالت فان برويجن: «كلما خاف الناس من علة الألفية في عام 1999، فإنهم كانوا أكثر ميلًا للاعتقاد بنظريات المؤامرة الأخرى، بدءًا من كينيدي إلى الحكومة التى تخفي الدليل على وجود الأجسام الفضائية». أفضل توقع هنا في أن شخصًا يؤمن بنظرية مؤامرة واحدة، هو الاعتقاد بأنه يؤمن بالنظريات الأخرى أيضًا.

هذه النتيجة تدعم البيانات من مجموعة أخرى في عام 2014، والتي وجدت أن 37% من الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن إدارة الغذاء والدواء تمنع عن الجمهور عمدًا الحصول على العلاج الطبيعي للسرطان لأن هذه الإدارة تحت سيطرة كبريات شركات الأدوية.

هذه المعتقدات يمكن أن يكون من الصعب جدًا تغييرها، ولكن إعطاء الناس شعورًا بالسيطرة يمكن أن يساعد في تبديد بعض المعتقدات التآمرية، كما تشير البحوث، وهي النتيجة التي يمكن أن تكون مفيدة في جميع أنحاء العالم، ويقول فان برويجن: «لا شك أن هناك متغيرات ثقافية تؤثر عليها، ولكن جوهر نظرية المؤامرة هو، كما أعتقد، عالمي وواسع بين البشر، والناس لديهم ميل طبيعي إلى التشكيك في المجموعات القوية وربما العدائية».

ما السر وراء الانجذاب لهذه النظريات؟

وفي محاولة لإدراك مدى جاذبية نظريات المؤامرة القوي، نفذ علماء النفس العديد من الدراسات في محاولة لفهم لماذا يتم توجيه بعض الناس إلى هذه المعتقدات. وقد وجدت هذه الأبحاث دليلًا على أن بعض السمات الشخصية مثل الميكيافيلية، والانفتاح على الخبرة، والنرجسية، وانخفاض التوافق، تبدو مرتفعة بشكل خاص في المؤمنين بالمؤامرة، كما أنها تظهر مستويات أقل من التفكير التحليلي وميل إلى رؤية «أنماط» في أحداث لا علاقة لها في كثير من الأحيان.

لكن مقالة بحثية نشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي عام 2017، تشير إلى أن نظريات المؤامرة قد توفر أيضًا بعض الفوائد النفسية المثيرة للاهتمام للأشخاص الذين يختارون الاعتقاد بها، ووفقًا لما ذكره أنتوني لانتيان من جامعة باريس نانتير الفرنسية ومؤلفيه المشاركين في هذا البحث، يوجه الناس إلى نظريات المؤامرة بسبب الحاجة الأساسية للتفرد، وبعبارة أخرى، الحاجة إلى أن تكون مختلفًا عن الآخرين من خلال تبني المعتقدات الخارجة عن المألوف.

كما أن هذه الحاجة إلى التفرد يمكن أن تجعل الناس يطورون هوايات غير عادية أو البحث عن الخبرات التي تميزهم عن الآخرين، والمؤمنون بالمؤامرة يتبنون عادة معتقدات غير عادية عن العالم، والتي تجعلهم يشعرون أنهم مميزون، وسواء كان ذلك ينطوي على تبني «الحقيقة» وراء الاغتيالات السياسية أو الزوار الفضائيين أو الأفعال الخاطئة للمسؤولين الحكوميين أو الاكتشافات العلمية السرية التي لا يعرفها الناس العاديون، فإن تبني نظريات المؤامرة يمكن أن يزود المؤمنين بها بشعور زائف بالثقة حول الكيفية التي يعمل بها العالم «حقًا».