ما الزمن؟ هل هو كما نتخيله خطًّا مستقيمًا يتحرك للأمام دومًا؟ ماضٍ وحاضر ومستقبل هم ما يشكل دورة حياتنا من يوم ولادتنا وحتى الموت؟ في الحقيقة لا يوجد في الفيزياء ما يؤكد ذلك. لكن لفهم الزمن على حقيقته، عليك عزيزي القارئ أن تترك كل ما تعرفه عن مرور الوقت خلفك قبل أن تبدأ في قراءة هذا التقرير، الذي حاولنا قدر الإمكان أن نتتبع فيه خريطة «الزمن» منذ اللحظة الأولى وحتى يومنا هذا.

«تاريخ الزمن».. عن نشأة الساعات التي نعرفها

لآلاف السنين، كانت الطريقة الوحيدة المتعارف عليها لحساب الوقت هي تعاقب الليل والنهار؛ إذ كان الزمن يعتمد حينذاك على فكرة «عد الأيام» لتصبح في وعينا هي النموذج الأول لمرور الوقت، ومن ثم أصبحنا نعد الشهور والسنوات، ونتتبع الفصول؛ وبناءً على هذا النموذج الأولي، تكون لدينا ما يسمى بـ«مفهوم الزمن» والذي نظَّمنا على أساسه حياتنا. بالطبع كان ذلك قبل اختراع «الساعة الرملية».

عرف العالم القديم مجموعة مختلفة من «الساعات» لحساب الوقت كان منها: الساعة الشمسية، والساعة المائية، والساعة الرملية، إلا أن أيًّا من هذا لم يلعب الدور الدقيق والقاسي الذي لعبته الساعات الميكانيكية في تنظيم حياة الأفراد وحساب الوقت. وعن ذلك يحكي كارلو روفيللي في كتابه «نظام الزمن» عن بدء عصر الزمن المنظم وفقًا للساعات، قائلًا: «فقط في القرن الرابع عشر في أوروبا تبدأ حياة الناس في الانتظام وفقًا للساعات الميكانيكية. تُشيد المدن والقرى كنائسها، وتنصب أبراج أجراس بجوارها، وتضع ساعة على برج الجرس لتحدد إيقاع الأنشطة الاجتماعية».

(الساعات)

كان الهاجس في البدء هو فكرة «تقسيم الزمن»، فنحن نقسم الأيام إلى ساعات، والساعات إلى دقائق، والدقائق إلى ثوانٍ، ولهذا كانت كلمة زمن بالإنجليزية «Time» مشتقة من جذر هندو-أوروبي هو «Di» أو «Dai»، ويعني «يقسم»، وكانت جدوى الساعات تكمن في كونها تعلن عن الوقت نفسه للأفراد في نطاق الحيز الجغرافي نفسه؛ فمن عاشوا في القرى والمدن التي وصفها روفيللي، تمكنوا من خلال ساعة جرس الكنيسة من تنظيم حياتهم وفقًا لوقت محدد؛ إذ كانت لدى كل قرية أو مدينة ساعة شمسية تسجل لحظة وصول الشمس إلى منتصف مسارها؛ ما يسمح بضبط الساعات فوق أبراج الأجراس وفقًا لها.

في ذلك الوقت، كان لكل قرية صغيرة نظامها الزمني الخاص بها والمختلف عن بقية المدن والقرى، وذلك حتى القرن التاسع عشر عندما نشأت رغبة مُلحة لتوحيد الزمن بصورة قياسية، حينها اقترح البعض تحديد «ساعة عمومية للعالم بأكمله». كان هذا الاقتراح وليدًا لتسارع وتيرة الحياة؛ فالسفر لم يعد على صهوة جواد أو بالجمال؛ بل أصبحت هناك قطارات سريعة تنقلنا من مكانٍ إلى آخر في فترة وجيزة، وبالتالي أصبحنا نحتاج إلى تحديد أدق من «الزمن المحلي».

ويبدأ العالم حينذاك، تحديدًا عام 1883، الموافقة على مقترح مزامنة الساعات بين مختلف المدن، ليظهر هذا النظام الحديث المتعارف عليه حاليًا، والذي يقسم العالم إلى «نطاقات زمنية»، ومن خلال ذلك تمكنا من توحيد الزمن داخل كل نطاق.

نظام الزمن.. من أرسطو إلى أينشتاين

يشير كارلو روفيللي إلى أننا إذا أردنا أن نفهم «اتجاه سهم الزمن» الذي يتحرك بالنسبة إلينا في اتجاه واحد فقط نحو المستقبل ولا سبيل لعودته للوراء، فيجب علينا في البدء أن نفهم ثلاث نظريات صاغها ثلاثة من عمالقة الفيزياء ساهموا بشكلٍ أو بآخر في بناء مفاهيم «الزمن» الباقية حتى وقتنا هذا، وهم أرسطو، ونيوتن، وأينشتاين.

كان الزمن بالنسبة إلى أرسطو هو قياس أو حساب التغير؛ إذ رأى أن الأشياء من حولنا تتغير باستمرار، تمامًا مثل تغير النهار إلى ليل والليل إلى نهار، وبالتالي فالزمن كان حساب هذا التغير؛ فبالنسبة له كان الثبات أو عدم التغير يعني «عدم مرور الزمن»؛ لأن قياس الوقت يعني قياس حركة ما أو تغيُّر ما، ولو لم يتحرك شيء، فلا زمن. كما كان أرسطو أول من ربط بين الزمن والمكان، فالأشياء التي تتغير لها «مكان»، وهو الحيز الذي يحيط بها.

أما نيوتن، فقد رأى أن الزمن الذي تحدث عنه أرسطو والذي يرصد تغير الأشياء موجود، لكن إلى جانبه، هناك زمن آخر، مطلق أسماه «الزمن المطلق»، وهو يمر بشكل دائم، حتى لو لم يتغير أي شيء، فهو بمنأى عن فكرة عد الأيام، ومستقل بذاته. وقد كان هذا الزمن الذي وصفه نيوتن هو الأساس الذي بنيت عليه «الفيزياء الحديثة»، ومنه نشأت نظرتنا العامية إلى الزمن؛ إذ أدخل هذا المفهوم في النظام التعليمي حول العالم، وقد ربط نيوتن هذا الزمن المطلق بما أسماه «المكان المطلق» المتجرد من الأشياء.

ثم جاء أينشتاين بإنجازه الكبير موفقًا بين زمن أرسطو وزمن نيوتن؛ إذ توصل إلى وجود «مجالات» تشكل النسيج الحقيقي للعالم المادي، مثل المجال الكهرومغناطيسي، وبالنسبة إلى الزمن فهذا المجال يطلق عليه «الزمكان»، أو المجال الجذبي، وهو أصل قوة الجاذبية والقوام الذي شكل مكان نيوتن وزمنه، لكنه ليس مطلقًا كما تخيلته النظرة النيوتنية، بل ينثني ويتمدد مشكلًا ما يُعرف بالأمواج الجذبية. وهو ما يفسر تباطؤ الساعات في بعض الأماكن دون غيرها، فالزمن يمر أبطأ عند سطح البحر، وأسرع عند الجبال؛ إذ إن كتلة الأرض تجعل الزمن يمر بصورة أقل، نظرًا إلى وجود مجال جذبي أقل هناك.

(الزمكان في نظرية أينشتاين)

عن ذلك يقول روفيللي: «هكذا يصبح الزمن جزءًا من هندسة معقدة منسوجة مع هندسة المكان»، وبذلك استطاع أينشتاين التوفيق ما بين تصوري نيوتن وأرسطو؛ إذ كان أرسطو محقًّا في قوله إن الزمن والمكان مرتبطان بعضهما ببعض، كمان كان نيوتن محقًّا في تخيله لوجود زمن آخر إلى جانب هذا الزمن البسيط الذي نعرفه من خلال الساعات وعد الأيام.

ما الذي نسميه نحن البشر زمنًا؟ التفسير القديم لسهم الزمن

بنية الزمن ليست كما تبدو، إذا كان نيوتن يرى أن هناك زمنين، فإن الفيزياء الحديثة قد اكتشفت أن ما لدينا في الحقيقة هو مجموعة متكاملة من «الأزمنة» لا حصر لها؛ إذ إن هنالك زمنًا مختلفًا لكل نقطة في المكان. والآن نجيب عن السؤال الذي بدأنا به موضوعنا، ما الزمن؟ إنه ظاهرة عامة تقيس تتابع الأشياء. شبكة عنكبوتية من الأزمنة يتغير إيقاعها بتغير المكان. أما ما يعنيه تدفق الزمن في اتجاه دون الآخر، فيمكن تفسيره من خلال «نظرية الحرارة»، تلك التي وضعها العالم سعدي كارنو عام 1824، والتي تشرح حقيقة أن الحرارة التي لا تنتقل إلا من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة وليس العكس أبدًا.

كانت تلك الملاحظات التي تركها كارنو هي التي ساعدت في نشأة قوانين الديناميكا الحرارية، ومنها مبدأ حفظ الطاقة، والذي أصبح لوقتٍ طويل جدًّا هو القانون الوحيد الذي يمكن من خلاله تفسير «اتجاه سهم الزمن»، أي أن يكون للوقت اتجاه يتحرك دومًا إلى الأمام، وليس بالإمكان عودته إلى الوراء، تمامًا مثل قطعة ثلج وضعت في كوبٍ من الماء الساخن، فهي تذوب نتيجة لحرارة الكوب، وليس بالإمكان عكس هذه العملية. وذلك لأن «الأنتروبيا» والتي تعنى بقياس العشوائية أو الفوضى في نظام ما، هي ما ينظم العالم من حولنا، وهي تتزايد باستمرار ولا يمكن إعادتها للوراء.

فالعالم ينتقل من درجة إنتروبيا (اضطراب) منخفضة إلى درجة إنتروبيا عالية، وهو ما يتماشى مع سهم الزمن الذي يتجه دومًا نحو المستقبل؛ والآثار التي تركها الماضي قد تكون بهذا الوضوح، فقط لأنها نشأت من حالة إنتروبيا منخفضة عما نشهده الآن.

علوم

منذ سنتين
نحن نعيش في القرن 18.. تعرف إلى نظرية «الزمن الشبح» المجنونة والردود عليها

«عالم بلا زمن».. عندما أصبح الزمن مرتبطًا بالأحداث لا الأشياء

«ليس هناك من زمن واحد، بل هناك فترة زمنية مختلفة لكل مسار». *كارلو روفيللي

ما الفرق بين الأشياء والأحداث؟ يجيب روفيللي أن الأشياء التي اعتمدت عليها تفسيرات الزمن القديمة تعني أنها كائنة وموجودة في الزمن، أما الأحداث فتشغل حيز فترة زمنية محددة فحسب، وهو التفسير الأقرب للنسبية التي أسسها أينشتاين.

هنا يدعونا روفيللي إلى التفكير في العالم بوصفه مجموعة من الأحداث والوقائع، وبالتالي فهي ليست دائمة، بل تمر بتحول مستمر. وتأتي نتيجة تفاعل لحظي بين مجموعة من القوى، وإذا كان الأمر كذلك فهو مرتبط بطريقة إدراكنا نحن لما يحدث. على سبيل المثال، الحرب ليست شيئًا، بل هي سلسلة من الأحداث والوقائع، تمامًا مثل العواصف والسحب، فنحن ندركها بطريقة مختلفة تمامًا عن ماهيتها، وكذلك العائلة التي يمكن تفكيكها لشبكة من العلاقات والمشاعر، بالضبط مثل تفكيك الزمن.

يريدنا روفيللي في كتابه أن نتخيل العالم بلا زمن، وهو لا يعني عالمًا جامدًا لا يتحرك، بل على العكس من ذلك، فالأحداث والوقائع تحدث فيه بلا انقطاع؛ إلا أنها لا تحدث بالطريقة المنتظمة ذاتها التي نتخيلها وكأن هناك ساعة عملاقة تحدد مجريات الأمور. فالزمن ليس خطًّا منتظمًا، إنه فوضوي، «شبكة غير منتظمة من الأحداث الكمية لا يحدها حد».

(هل الزمن موجود؟)

في الحقيقة، تعد البنية الزمنية للعالم أكثر تعقيدًا من مجرد تتابع خطي للحظات، ما يشي بأنه ليس هناك من «زمن مشترك».

معادلة ويلر-ديويت أول معادلة اعتمدت في بنائها على تجاهل «متغير الزمن»، اكتشفها فيزيائيان أمريكيان، هما برايس ديويت، وجون ويلر عام 1967. كانت النظرية لا تصف تغير الأشياء في الزمن، بل كيفية تغير الأشياء في علاقتها بعضها ببعض، إنه الشكل الأولي لميكانيكا العالم دون الحاجة لإدراج الزمن.

كانت تلك المعادلة هي حجر الأساس لما يعرف في الفيزياء باسم «نظرية الحلقات»، أو معادلات الجاذبية الكمية الحلقية، والتي اعتبرت نظرية موحدة لكل الأشياء؛ إذ تصف المجالات التي تشكل الفوتونات والإلكترونات ومكونات الذرات والمجال الجذبي، كلٌ على المستوى نفسه دون الحاجة إلى إدراج زمن ومكان أساسيين. وهنا لم يعد الزمن والمكان هما الوعاء الذي يحتوي العالم، بل أثبتت تلك النظرية أنه بالإمكان كتابة معادلات دقيقة، خالية من الزمن، وتعتمد فقط على التفاعل اللحظي للأشياء بعضها ببعض، والذي يشكل أحداث العالم. 

«عين المراقب».. لهذا لا نتذكر المستقبل

كان المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية قديمًا هو الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تفسير سهم الزمن الذي نعرفه، وقد ظل مستخدمًا حتى وقتٍ قريب، ليفسر الزمن بمنأى عنا نحن كأفراد؛ وكأنه شيء قائمٌ بذاته. لكن ماذا لو كان الزمن ينبع من داخلنا وليس من العالم المادي؟

لآلاف السنين كانت تصوراتنا عن الماضي أنه مجموعة من الأشياء التي حدثت وانقضت، والمستقبل هو ما لم يحدث بعد، فماذا لو كان للأمر علاقة بإدراكنا وبالطريقة التي صممت من خلالها أجسادنا؟ وهذا موضوع ورقة علمية نشرت عام 2016.

فقد اعتدنا نحن البشر على رؤية الأرض مركزًا للكون والنظام الشمسي، وهو ما ثبت فيما بعد خطأه؛ إذ اكتشفنا أن كوكبنا هو ما يدور حول الشمس، تمامًا كما تغيرت معتقداتنا عن الأرض المسطحة، حين اكتشفنا أنها كروية. يحدث هذا لسبب بسيط: أن الطريقة التي ندرك بها الواقع من خلال حواسنا ليست بالضرورة هي الطريقة التي يعمل بها العالم فعلًا.

اعتقد أغلب علماء الفيزياء، أن «الجاذبية» هي المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم سهم الزمن؛ إذ كانت حجتهم أن قوة الجاذبية هي ما تجبر الجسيمات الصغيرة على التفاعل معًا، وهو ما ينتج منه ظهور سهم الزمن إلى الأمام؛ لأن هذا التفاعل يحفز ازدياد الاضطراب أو الإنتروبيا، خاصةً عندما تبدأ تلك الجسيمات الصغيرة في التفاعل مع كتل أكبر. وهو ما يعني أن الكون قد يكون بدأ منظمًا إلا أنه اتجه منذ ذلك الحين في مسارٍ فوضوي، وهو الأمر الذي تدلل الورقة العلمية الأخيرة على خطأه.

كتب الورقة باحثان، ديمتري بودولسكي، مهندس وكبير علماء شركة أستيلاس الدوائية بالولايات المتحدة، وروبرت لانزا، كبير المسؤولين العلميين بمعهد أستيلاس للطب التجديدي، ويشيران إلى أنه عند حساب المعادلات الرياضية التي تفسر دور قوى الجاذبية في نشأة سهم الزمن، فإن النتيجة الأخيرة لا تفسر كيفية اتجاه سهم الزمن للأمام دومًا، فوفقًا للبحث المذكور، الجاذبية أضعف من أن تحفز تلك التفاعلات، وبالتالي ليست قوية كفاية لإجبار سهم الزمن على الحركة في اتجاهٍ معين. وباختصار: نحن لا نعرف ما الذي يحرك الزمن في اتجاه معين.

علوم

منذ سنتين
نظريات معقدة عن الزمن.. هل يمكن للمستقبل أن يؤثر على الماضي؟

تطرح نتيجة البحث الكثير من الأسئلة، ففي عالم بلا زمن، حين يمكن للنظريات والمعادلات أن تنتج نتائج صحيحة بدون إدخال عامل الزمن فيها، يأتي السؤال: هل الزمن وتدفقه أو تحركه وهم اخترعناه؟ تجاوب الفيزيا الحديثة بأن عين المراقب، والتي تتمثل في إدراكنا نحن للحوادث والوقائع وتتابعها، هي التي ترصد الزمن. فما لاحظناه اعتبرناه ماضيًا، لأننا أدركناه بحواسنا وسجلته ذاكرتنا، وما لم ندركه، هو بالنسبة لنا، ما لم يحدث بعد. فهل ينهار هذا الاكتشاف الجديد أيضًا ليفسح المجال لتفسيراتٍ جديدة عن الزمن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد