1,168

يظن الكثير من الناس، خصوصًا في الدول الفقيرة، أن إنفاق المليارات من الدولارات على محاولات إنقاذ الحيوانات المعرضة للانقراض هو محض حماقة، أليس الأطفال الذين يتعرضون للمجاعات بالملايين في أفريقيا أحق بهذه المليارات؟ ألن يكون من الأفضل للإنسانية أن يتم صرف هذه المبالغ لعلاج المرضى في الدول الفقيرة التي تعاني نقص الدواء في بلدان العالم؟ والحقيقة أن هذا التصور ليس حكرًا على الفقراء فقط.

بالتأكيد سيكون الأمر محزنًا لو اختفت الفيَلَة بشكلها الظريف من الكوكب، وكذلك دِببة الباندا بفرائها الأنيق وتصرفاتها اللطيفة أمام الكاميرا، لكن الذي يدفع العلماء ومن خلفهم الحكومات ومؤسسات الحفاظ على البيئة لإنفاق كل هذه الأموال في مجهودات حماية النظم البيئية والكائنات المعرضة للانقراض هي أسباب أقوى من ذلك بكثير؛ أسباب تتعلق بوجودنا نحن البشر أيضًا، لكن كيف ذلك؟ وهل يستحق الأمر أن ندفع كل هذه المبالغ التي تقدر بـ76 مليار دولار لحماية الحيوانات البرية فقط؟ ومبلغ أكثر بكثير لحماية الحيوانات البحرية؟

الانقراض عملية طبيعية

تمر الأرض بمرحلة انقراض جماعي بشكل دوريّ عبر تاريخها، المرة الأخيرة كانت قبل 65 مليون عامًا، وشهد هذا الانقراض الجماعي اختفاء أحد أكبر الكائنات التي مشت على الأرض يومًا وهي الديناصورات. تشكّلت هذه الموجات من الانقراض عبر تاريخ الأرض لأسباب طبيعية، وكانت تعتبر هذه الموجات العنيفة من الاختفاءات لكائنات كثيرة، فرصًا أعظم لظهور كائنات أخرى جديدة أكثر قدرة على التكيّف مع الظروف الجديدة للأرض. الآن، إذا كانت عملية الانقراض تحدث بشكل طبيعي، فلماذا نشعر بالقلق؟ ألن تكون الانقراضات التي تحدث الآن فرصة لظهور كائنات جديدة أكثر قدرة على التكيف؟

Embed from Getty Images
كانت موجات الانقراض التي حدثت في العصور القديمة قبل ظهور الإنسان على الأرض تحدث على فترات زمنية طويلة، مقارنة بموجة الانقراض التي نشهدها الآن على كوكبنا؛ إذ قدّرت دراسة أجريت للنظر في معدل الانقراض الذي تشهده الأرض حاليًا، لتجد أن موجة الانقراض الحالية هي الأسرع، وقد تضاعفت سرعة الانقراض في الموجة الحالية 100 مرة خلال القرن الماضي. لقد أصبح وجود الإنسان في هذه المعادلة عاملًا حاسمًا، إذ يبدو أن الإنسان هو السبب الأهم في هذا المعدل الضخم لانقراض الأنواع والفصائل على الكوكب، ويبدو كذلك أننا لن نكون بعيدين عن دفع الثمن.

لماذا نحافظ على البيئة؟

إننا نعتمد، بطرق مباشرة وغير مباشرة، بالكامل في الحصول على احتياجاتنا للبقاء على قيد الحياة على منتجات الطبيعة من نباتات وحيوانات. تمدّنا الأغطية النباتية الخضراء على الكوكب بالأكسجين اللازم للحياة، والطعام والملبس والأدوات التي نستخدمها في حياتنا اليومية، وتعتمد النباتات بدورها على التربة في الحصول على المواد الغذائية اللازمة لنموها، بينما تمدّنا نحن التربة بالكثير من المواد التي تعتمد عليها حضارتنا الحالية من المعادن والمواد المختلفة المتكونة بين طبقاتها، وأبرزها البترول الذي قدمته لنا تفاعلات التربة مع الأنظمة البيولوجية في العصور السحيقة.

Embed from Getty Images
طوال تاريخنا، اعتمدنا بشكل كبير على المحيطات والأنهار في الحصول على المياه العذبة، والأسماك والكائنات البحرية التي تنوّعت استخداماتنا لها بين التغذية والصناعات المختلفة، بينما أمدّتنا الغابات والأراضي العشبية بالطرائد التي شكلت عاملًا مهمًا في مراحل تطورنا الأولى، وكذلك الخضراوات والفواكه التي تعلمنا في مرحلة ما استزراعها وتنظيم عمليات تكاثرها لكي نبني عليها مجتمعاتنا الحديثة الزراعية والصناعية. هذا الغطاء الأخضر ساهم بشكل كبير في حفظ درجات حرارة الكوكب في النطاق الذي يسمح لنا بالتطوّر وصناعة الحضارة التي نشهدها اليوم.

اقرأ أيضًا: ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

مراقبة الحيوانات قدّمت الكثير للحضارة البشرية

إن عملية حصر الاستفادة التي حققتها البشرية من الطبيعة أمرٌ مستحيل، لكن تطوّر العلوم بالشكل الذي نعرفه اليوم قد سمح لنا برؤية الكثير من مظاهر هذه الاستفادة، فقد تعلّمنا مبادئ الطيران من أجنحة الطيور، وأخذنا تصميم شبكات العنكبوت، والأنظمة المعمارية المعقّدة لمملكة النمل، ونسخنا الأنظمة الدفاعية البيولوجية لدى الكثير من الكائنات لتصبح أسلحتنا لمقاومة الكثير من الأمراض. لقد كانت مراقبتنا للطبيعة والكائنات الحية التي تشاركنا مصادرها عاملًا حاسمًا في ظهور التكنولوجيا بالشكل الذي جعلت به حياتنا أسهل وأكثر أمانًا، وعزّزت فيه قدرتنا على مواجهة الأخطار التي كانت لتقضي على وجودنا لولا قدرتنا على تقليد النظم الطبيعية من حولنا.

الثورة الطبيّة التي أحدثها البشر اعتمادًا على الطبيعية هي قصة أخرى مثيرة إلى درجة مدهشة، فقد ساعدتنا الكائنات المحيطة بنا على ابتكار أدوية تساهم في إنقاذ حيوات بالملايين من البشر سنويًا كانت حيواتهم لتصبح أمام خطر حقيقي لولا وجود تلك الكائنات. لقد ابتكرنا الأدوية الخاصة بضغط الدم من مراقبتنا لتأثير سم الأفاعي، واستخرجنا الأنسولين من بنكرياس الخنازير البرية.

Embed from Getty Images
بعد أن ظلّ البشر يعانون من التلوث الجرثومي الذي يؤدي أحيانًا إلى الوفاة، كانت طوق النجاة للملايين من البشر يقبع في دماء نوع من سرطانات البحر التي تسمى «horseshoe crabs»، فأخذنا بتجميع 500 ألف من هذه السرطانات سنويًا لجمع عينات من دمائها ثم نعيد إطلاقها في البرية مرة أخرى؛ هذه الدماء تستطيع الكشف عن التلوث الجرثومي وشلّ حركته حتى في ظل تركيز صغير جدًا يصل إلى جزئ واحد في الترليون. كل هذه العقاقير وغيرها الكثير، والتي ساعدت في تقليل نسب وفيات البشر وزيادة متوسط عمر الفرد كانت جانبًا صغيرًا جدًا من مساهمات الطبيعية في رحلتنا التطورية الطويلة.

في الطبيعة.. كل كائن مهم ومؤثر بدوره

تعتمد الطبيعة نظامًا معقدًا يشكل علاقة تفاعلية بين كل كائن وبقية الكائنات في محيطه؛ هذا التعقيد يجعل محاولة توقع ما يمكن أن يحدث إذا اختفى كائن معين من سلسلة الغذاء التي يقوم كل عضو فاعل بدور محدد فيها مستحيلاً. في نطاق هذا النظام البيئي المعقد، كل كائن حيّ يلعب دورًا حيويًا في محيطه والنظام البيئي الذي ينتمي إليه، سواء امتلك هذا الكائن فائدة مباشرة للبشر أو لا.

يقول البروفيسور كيري بروس كلارك، أستاذ العلوم البيولوجية في معهد فلوريدا للتكنولوجيا في ملبورن: «الأنواع الصغيرة (minor species) غالبًا ما تمتلك وظائف نحن لا نفهمها، لكنها ربما تكون مهمة من الناحية التطورية ومن ناحية دورها في حفظ التوازن البيئي، وعادة ما تتداخل في تفاعلات معقدة مع أنواع وفصائل أخرى، والتي بدورها قد تكون مهمة من الناحية البيئية أو الاقتصادية». يذكر كلارك أمثلة على هذه الكائنات التي تسبّبت في نتائج كارثية بعد اختفائها مثل طائر «الدودو» وببغاء كارولينا، هذه الطيور كانت تقوم بدور حيوي في نظامها البيئي وهو نثر بذور الأشجار والنباتات في أرجاء الغابة؛ وبانقراض هذين الطائرين تأثّر محيطهما البيئي وتغير تكوين الغابات التي عاشا بها إلى الأبد.

ماذا يحدث عندما يغيب نوع واحد عن نظام بيئي؟

طبقًا لخدمات الأسماك والحياة البرية في الولايات المتحدة (U.S. Fish and Wildlife Service) فإن نباتًا واحدًا يتعرّض للانقراض يمكن أن يؤدّي إلى انقراض 30 نوعًا من الحشرات والنباتات والكائنات الأخرى الموجودة في المستويات الأعلى للسلسلة الغذائية. هذه الأنواع التي تتسبب في مثل هذا النوع من التغير تسمى أحيانًا فصائل «حجر الزاوية» (keystone) ويمكن تعريفها بأنها هذه الكائنات التي عند اختفائها فإن النظام البيئي بأكمله يتعرّض لتغيير جذري.

شاهد ألدو ليوبولد، الأب الروحيّ لحركة الحفاظ على التنوع الحيوي في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي عمل ضابطًا في خدمة الغابات في الولايات المتحدة بولاية أريزونا، تأثير غياب حيوان يقبع في أعلى السلسلة الغذائية على بقية النظام البيئي. في فترة الثلاثينيات وأثناء عمله في غابة أباش الوطنية (Apache National Forest) كان من الداعين بقوة لقتل الذئاب؛ لأنه كان يعتقد أن قتل الذئاب يعني الكثير من الظباء التي يمكن للصيادين المحليين اصطيادها، لكن ما حدث كان أمرًا مختلفًا بالكلية.

Embed from Getty Images
أدَّى استئصال الذئاب في الغابة إلى كارثة بالنسبة للصيادين على عكس ما تخيله ليوبولد، فقد أدت الزيادة السريعة في أعداد الظباء إلى استهلاك الغطاء الأخضر من النباتات؛ ما أدى إلى تآكل التربة وتعريتها تمامًا واختفاء النباتات والأعشاب في الغابة بشكل درامي؛ وهو الأمر الذي أدى، في مرحلة ما، إلى انهيار كامل في أعداد الظباء بسبب اختفاء غذائها نتيجة عدم قدرة التربة على احتمال نمو أجيال جديدة من الأعشاب والنباتات. عندما فهم ليوبولد أسباب الكارثة، تغيرت رؤيته بالكامل وأصبح من الداعين إلى الحفاظ على النظام البيئي بكامل عناصره وأهمها إعادة الذئاب إلى مكانها الطبيعي في قمة السلسلة الغذائية.

الذئاب.. قصة العودة الملحمية

كانت التغييرات التي حدثت أثناء عودة الذئاب إلى الغابة خير مؤشّر على الدور الذي كانت تقوم به ولا يلاحظه الصيادون المتضررون من كثرة فرائسها، والمزارعون المحليون الذين تعرضت ماشيتهم للافتراس بسببها. إثر عودة الذئاب في حديقة يلوستون الوطنية بعد اختفائها أيضًا هناك لعقود، لاحظ العلماء أنماطًا مدهشة من التغير في النظام البيئي، فمع بداية سيطرتها على أعداد الظباء في الحديقة، بدأت الكثير من أنواع الأشجار المحلية في النمو بعد أن كانت تلتهمها الظباء أثناء نموها على ضفاف الأنهار. عودة هذه الأشجار ونموّها حافظ على ضفاف الأنهار من الانهيارات الطينية؛ ما أدى إلى تسريع حركة المياة وتبريدها بشكل ملائم لبقية الكائنات التي تعيش في الأنهار، وبدأت الطيور المهاجرة التي كانت قد اختفت بسبب اختفاء مواطن أعشاشها، في العودة للتعشيش فوق هذه الأشجار مرة أخرى.

Embed from Getty Images
مع عودة هذه الأشجار، بدأت حيوانات القندس في الازدهار مرة أخرى، والتغذّي على فروع هذه الأشجار وبناء السدود الضرورية لتربية صغارها بعرض الأنهار. هذه السدود التي تصنعها القنادس من فروع الأشجار شكّلت مناطق الاسترخاء والصيد لثعالب الماء وبعض الطيور المائية الأخرى. بالعودة إلى الذئاب، فإن عودتها وصيدها المستمر للظباء قد ساهم في عودة الدببة الرمادية للازدهار مرة أخرى؛ بعد أن عادت قادرة على سرقة الطرائد التي تقتلها الذئاب، وهي وسيلة الغذاء الأساسية لدى هذا النوع من الدببة، الذي يمكَّنها من الحفاظ على قوتها ومن ثم القدرة على قتل طرائدها الخاصة.

اقرأ أيضًا: بعد انتحار قرد في غزة.. لماذا «تنتحر» الحيوانات؟

الحياة في سفينة فضاء

ليست هذه الأمثلة التي ذكرناها هي الأكثر دهشة أو الأكثر تأثيرًا داخل أنظمتنا البيئية، لكن في المقابل هناك ملايين الفصائل والأنواع التي تلعب أدوراها بشكل فعَّال داخل أنظمتها البيئية؛ لا يقتصر الأمر هنا على الكائنات، صغيرة أو كبيرة، في أعلى السلسلة الغذائية، إنما تعتمد السلسلة الغذائية بشكل معقّد على قيمة كل حلقة في هذه السلسلة.

يستحيل تخيل الحياة من دون مساندة الطبيعة والأنظمة البيئية في حياتنا اليومية، إذ لا يمكننا تخيّل القيمة المباشرة أو غير المباشرة التي تمدّنا بها كل فصيلة من الفصائل الموجودة بالنظام البيئي. لمحاولة صنع مقاربة لفهم مدى حاجتنا لدعم الكائنات الحية من حولنا. تخيل أننا باعتبارنا بشرًا نعيش في بيئة منعزلة تمامًا تخلو من كل الكائنات الحية من حولنا، ولتكن هذه البيئة هي سفينة فضائية، لا يوجد فيها أي فصائل إلا نحن البشر.

Embed from Getty Images
في هذه البيئة الجديدة لا يوجد أكسجين للتنفس، ستكون هذه هي المشكلة الأولى والأهم، وسيتوجّب عليك ابتكار عملية كيميائية تنتج الأكسجين الكافي للتنفس. المشكلة الثانية الحيوية ستكون عدم توافر الماء، وهنا سيتوجب عليك صناعة عملية كيميائية أخرى تنتج في محصلتها الماء النقيّ الكافي للشرب أيضًا. لعلك قد فهمت القصد هنا؛ إن كل ما يحتاجه البشر من أساسيات الحياة هو من نتاج النظم البيئية التي نعيش في ظلها، ناهيك عن الأشياء التي تجعل حياتنا أسهل وأبسط عما كانت عليه قبل أن نتعلم محاكاة الطبيعة والاستفادة مما يمكن أن تقدمه لنا. ربما نكون قادرين علميًا على صناعة بدائل صناعية لكل هذه الاحتياجات، لكن فكرة السماح للأنظمة البيئية بأن تمدنا بهذه الاحتياجات سيكون أسهل وأقل كثيرًا من حيث الكلفة.

حفظ التنوع الحيوي.. دوافع مختلفة وجهد ضروري

في ظل كل المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الملايين من البشر في أنحاء العالم، وكذلك انتشار المجاعة ونقص المياه في مناطق متعدّدة من الكوكب، يبرز الحفاظ على النظام البيئي باعتباره حلًّا أوليًّا وأساسيًّا من أجل مقاومة هذه المشكلات التي تهدّد البشر في تلك المناطق، قد تكون الأمثلة التي شكلت تجليات واضحة لهذا الدور الحيوي للنظام البيئي أكثر من أن تحصى في النهاية، لكن دراسة نُشرت عام 1997 كانت قادرة على وضع أرقام تساعدنا على فهم قيمة الحفاظ على النظام الحيوي بالنسبة للبشر.

حاول عالم البيئة، روبرت كوستانزا، رفقة مجموعة من زملائه تقدير القيمة الاقتصادية التي يمدّنا بها محيطنا الحيوي، وتوصل إلى أن الأنظمة الحيوية من حولنا تمدّنا بخدمات تقدر بـ33 ترليون دولار كل عام، ومن أجل مقارنة هذا الرقم بالنشاط الاقتصادي البشري كله، فإنه في ذلك الوقت كان الاقتصاد العالمي بأكمله ينتج ما قيمته 18 تريليون دولار سنويًّا.

Embed from Getty Images
في عام 2002، حاول كوستانزا وفريقه صياغة السؤال بطريقة أخرى، وكانت الصيغة الجديدة كالتالي: ما هي القيمة التي يمكن أن نجنيها إذا ما قمنا بالحفاظ على التنوع الحيوي مقارنة بما سننفقه في أثناء القيام بهذه المهمة؟ توصل كوستانزا إلى أن العوائد الناتجة من مجهودات حفظ التنوع الحيوي سوف تكون مائة ضعف التكلفة التي سوف ندفعها أثناء تحقيق هذا الهدف. تثبت هذه الدراسة حقيقة اقتصادية أخرى، وهي أن حفظ التوازن الحيوي والبيئي هو استثمار ضخم وناجح بالنسبة للبشر.

اقرأ أيضًا: الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

البشر والكائنات الحيّة في مركب واحدة

يرى البعض أن الخطوة الأولى في طريق المحافظة على الطبيعة والتنوع الحيوي، هي إقناع البشر أن هذا التنوع جيّد، بل وضروري من أجل بقاء البشر على هذا الكوكب، ويجادل البعض بأن هذه النظرة قد تكون مؤشّرًا على أنانية البشر من ناحية كونهم مجرد فصيلة من ملايين الفصائل الموجودة على هذا الكوكب، وليس من الطبيعي أن يتحدّد مصير بقية الكائنات طبقًا لقيمتها لدى نوع واحد داخل النظام البيئي. هذه الكائنات التي نتحدث عنها، يمتلك كثير منها الوعي الخاص بها، وتمتلك علاقات اجتماعية، و طورت مشاعر مختلفة وتشعر بالألم بدورها؛ هذه الأشياء تجعلها مشابهة للبشر بالقدر الذي يجعل بقاءها على الكوكب هو حق ابتدائي لا يجوز للبشر أخلاقيًا تقييمه أو إيجاد مبررات له.

Embed from Getty Images
من بين الدوافع التي تمّت مناقشتها أيضًا في ضوء الحفاظ على الطبيعة والتنوع الحيوي، هو أن الطبيعة تحتوي الكثير من الجمال والتناسق الذي يعتبر قيمة كبيرة في ذاته؛ إننا نحب أن نشاهد الحيوانات في موطنها الطبيعي ونرى كيف تتفاعل مع بعضها، وكذلك طرقها الفريدة في التعبير عن احتياجاتها المختلفة، إننا نجد في الطبيعة – وفق هذا المنظور – الجمالَ النقي الذي يجعلنا نقدّر لوحة لفان جوخ أو دافنشي بملايين الدولارات. الحقيقة أنه وبغض النظر عن الدوافع التي تجعلنا نرغب في الحفاظ على الأنظمة الحيوية من حولنا، فإننا يجب أن نستكمل سيرنا في هذا الطريق.

يجب أن يكون الحفاظ على البيئة من أهم أولوياتنا بوصفنا بشرًا، سواء كان من أجل الطبيعة نفسها، أو من أجلنا نحن البشر. إن كل من هذه الدوافع منفردًا لن يكون كافيًا لفهم حقيقة العلاقة بيننا وبين الكائنات الحية من حولنا، سنفهم هذه العلاقة جيدًا عندما ننظر إلى أنفسنا وبقية الكائنات الحية من حولنا باعتبارنا وحدة حيوية واحدة؛ إننا جميعًا نشكّل حلقات قوية داخل سلسلة طويلة متنوعة الحلقات وهي بحاجة للدور الذي تقدمه كل حلقة منفردة فيها.