على نحوٍ مفاجئ، مُنيتْ قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر بهزائم مدوية إثر خسارتها ست مدن، منها اثنتان استراتيجيتان غرب العاصمة الليبية طرابلس، في معاركٍ متواصلة استمرت ساعاتٍ معدوداتٍ، نجحت فيها حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا في بسط سيطرتها الكاملة على الشريط الساحلي الممتد من العاصمة حتى الحدود مع تونس، تحت غطاءٍ جويٍ احتكر بلا منازع سماء المعركة.

والخسارة المدوية تمنع حفتر من المدن التي استخدمتها قواته رأسَ حربةٍ للهجوم على طرابلس، كما تحرمه أيضًا من الوصول لأيّ منفذٍ بري إلى الساحل الغربي للبلاد على الحدود مع تونس، وهي وإن بدت لحكومة الوفاق فرضيةً كاملة لبدء الفصل الأخير من معركة طرابلس، فإنها من وجهة نظرٍ أخرى لا تعدو أكثر من كونها جولة خاسرة لن تنهي مشروع حفتر، على عكس آمال الوفاق.

دولي

منذ شهر
ديفيد كيركباتريك: مكالمة بين حفتر وبولتون قلبت موازين الحرب في ليبيا

التقرير التالي يبتعد عن التحيزات المُسبقة، ويطرح لك روايةً غير رسمية عن البُعد السياسي والعسكري للتطورات الأخيرة على الأرض.

نصرٌ لم يكتمل.. قصة مدينة وقاعدة جوية تستعصي على الوفاق

قبل نحو 10 أيامٍ من عقد المُلتقى الوطني الجامع الذي ترعاه الأمم المتحدة، لبحث تشكيل حكومة وطنية في ليبيا، أطلق حفتر النفير العام للسيطرة على طرابلس في أبريل (نيسان) العام الماضي، وهو ما بدا إعلانًا من اللواء المتقاعد بانتهاء كافة الحلول السياسية، وفرض الخيار العسكري على حكومة الوفاق ليكون مسارًا وحيدًا لحسم الصراع لصالح الطرف الأقوى.

وعلى مدار عامٍ، نجحت الوفاق في استخلاص مدن غلاف طرابلس، ثم أسقطت مدينة «غريان» – تبعد 100 كم عن جنوب العاصمة – وهي التي انطلقت منها هجمات حفتر، وحوَّلها لغرفة عملياته الرئيسية ومقرِّ الإمدادات المركزي، ثم دمَّر طيران الوفاق غرفة عمليات سرت الكبرى – 450 كم شرق طرابلس – وهي الخسائر التي انتهى بها حُلم العبور إلى طرابلس.

لكنَّ أخبار الحرب في ليبيا خلت من روايةٍ أخرى منسية لم تحظ بالأضواء الكافية، فبينما يُنسب تفوق حكومة الوفاق إلى الدعم التركي الملحوظ بعد توقيع الاتفاقية الأمنية، فعلى الجانب الآخر صمود أمير الحرب الليبي لم يكن وراءه فقط الدعم المقدم من أطراف إقليمية ودولية.

على بُعد 88 كم جنوب شرق العاصمة، تقبع مدينة «ترهونة»، التي تؤرق انتصارات الوفاق، بصفتها المدينة الحصينة التي تستعصي على السقوط، والتي تحوي بداخلها مركز عمليات حفتر، إضافة إلى أنها معقل اللواء التاسع مشاة، إحدى أذرع قوات شرق ليبيا التي تمتلك حصرًا معرفةً مسبقة بأرض المعركة، والتي سبق أن دخلت في اشتباكاتٍ مع ميليشيات العاصمة للسيطرة على طرابلس.

بعد أربعة أيامٍ فقط من اندلاع معركة طرابلس، وقيام حكومة الوفاق بهجوم مضاد ضد المدن التي خسرتها، أعلنت ترهونة انضمامها لصفوف حفتر، وهو الإعلان الذي أربك صفوف الوفاق؛ نظرًا إلى قوات اللواء التاسع، تعد أخطر قوة مسلحة تهدد العاصمة الليبية، وهو التحالف الذي وصفته مُبكرًا وكالة «الأناضول»التركية، بأنه قد يقلب موازين القوى في المعركة.

وفي الوقت الذي يفشل فيه حفتر في إسقاط طرابلس، تفشل حكومة الوفاق أيضًا منذ التاريخ نفسه في الهجوم على مدينة «ترهونة» التي تضم أكبر القبائل الليبية، والتي يُنسب لها التفوق النوعي الذي أحرزته قوات الجنرال الليبي في محاور القتال، خلال معاركها الساخنة في كل من مدن غلاف العاصمة، ومعارك السيطرة على مطار طرابلس.

تتضح خطورة المدينة في كونها لا تفصلها عن طرابلس أية مساحات أو حدود طبيعية، ولا حتى أحراش أو غابات أو مساحات مفتوحة، فهي عمليًّا جزء من جغرافية العاصمة وامتدادها العمراني، ويستحيل على الوفاق تأمين العاصمة طالما أنّ «ترهونة» تابعة لحفتر، بحسب تصريحاتٍ أدلى بها المتحدث الرسمي باسم عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة الوفاق، مصطفى المجعي لموقع «عربي 21».

وإسقاطًا على المعركة الأخيرة التي استعادت فيها الوفاق السيطرة على ست مدن في الساحل الغربي، فمن وجهة نظرٍ عسكرية، انتصارات حكومة الوفاق ربما لن تكتمل إلا بالسيطرة على مدينة ترهونة، وقاعدة الوطية الجوية – غرب ليبيا – لسببين؛ أولهما أنّ حلم السيطرة على طرابلس ينتهي بسقوط ترهونة، أما سقوط قاعدة الوُطية – أكبر القواعد في ليبيا – فسيقطع الاتصال الميداني بين شرق ليبيا وغربها.

تتضح التحركات العسكرية القادمة لحكومة الوفاق، في الحشد العسكري الجديد أمام قاعدة الوطية الجوية انتظارًا لإشارة الهجوم لإسقاط القاعدة التي تحولت لمركز استقبال الإمدادات والعتاد من قاعدة الجفرة الجوية، بالإضافة إلى أنّ إسقاطها سينهي قبضة حفتر الجوية للأبد على الغرب الليبي، وسترسم معادلة جديدة في معركة طرابلس.

بعيدًا عن تفوق الوفاق.. لماذا خسر حفتر معارك الساحل الغربي؟

لا تنفصل التطورات العسكرية الأخيرة لحكومة الوفاق، عن ترتيبات ما قبل المعركة، والتي لا تعدو مجرد انتصاراتٍ مفاجئة كما يُروج لها، فوكيل وزارة الدفاع لقوات طرابلس، كان قد صرح لـ«الجزيرة» بأنّ عملية السيطرة على مدن الغرب الليبي لم تكن مفاجئة، وإنما خطط لها مسبقًا، واختير التوقيت المناسب لتنفيذها.

في 25 مارس (آذار) الماضي، أطلقت حكومة الوفاق عملية «عاصفة السلام»، التي هدفت للانتقال إلى مرحلة الهجوم بعد الدفاع، وتمثلت أولى مهامها في تحييد الحظر الجوي الذي فرضه حفتر منذ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي على العاصمة ومحيطها، والذي كان يعتمد في حظره على قاعدة الوطية، لتنجح الوفاق في النهاية في السيطرة الكاملة لأول مرة على سماء غرب ليبيا.

ورغم أنّ التوازن العسكري الأخير الذي حققته حكومة الوفاق في سير المعارك على الأرض مرهون بمساعدات تركيا، فإنّ السيطرة الجوية سببها الرئيس قيام حكومة الوفاق بتقليص تزويد المنطقة الشرقية بوقود الطائرات، وهو ما منع حفتر من تزويد طائراته الحربية، لقصف العاصمة وجبهات القتال المختلفة، وهي الخطوة التي قوَّضت قوات الجنرال الليبي، وعرضت كل خطوط الإمدادات للقصف المباشر.

صحيفة «العربي الجديد» نقلت عن مصادر ليبية مقربة من قيادة حفتر عن انسحابات كبيرة في صفوف قواته، نتيجة النشاط الجوي لحكومة الوفاق، وهو ما أدى إلى انسحاب فصائل مرتزقة «الجنجاويد» السودانية التي رفضت إرسال مسلحيها من معسكراتها في محيط قاعدة الجفرة إلى محاور القتال في جنوب طرابلس، إلا بعد تأمينها من الضربات الجوية.

انسحاب جزء من مرتزقة حفتر من محاور القتال، عمَّق أزمة نقص القوات التي يعاني منها حفتر بالأساس، خاصة أنَّه ينتهج سياسية عسكرية قائمة على تعدد جبهات القتال، وهي استراتيجية تقسيم الجيش – يبلغ نحو 25 ألف مقاتل – عبر أكثر من جبهة حول العاصمة، هو ما يعني ضرورة خلق تقسيم جديد لقواته المرابطة في مساحات شاسعة بينها في صحراء ليبيا، حيث أمامهم شمالًا عاصمة تستعصي على السقوط، وخلفهم جنوبًا جبهات مكشوفة تتربص بهم.

على جانبٍ آخر ساهم البُعد القبلي في رسم مصير المعارك على الأرض، فبينما تستعصي مدينة ترهونة على الوفاق نظرًا لأنها تمثل جذور حفتر القبلية (قبيلة الفرجان)، فشل الجنرال الليبي في شراء ولاء القبائل في مدن الساحل الغربي التي استسلمت بسهولة، كونه لا يمتلك حاضنة شعبية في تلك المدن، التي سارعت للاحتفالات بمجرد انسحاب قواته منها.

والخطأ الأخير الذي دفع حفتر ثمنه، تمثَّل في حشد قواته صوب بلدة بوقرين، التي تقع جنوب مدينة مصراتة – 200 كم شرق طرابلس- حيث فتحَ جبهةً جديدة للقتال، بينما كانت قواته في الغرب تواجه وحيدةً القصف الجوي الذي أجبرها على الانسحاب من ست مدنٍ في يومٍ واحد، وفي معاركٍ لم تستمر سوى سبع ساعاتٍ فقط.

وبحسب المعلومات التي نقلتها وكالة «الأناضول» التركية، فروسيا تعاقدت مؤخرًا مع مقاتلين من سوريا؛ للانضمام سريعًا إلى قوات حفتر في جبهات القتال؛ لتعويض الخسائر الأخيرة التي مُنيت بها قواته في العدد والعتاد، وفي الوقت نفسه وجهَّت حكومة الوفاق اتهامًا رسميًّا إلى مصر عقب مصادرتها سفينة كانت تحمل 40 حاوية تضم إمدادات عسكرية وكميات من الذخائر، في محاولة لإنقاذ سير المعركة القادمة بين الوفاق وقوات حفتر.

بعد التطورات الأخيرة.. هل خسر حفتر سيطرته على معركة طرابلس؟

يتصارع على الحكم في ليبيا سلطتان متناحرتان؛ «حكومة الوفاق الوطني» المعترف بها دوليًّا، ومقرها طرابلس، ومنافستها في شرق ليبيا، «الحكومة المؤقتة» المدعومة من مجلس النواب الليبي، وقوات الشرق الليبي، المعروفة باسم الجيش الوطني الليبي.

ويرسم المشهدَ الليبي حاليًا برلمانان متنافسان، وحكومتان تتنازعان الشرعية، وعدد لا يُحصى من الجماعات المُسلحة، وبنكان مركزيَّان، وشركتان نفطيَّتان وطنيَّتان، إحداهما في طرابلس معترف بها، والأخرى موازية في بنغازي تابعة لحفتر.

والانتصارات العسكرية الأخيرة دفعت رئيس حكومة الوفاق فائز السراج إلى إعلان انتهاء أية مساراتٍ للتفاوض مجددًا مع أمير الحرب الليبي، الذي فرض نفسه سياسيًّا في ليبيا عبر سيطرته العسكرية، وهي الورقة التي احترقت من وجهة نظر الوفاق، لكنَّ القيادة العامة لقوات حفتر ردت بأنَّ المعركة لم تكتمل معالمها بعد.

من وجهة نظر عسكرية، لا تمثل التطورات الأخيرة على الأرض أبرز هزائم حفتر، ولا أقساها في معركة طرابلس الممتدة منذ عام، والخسارة الأكبر التي لحقت به كانت في يونيو (حزيران) العام الماضي، وتمثلت في فقدانه أهم تقدم عسكري حققه في المعركة بسقوط مدينة «غريان»، التي انطلق منها لمهاجمة طرابلس وحوَّلها لغرفة عملياته الرئيسية، ومقرَّ الإمدادات المركزي، وهي الضربة الفعلية التي ما هددت مشروعه العسكري في الغرب الليبي بأكمله، لكنه ظل صامدًا بعدها طيلة 10 أشهر إلى الآن.

ومن وجهة نظرٍ سياسية، فحفتر ما زال مسيطرًا على المعركة، كونه يبني خطته على ثلاثة محاور؛ حصار عسكري لقواته حول العاصمة طرابلس، وحصار اقتصادي عبر وقف إنتاج النفط وتصديره، الذي يمثل نحو 90% من مصادر الدخل الليبي، لتبلغ حصيلة الخسائر نحو أربعة مليارات دولار كما قدّرها مصرف ليبيا المركزي.

أمَّا المحور الثالث فيتمثل في الحصار المرتقب الذي سيتكفل به مشروع أوروبي –  عمليةإيريني – والمقرر أن تحصل على الضوء الأخضر من الأمم المتحدة الشهر الجاري، وتهدف لمنع وصول إمدادات السلاح التركي إلى الوفاق، لتبدأ فرصة جديدة لحفتر لإسقاط طرابلس ممثلة في معركة الوقت.

ورغم فشل حفتر المدعوم من قوى إقليمية ودولية في إحراز أية انتصاراتٍ فارقة في المعارك الدائرة جنوب العاصمة طرابلس، فإنَّ الجنرال الليبي ما يزال يمتلك أوراق قوة ستدفع خصومه للتفاوض معه بوصفه يفرض سلطته على معظم الأراضي الليبية.

ويسيطر حفتر فعليًّا على معظم حقول ومنشآت النفط في ليبيا، بما فيها حوض سرت الذي يمثل نحو ثلثي الإنتاج الليبي من النفط، إضافة إلى سيطرته على منطقة «الهلال النفطي» التي تمتد لمساحة تتجاوز 250 كم من بنغازي شرقًا إلى سرت غربًا، وتحتوي في داخلها على 80% من احتياطي النفط الليبي.

ولا يشكل فقدان الساحل الغربي أي تهديدٍ لحفتر، طالما يظل محتفظًا بقاعدة الوطية، إلى جانب مدينة ترهونة، ومن خلفها قاعدة الجفرة الجوية، وهم مثلث القوى، ورؤوس الحربة التي سبق وعوَّل عليهم الجنرال الليبي في انتزاع ما فقده في جولاتٍ سابقة، وهي أبرز الأسباب التي لن تجعله يخسر معركة طرابلس بسهولة، وهي المعركة التي تفشل الوفاق في إنهائها حتى الآن، رغم وصولها إلى توازن عسكري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد