على نحوٍ مُفاجئٍ تغيرت الخريطة العسكرية لحرب الأعوام الخمسة في اليمن، والهدف لم يعد السيطرة على العاصمة صنعاء كما كان في السابق؛ فمسرح المعارك الضارية تحوّل فجأةً صوب الحدود السعودية، حيث معركة الجوف، بعدما بات الحوثيون على مشارف بضعة كيلو متراتٍ فقط من تخومها، والتحوّل الميداني الأخير للحوثيين جاء لاستعادة مواقع استراتيجية مهمة خسروها عام 2016، لكنها صارت اليوم في حوزتهم.

وخلال الشهر الجاري، خاض الحوثيون مواجهاتٍ عنيفة ضد الجيش اليمني، في معركةٍ قلبت موازين القوى في تلك الجغرافيا، تحديدًا بالتقدم عسكريًّا نحو مأرب والجوف الحدودية، بعد سيطرتهم على جبال ومواقع استراتيجية في مديرية نهم، البوابة الشرقية لصنعاء، التي لطالما نُظر إليها بوصفها أضعف ثغرة للحوثيين، وأهم جبهة يمتلكها التحالف العربي.

هذا التقرير يشرح لك ماذا يعني سقوط الجوف بالنسبة لطرفي الصراع، وما أبعاد المعركة على مستقبل الحرب في اليمن.

كيف انقلبت موازين القوى بسقوط الجوف؟

يخوض الجيش اليمني حاليًا معركته الأشرس منذ عام 2015، لاستعادة محافظة الجوف الحدودية مع السعودية، والتي وصفها مستشار الرئيس اليمني، ورئيس الوزراء السابق أحمد بن دغر – في سلسلة تغريدات على تويتر – بأنّ سقوطها قد يُغير موازين القوى العسكرية بصورة نهائية في المعركة لصالح الحوثيين محليًّا، وإيران إقليميًّا؛ لأنها بحسب وصفه، معركة ذات طابع مصيري قد تُنهي دور التحالف كُليًّا في اليمن.

وتكتسب الجوف أهمية كبرى تبعًا لموقعها الفريد من جميع النواحي، وهو ما أضاف لها ثقلًا عسكريًّا وبُعدًا استراتيجيًّا في الحرب الدائرة، بخلاف كونها أكبر المحافظات الشمالية مساحةً؛ فالشمال ينتهي عند الحدود السعودية المُلتهبة التي تقود التحالف العربي، بينما يحدّها من الغرب محافظتا صعدة وعمران الخاضعتان بالأساس لسيطرة الحوثيين، إضافة إلى التصاقها جنوبًا بالعاصمة صنعاء.

ومن وجهة نظرٍ عسكرية، فالسيطرة عليها يعزز فرص الحوثيين في تأمين معاقلها القديمة، بينما سقوطها يجعل السعودية التي تشترك معها في أكثر من 266 كليومترًا من حدودها الجنوبية، عُرضة للاستهداف والقصف بشكل أكبر، خاصة أنّ الجوف تعد ثالث محافظة يمنية ملاصقة للسعودية تسيطر عليها قوات الحوثي، بعد محافظتي صعدة وحجة.

سقوط المحافظة لا يعني للحكومة اليمنية سوى أن يُصبح حسم الحرب حُلمًا صعب المنال؛ لأنها تُمثل حائط صد لمحافظات صعدة وعُمران وصنعاء من جهة، بينما تشكل خطرًا وتهديدًا مُباشرًا على محافظة مأرب المتاخمة لها، والتي تنطلق منها عمليات القوات الحكومية ضد الحوثيين في منطقة الشمال.

والبُعد الاقتصادي للمحافظة لا يقل خطورة عن أهميتها العسكرية؛ فالمحافظة تطفو صحاريها على بحار ضخمةٍ من النفط والغاز، تجعلها المنافس الأبرز للسعودية في حال استُغلت تلك الثروات مُستقبلًا، وهو ما يحتاجه الحوثيون لتمكينهم من دفع فاتورة الحرب والاستمرار فيها، وتجدر الإشارة إلى أنّ السعودية عرقلت الحكومة اليمنية منذ منتصف الثمانينيات من استخراج النفط من محافظات النفط.

تتضح تحركات الحوثيين العسكرية في الرسالة التي بثّها عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين محمد علي الحوثي لأنصاره: «نحن معنا نفط صخري في عمران، وفي بعض صعدة إلى الجوف إلى حجة، يقولون إن هناك نفطًا صخريًّا كثيرًا، يعني إذا وقفت الحرب معنا خيرات»، وطبقًا للاستراتيجية الاقتصادية للحرب، فيتبقى لجماعة الحوثي مدينة نفطية لا تقل أهمية عن الجوف.

وبوصفها مسرح المواجهات المقبلة، تخشى الحكومة اليمنية من أن يتجه الحوثيون بعد الجوف لإسقاط محافظة مأرب النفطية، والتي تعد المقر الرئيس للحكومة، حيث تحتضن مقر وزارة الدفاع والكليات الحربية، وتتمركز فيها أكبر الألوية العسكرية منذ اندلاع الحرب، بالإضافة لكونها معقل حزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، ما يعني أنّ سقوطها يكتب بامتياز الفصل الأخير في القصة.

لكنّ مخاوف الحكومة سرعان ما تحققت، بعدما شنّ الحوثيون هجماتٍ على مأرب، لتهرع الحكومة إلى المبعوث الأممي لليمن مارتن غريفيث، الذي يمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع الحوثيين، ويتفاوض معهم حاليًا لخفض التصعيد، والوصول إلى صيغة أخرى من المفاوضات، التي هي بالأساس الهدف الرئيس لأي حربٍ يشنها الحوثيون.

وتسيطر جماعة الحوثي على المناطق الأهم والأكثر كثافة سكانية داخل اليمن، وأبرزها العاصمة صنعاء ومدينة الحديدة الساحلية غربًا، والتي تضم ميناءين دوليين، بالإضافة لسيطرة حوثية مطلقة لمحافظات عمران، وذمار، وإب، والبيضاء، والمحويت، وريمة، ومركز محافظة الحديدة وغالبية مديرياتها، وحجة، باستثناء مديريتين، وعدد من المديريات التابعة لمحافظة تعز.

 الرواية الأخرى للمعركة.. هل خذل التحالف الجيش اليمني؟

في العام الأول من الحرب، استعاد الجيش اليمني مدعومًا بالتحالف العربي محافظات عدن، وأبين، ولحج، والضالع، وشبوة، وأجزاء من مأرب، والجوف، وتعز، وباب المندب، ثم شهد الوضع الميداني جمودًا بامتياز خلال السنوات التالية، حافظ عليه أنّ الحوثيين أنفسهم تبنوا سياسة الدفاع عن محافظات الشمال، لكن هجومهم اقتصر فقط على قصف الأهداف داخل العمق السعودي والإماراتي، دون محاولة لاستعادة ما فقدوه في السابق.

وبحسب ما كشفته «رويترز» أواخر العام الماضي، فالسعودية بحثت هدنة غير مُعلنة مع الحوثيين في محادثاتٍ غير رسمية، ورغم عدم تعليق كل طرف على الأخبار المتداولة، فإنّ الواقع على الأرض يرسم دليلًا واضحًا متمثلًا في توقف هجمات الحوثيين، مقابل توقف هجمات سلاح الجو السعودي، وتخفيف هجماتها على نحوٍ واضح.

واللافت أنّ الخريطة العسكرية للحرب في اليمن تغيرت على نحوٍ مُفاجئ منذ بداية العام؛ فالحوثيون شنّوا هجومًا على مدينة نهم شرق العاصمة صنعاء، التي توصف بأهم جبهة في الحرب، ثم بدأوا بالتقدم عسكريًّا نحو مأرب والجوف، في غيابٍ واضحٍ للدعم الجوي، ليُجبر الجيش بعدها على الانسحاب تاركًا آلياته العسكرية غنيمة سهلة للحوثيين.

العميد في الجيش اليمني، محمد الجمرة، الذي حضر المعركة الأخيرة صرح لقناة «الجزيرة» بأنّ انسحاب الجيش اليمني راجع لخذلان طائرات التحالف السعودي، التي لم تقم بأي عمليات استهداف مباشرة لقوات الحوثيين، وبحسب ما أعلنه فقد: «كانت أرتال الحوثيين العسكرية تتجول في مواقع المعارك، بينما تحلق طائرات التحالف في الوقت ذاته، وكأن مهمتها حمايتها وليس استهدافها».

وما حدث في نهم تكرر في الجوف؛ فحين شنّ الحوثيون هجومهم الحالي على ثاني أكبر المحافظات اليمنية بعد حضرموت، لم يجد الجيش اليمني الدعم الكافي، بحسب الاتهام الذي وجهه مدير عام مكتب وزارة الإعلام بمحافظة الجوف اليمنية، يحيى قمع، الذي اتهم –عبر تغريدة على تويتر- التحالف بخذلان الجيش، وتقليل عدد الغارات التي تستهدف الحوثيين.

لكنّ الطيران السعودي ظهر فجأة في سماء المعركة، حين شوهدت آليات الحوثيين في منفذ «البقع» الحدودي مع السعودية، ليستخدم التحالف استراتيجية الأرض المحروقة عبر قصفٍ جويٍ مكثفٍ، أجبر الحوثيين على التراجع لمنعهم من الوصول إلى الحدود.

يقول الصحافي اليمني عبد الكريم سلطان لـ«ساسة بوست»: «لو أننا تجاهلنا كل الاتهامات الموجهة للسعودية بالاتفاق الخفي مع الحوثيين، فإن التخلي عن الجيش اليمني في نهم، وعدم الدفاع عن المدينة، هو ما أغرى الحوثيين وشجعهم على الهجوم على محافظة الجوف، ثم تحولت المعركة لاحقًا صوب مأرب التي بسقوطها تنتهي حرب اليمن». يضيف عبد الكريم: «ما يعزز من نظرية المؤامرة أنّ الجوف صحراء مفتوحة مترامية ومكشوفة، ما يعني أنّه يمكن إحراز انتصار سهل على الحوثيين فقط بسلاح الجو، مثلما حدث عند الحدود».

إن صحّت الاتهامات.. لماذا قد تتهاون السعودية مع الحوثيين؟

بينما كان وزير الخارجية السعودي يُعلن أنّ الحرب ضد جماعة الحوثي لم تعد من أولويات السعودية في اليمن، وأنّ الحوثيين جيران المملكة ويمكن التفاوض معهم، كان على الجانب الآخر الجيش اليمني يواجه مصيره وحيدًا في المعارك الضارية التي خرج منها منهزمًا فاقدًا الجبهة والثقة والدعم السعودي، المتمثل في التمويل والسلاح، ليبدو التساؤل الأبرز أين هي السعودية من أهداف تدخلها في اليمن التي أعلنتها في البداية؟

ويُرجع مراقبون موالون للسعودية خسارة الجوف – بوصفها أهم جبهة عسكرية على مشارف صنعاء – إلى الخلل الاستراتيجي للجيش اليمني في إدارة الحرب، وهو ما استدعى تدخلًا عسكريًّا وإسنادًا سريعًا في الجولة الثانية التي بدأت بالقرب من الحدود، لكنّ هذا الرأي يقابله رؤية أخرى تستند إلى أبعادٍ سياسية خالصة، وليست عسكرية.

بالعودة إلى الجيش اليمني المنهزم، فإنّ عماد القوات التابعة للحكومة اليمنية والمتمركزة في محافظة الجوف تنتمي إلى حزب الإصلاح اليمني، الذي قُتل كافة قياداته التنفيذية في المحافظة، بالإضافة إلى القيادات الفرعية، لذا فسقوط الجوف، يمثل من جهة أخرى فائدة في أحد جوانبه للسعودية بعد هزيمة خصمها السياسي.

وتفاديًا لهزيمة أخرى في معقل القوات الحكومية، بادر محافظ مأرب، سلطان العرادة، المحسوب على حزب الإصلاح، للتفاوض مع الحوثيين عبر لجنة الوساطة، في محاولة لتجنيب المدينة مصير الجوف. على جانب آخر فإن وزير الدولة اليمني أشار بوضوح عبر صفحته الرسمية على «فيس بوك» إلى البُعد السياسي للمعركة قائلًا: «يبدو أن سيناريو 2014 يتكرر.. مؤامرة على الإصلاح بنكهة أخرى، ولكن خذوها مني نصيحة وستذكرونها يومًا من الأيام: إذا تآمرتم على مأرب والجوف نكاية بالإصلاح فإن الحوثي لن يقف عند ذلك؛ فلديه مشروع محدد وهدف معين، مهما استخدم معكم التقية».

وسبق لرئيس هيئة العمليات في الجيش الوطني في مقابلة مع قناة «يمن شباب» المحلية، أن اتهم الإمارات بقصف قواته واستهدافها بالطيران الحربي في مدينة مأرب، ضمن خطة إماراتية تستهدف إسقاطها وتسليمها للحوثيين، بالتزامن مع خطة إسقاط مدينة شبوة الجنوبية بيد المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من أبوظبي.

وفي أواخر عام 2014، ساعدت قوات الحرس الجمهوري السابق، والقوات الخاصة التي تدين للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الحوثيين في السيطرة على صنعاء، ومحاصرة القصر الرئاسي، ثم أجبروا الرئيس هادي على تقديم استقالته قبل أن يهرب إلى عدن – جنوب اليمن – ولم تتدخل السعودية حينها لإنقاذ هادي إلا بعد ستة أشهرٍ كاملة، رغم أنها كانت حاضرةً في المشهد منذ بداية الثورة اليمنية.

كان مكسب السعودية الاستراتيجي مما يحدث في صنعاء على يد الحوثيين المدعومين من إيران، هو أنهم يقاتلون حزب «الإصلاح»، في معقله الرئيس وتمركزه المهم، لذلك لم تتحرَّك الرياض تحت دعوى إنقاذ الشرعية، ومواجهة الخطر الحوثي الذي يهدد باحتها الجنوبية؛ إذ انتصر الحوثيون على خصومها المنتمين للإسلام السياسي.

وحاليًا يخوض الجيش اليمني مدعومًا من التحالف العربي هجومًا مضادًا لمحاولة الدفاع عن سيطرته على مأرب، واستعادة الجوف، في حين يصف بعض المراقبين غير المحسوبين على الرياض، أن الهدف الرئيس للسعودية يتمركز حول إسقاط خصمها السياسي، دون إسقاط المحافظات المهمة التي يظفر بها الحوثيون سريعًا في الجولة الأولى في ظل الغياب السعودي.

وفي حال سيطر الحوثيون على مأرب، تكون الحكومة اليمنية فقد فقدت شرعيتها الفعلية، كون المحافظات الشمالية في قبضة الحوثيين، بينما المحافظات الجنوبية في أيدي المجلس الانتقالي الذي يُصر على انفصال اليمن؛ لذا فالمعارك الدائرة في الجوف ترسم إلى حدٍ بعيد مستقبل الفصل الأخير للحرب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد