جمال النشار 48
جمال النشار 48

6,047

ربما صادفتك تلك الظاهرة مرة واحدة على الأقل، وربما حاولت الأعمال الأدبية والفنية -الرومانسية بالأخص- إبرازها للاستفادة منها دراميًّا، قد تكون قد سمعتها من صديقة، أو أحد من أقاربك؛ وتساءلت لماذا تنجذب بعض النساء إلى «الفتى السيئ» أو ما يعرف في الثقافة الغربية بشخصية «باد بوي bad boy» الذي يتسبب لهن في العديد من المشاكل، أو تكثر فيه صفات سلبية مثل السلوك العصابي، أو الاندفاع، أو النرجسية، أو غير ذلك من الصفات، أو حتى العادات السلبية.

لذلك اختص بعض علماء النفس والسلوك تلك الظاهرة بالدراسة والتحليل، في محاولة لفهم الأسباب النفسية التي تدفع بعض النساء إلى الانجذاب لهذا النمط من الرجال، ومن ثم التورط معهم في علاقات لها نتائج سلبية، قد تتسبب لهن في تداعيات نفسية سيئة، أو حتى الإصابة ببعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب، أو فقدان الثقة في النفس مستقبلًا.

هم أكثر جاذبية من غيرهم

بينما ارتفعت آراء تؤكد أن تلك النتائج العلمية غير شاملة كل أنواع النساء، مثل مقال «الجارديان» المنشور في 2016 والذي يؤكد أن الأبحاث العلمية في هذا الصدد غير دقيقة وتستند إلى «علم النفس التطوري» الذي هو فرع بحثي غير مُثبت وليس من الضروري أن نتائجه تشتمل جميع النساء؛ إلا أن الكثير من النساء اللاتي دخلن في علاقات مع هذا النمط من الشخصيات دائمًا ما يقلن أو يتوهمن أن هذا الرجل جذاب بالنسبة لهن أكثر من غيره، وهذا ما أثبت في أكثر من دراسة أو ورقة بحثية.

مترجم: العلم يفسر لماذا النساء أكثر نضجًا من نُظرائِهن الرجال

استنادًا إلى إحدى الدراسات التي أجريت عام 2012 على شريحة مكونة من 111 من الطلبة في جامعة واشنطن، أغلبهم من الفتيات بنسبة 64%، أوضحت الدراسة أن الأشخاص من أصحاب «الشخصيات الداكنة» أو السوداوية التي تتسم بخصائص مثل النرجسية أو السيكوباتية، أو الميكافيلية (الشخصيات الانتهازية)، هي بالفعل أكثر جاذبية جسديًّا وشكليًّا من غيرهم من الرجال.

التجربة التي قام بها كُل من نيكولاس هولتزمان، ومايكل ستروب، الأساتذة بجامعة واشنطن أظهرت أن الأشخاص النرجسيين يستطيعون أن يجعلوا أنفسهم يبدون بشكل جميل ومنمق، لذلك عادة ما يبدون بأشكال لائقة، وشَعْر معتنى به، وما إلى ذلك، بل يعملون بكد من أجل إبراز مظهرهم بشكل لطيف، بدرجة أكثر من العادية.

كما أوضحت أن الشخصيات التي تتسم بالصفات السوداوية يتميزون بلغة جسد واثقة، وملامح وجه تعبيرية أكثر جاذبية من غيرهم، ويستطيعون ترك انطباعات أولى جيدة، مقارنة بأنماط الشخصية العادية أو الأقل سوداوية، وتقول الدراسة إن السبب في ذلك قد يكون أننا كبشر عادة عندما نجد شخصًا جذابًا أو وسيمًا نفترض تلقائيًّا بداخلنا أنه سوف يكون ذكيًّا، وطيبًا، وناجحًا، وهو ما ليس صحيحًا بالطبع.

والأكثر مرحًا أيضًا

الأنماط التي تتسم بالسوداوية، أو ما يعرفهم الأغلبية بالفتيان الأشرار، عادة ما يعرفون كيف يمرحون، بداية من الرحلات المتهورة المفاجئة، إلى ركوب الدراجات النارية وارتياد عُلب الليل، وكل الأنشطة التي قد تربطها بشخصية الفتى السيئ.

Embed from Getty Images
«ممثل هوليوود الراحل جيمس دين من أفضل من قدم صورة نمطية لشخصية «باد بوي

في دراسة أخرى نشرتها مجلة «ساينتفيك أميركان» قام بها فريق طبي في إحدى العيادات البحثية التابعة لمستشفى برشلونة في إسبانيا، أجريت على عدد من النساء الذين أقروا بانجذابهن إلى الفتية الأشرار بشكل «آسر»؛ فبينما هم أنانيون يكسرون القواعد وطائشون ومتمردون، ولكنهم أيضًا في الوقت ذاته شجعان يتسمون بالجرأة والاعتماد على النفس، ويعيشون حياة «صاخبة» محمومة ومثيرة، وتبدو مرحة ومنطلقة.

ويضيف «فرناندو جوتييرز» رئيس الفريق البحثي بعيادة مستشفى برشلونة: «أن تصرفاتهم قد تعمل أو تبدو بمثابة إشارة إلى أن هذا النمط من الأشخاص محل الدراسة، لديهم جودة أو خصائص بعينها، تشير إلى أنهم يستطيعون العيش دون معاناة الخسارة أو الفشل».

وتضيف الدراسة أن أولئك الأشخاص الذين يعانون خاصة من الاندفاع والتهور، أو من العُصابية لا يمكن أن يُستَبعدوا من عملية الاختيار الطبيعي – من قِبل الأنثى- بل تمنحهم تلك الصفات «أفضلية تطورية»، ولذلك فإن الأنماط المعاكسة لهم كشخصية «الفتى الجيد» المتزن، الملتزم لا يمكنها المنافسة مع «قدراتهم» على البقاء والنجاة بأسلوبهم البري الجامح مثل: «القط الذي له سبعة أرواح»، وهذا يتوافق مع المنظور «التطوري»- المستند إلى نظرية التطور- في عملية الاختيار الإنساني.

أنت ذكي ولست وسيمًا؟ مازلت تتمتع بالجاذبية الجنسية

الهرمونات متورطة في الأمر

في سياق بحث بعنوان «لماذا تنجذب النساء إلى الفتى السيئ» أجرته الصحافية الحاصلة على الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي «فينيتا ميهتا» ذكرت أن الصفات، أو السمات في الشخصية السوداوية توجد في الرجال بنسبة أكبر من النساء، وخاصة النرجسية، حتى عبر الثقافات المختلفة، وليس الثقافة الغربية بعينها.

وبينما توجد تلك السمات في الرجال وجودًا أكبر؛ هناك أيضًا عامل آخر يتحكم في عملية الانجذاب بنسبة كبيرة؛ ألا وهو الهرمونات الأنثوية، وقد وُجد أن النساء خلال فترة التبويض (ovulation) -أنسب أوقات التخصيب والحمل- عادةً ما يوهمن أنفسهن بأن الرجال أصحاب شخصية «الفتى السيئ» سوف يصبحون شركاء مخلصين وآباء جيدين.

وتذكر كريستينا ديورانت الباحثة في جامعة تكساس الأمريكية: «عند النظر إلى الرجل السيئ الذي عادة ما يكون جذابًا جنسيًّا من خلال منظار فترة الإباضة، فإن الشخص الخاطئ لا يختلف كثيرًا عن الشخص الصحيح». أي أن جزءًا من عملية الانجذاب إلى «باد بوي» هو بيولوجي تتسبب فيه الهرمونات الأنثوية.

رغم جاذبية تلك الشخصيات التي عادة ما توصف بـ«المغناطيسية»، فإنه من المهم إدراك أن هذا الافتتان يزول سريعًا، ورغم تمكن الرجال من هذا النوع من إنشاء علاقات بسرعة وسهولة؛ فإنهم طبقًا لدراسة بعنوان «النرجسية والجاذبية» يجدون أنفسهم بمرور الوقت غير قادرين على الاحتفاظ بالانطباعات الأولى المبهرة عنهم، بل تُلاحَظ طبيعتهم كونهم أشخاصًا ذوي ردود أفعال باردة وأنانيين، ومغترين بأنفسهم.