كانت حركة الشوارع ثقيلة وبطيئة بينما التلفزيون الحكومي يبث أغانيَ وطنية على غير عادته صبيحة الإثنين 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ينظر السودانيون إلى الشريط الإخباري أسفل شاشة فضائية الحكومة، فيقرؤون التنويه الوحيد المتحرك: «بيان من الفريق أول عبد الفتَّاح البرهان، فترقبوه». لم يترقب أحد. خرجت الحشود إلى الشوارع، مُنددة بالبيان الذي لم يُذع بعد، فما سيقوله البرهان معروف لديهم.  

ولم يُخيِّب رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ظنَّ شعبه، فجاء البيان بعد نحو ست ساعات من بدء إطلاق التنويه على الشاشة، ليعلن حل مجلس السيادة الذي يرأسه، ومجلس الوزراء، ويلغي أهم سبع مواد في الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، ويُبقي على اتفاق «جوبا» للسلام مع الحركات المُتمردة السابقة.

وبموازاة البيان، اعتقلت وحدات خاصة تابعة لسُلطاته الأمنيَّة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك وزوجته (والذي جرت إعادته لاحقًا إلى منزله حسب مصادر متطابقة) ومُعظم طاقمه الوزاري، والعديد من الأعضاء البارزين بقوى الحرية والتغيير (قحت)، وانطلقت المفارز الأمنية إلى الشوارع بغية تشتيت المسيرات الشعبية الهادرة التي وصلت إلى مباني القيادة العامة وحاصرتها.

لكن القضاء على المسيرات كان أمرًا عصيًّا على قوات الأمن، فما إن أطلت شمس الخرطوم برأسها من مخبأها الليلي في الأفق الشرقي، حتى كانت الشوارع تستقبل أفواجًا مضاعفة من المُحتجين، الذين لا يزالون يحتلونها حتى اللحظة.

إلى آخر الأشواط في منازلة العسكريين

هل سيتمكن الانقلابيون من المضي قدمًا في مشروعهم للسيطرة على البلاد؟ أم ستُوقفهم الجماهير الهادرة وتطيحهم كما فعلت مع أسلافهم بدءًا من الفريق إبراهيم عبود 1964، والمشير جعفر النميري 1985، والمشير عمر البشير والفريق عوض بن عوف على التوالي في 11 و21 أبريل (نيسان) 2019، فهل سيكون مصير خلفهم الفريق عبد الفتاح البرهان مثل مصيرهم؟ أم سينجو الرجل ولو إلى حين؟ 

Embed from Getty Images

ثائر سوداني ضد انقلاب البرهان

بالنسبة إلى نِزار عثمان المحلل السياسي السوداني والصحافي بجريدة “السياسة” الكويتية، فإنَّ الوضع الراهن ورغم التعتيم الذي تفرضه سلطات الانقلاب، بقطع خدمات الهاتف والإنترنت، يؤكد أنَّ ردة الفعل الجماهيرية على الانقلاب واسعة وكبيرة؛ إذ دخلت العاصمة الخرطوم ومدن أخرى عديدة في عصيان شامل سيتوَّج في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 بمواكب مليونية، إلى جانب صُنع لجان المقاومة الثورية لمتاريس جبَّارة في مداخل ومخارج الأحياء السكنية لحماية الأهالي من بطش قوات الدعم السريع و«كتائب الظل» (الموروثة من النظام السابق).

وأكَّد نزار في حديثه لـ«ساسة بوست» أن الرؤى الدولية تتباين حيال ما يحدث في السودان؛ إذ لم يتمكن مجلس الأمن في جلسته الطارئة أمس، من اتخاذ موقف موحد وحاسم، في ضوء موقف روسيا والصين المتماهي مع الانقلاب، فضلًا عن المواقف العربية المتذبذبة والباهتة التي تتذرع على عادتها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ إذ اكتفت دول عربية عديدة بالأمنيات على طريقة (فليحفظ الله السودان وأهله).

عربي

منذ شهر
المعضلة السودانية.. لماذا لن يترك العسكريون مدنيًا في السلطة؟

وأضاف عثمان: «لكن لا يجب إغفال مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الأوروبية؛ إذ بدت واضحة في تنديدها بالانقلاب وتشديدها على ضرورة إطلاق سراح المعتقلين، ومطالبة البرهان بالعودة سريعًا إلى تطبيق استحقاقات الوثيقة الدستورية واتفاقية «جوبا» وكافة التزامات انتقال السلطة وتداولها سلميًّا».

ويواصل عثمان: «في اعتقادي أن المواقف الغربية ستتفاعل آثارها أكثر على مستقبل الحراك في السودان، لجهة تعليق واشنطن وعواصم غربية أخرى مساعداتها ومشروعات مساعدات أخرى كانت في طريقها إلى السودان، مع التلويح باتخاذ مواقف أكثر تشددًا مع العسكريين ما لم يعودوا إلى رشدهم ويعيدوا ما سلبوه».

وبعد أن قوَّض قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الشراكة التي تجمعه مع المدنيين، وفرض حالة الطوارئ، وحل مجلس الوزراء، وسجن طاقم رئيس الحكومة، فإنه يقود الآن معركة في الشارع بالتعاون مع المليشيات ضد المدنيين، الذين لم يكن ليصل إلى السلطة لولا انتفاضتهم ضد نظام عمر البشير، وفي موازاة ذلك يسعى البرهان، وفقًا لحديث عثمان، إلى إعادة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي عبر بوابة «توسيع المشاركة في حكومة كفاءات». لكن هل هناك إمكانية لأن ينجح في مساعيه الميدانية والسياسية؟

ثلاثة سيناريوهات من الرعب

وفقًا لعثمان، فإذا ما نجح هذا الانقلاب، فسوف يضع السودان وشعبه أمام ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الأول أن “المليشيات المسلحة الموجودة بجانب القوات النظامية في الخرطوم قد تشتبك وتتقاتل بعضها ضد بعض من أجل الانفراد بالسلطة، بعد نجاح الانقلاب، ومن ثم تأخذ البلاد إلى حرب أهلية واسعة لا تبقي ولا تذر”.

Embed from Getty Images

عبد الفتاح البرهان مع حميدتي 

أما السيناريو الثاني يتعلق بـ”إمكانية اندلاع معركة بين الجيش والدعم السريع مع حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان الموقعتين على اتفاقية «جوبا» للسلام أكتوبر 2020، بقيادة كلٍّ من جبريل إبراهيم ومني مناوي رغم مساندتهما للخطوة الانقلابية، لكن وجود قواتهما في الخرطوم قد تمثل خطرًا محتملًا على الانقلابيين، ولربما سيترتب على هذا السيناريو استقطاب قبلي وجهوي حاد” أما السيناريو الثالث فإنه “قد ينجم عن الانقلاب نفسه ديكتاتورية يقودها البرهان ونائبه حميدتي قائد مليشيا الدعم السريع، وهو رجل جهوي وقبلي” وهو سيناريو مستبعد في ظل المعطيات الحالية.

وبالنسبة إلى المحتجين على الأرض، يقول نزار عثمان: «لا أعتقد أن خروجهم وتصديهم، وبسالتهم من أجل دحر الانقلاب هو فقط من أجل إعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ورفاقه إلى السلطة، رغم وجاهة هذا الهدف، بل إن ما يقومون به هو معركة تاريخية فاصلة وحاسمة للانفكاك كليًّا من لعنة البقاء تحت حكم المتسلطين، والمضي قدمًا في بناء دولة المواطنة والقانون».

انقلاب ضعيف وخناجر مخفية

الصحافي والمحلل السياسي السوداني، عبد الرحمن فاروق يؤكد لـ«ساسة بوست»، أن الشعب السوداني كله يصطف رافضًا انقلاب عبد الفتاح البرهان والمكون العسكري في مجلس السيادة، على الوثيقة الدستورية، التي تمثل مصدر شرعية النظام السياسي القائم.

وتابع فاروق: «لم تنطلِ خدعة البرهان على الشعب ولا محاولته لخلط الأوراق، وإرباك المشهد السياسي بفبركة أحداث شرق السودان الأخيرة، ولم تنجح تمثيلية الانقلاب العسكري الفاشل في سبتمبر (أيلول) الماضي، ولن ينجح هدفه من استمالة بعض الحركات المتمردة سابقًا إلى الحكومة مع بعض الوجوه التي لا تملك وزنًا سياسيًّا في الشارع، وتقديمهم بوصفهم يمثلون الحاضنة السياسية الداعمة للنظام، للإيحاء بأن ما جرى خطوة تصحيحية وليس انقلابًا».

Embed from Getty Images

مني أركو مناوي زعيم حركة العدل والمساواة مع البرهان 

وبالنسبة لفاروق، فإن انقلاب 25 أكتوبر ليس له أي نقاط قوة، ولا يشبه أي تحرك من التحركات العسكرية التي حدثت في دول الربيع العربي، بل على العكس تمامًا، يتضمن هذا الانقلاب نقاط ضعف ستطيحه في نهاية المطاف عاجلًا أو آجلًا، فهو بدون ظهير سياسي ولا يتمتع بسند شعبي.

وأضاف: «حتى الحركات الموقعة على اتفاق جوبا والداعمة للانقلاب، بقيادة جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، تبرأت قواعدهما من خطوة البرهان، ولم يبق أمام عبد الفتاح البرهان سوى قلة من زعماء القبائل ليس لديهم تأثير كبير، وقد حاول المجلس العسكري  الاعتماد عليهم بعد مجزرة فض اعتصام القيادة في الثالث من يونيو (حزيران) 2019 ولم ينجح في ذلك».

وأكد فاروق أن المكونات التي تساند الانقلاب لا تربطها أي رؤى سياسية أو أيديولوجية مشتركة، بل إن كل طرف منها يخفي خِنجرًا للآخر في انتظار اللحظة المناسبة للغدر به، وأول من سيغدر بالبرهان هو حميدتي قائد مليشيا الدعم السريع، الذي فعل الشيء نفسه مع عرَّابه الرئيس المخلوع عمر البشير.

وعن احتمالية حدوث أي تحرك جديد من الجيش لردع الانقلاب، قال فاروق إن هذا أمر محتمل ومتوقع، لأن الجيش – عدا البرهان وفريق صغير من الضباط المقربين منه – أصبح أكثر انحيازًا لخيار الشعب الآن، منه في 11 أبريل (نيسان) 2019، فالثورة الشعبية تمددت بعمق في المجتمع السوداني، والجيش جزء من هذا المجتمع، حسب قوله. 

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء عبد الله حمدوك

ولم يكن عبد الفتاح البرهان محظوظًا في مغامرته الأخيرة؛ إذ قرر الانقلاب على الحكومة الممثلة للثورة في ظل قوة جبهة الثورة وقدرتها على الحشد والعصيان وتراكم الخبرات التنظيمية الثورية والميدانية لدى الثوار، وبعدما قطع الثوار شوطًا كبيرًا في البناء القاعدي على مستوى الأحياء والأجسام النقابية المهنية، وفي ظل تطهير مؤسسات الدولة إلى حدٍّ كبير من فلول النظام السابق بفضل جهود لجنة إزالة التمكين التي طالما عارض البرهان وجودها.

ويقول عبد الرحمن فاروق: «ستقود قوى إعلان الحرية والتغيير بجانب لجان المقاومة والثوار حراكًا لإسقاط الانقلاب وتحقيق المدنية الكاملة للسلطة، وإعادة  الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انقلاب 25 أكتوبر، لكن تظل الكلمة الفصل فيما يخص الوثيقة الدستورية وفي الحكومة المدنية وفي شخوصها لمؤسسات الحكم المدني المعبرة عن إرادة الشعب السوداني، وليس للواقع السياسي الذي يريد البرهان فرضه».

بلا عمق سياسي.. نقطة ضعف انقلاب البرهان

في حديثها لـ«ساسة بوست» قالت الصحافية السودانية خالدة ودْ المدني، إن معظم داعمي المُكون العسكري في مجلس السيادة، ينتمون إلى الجبهة الإسلامية (إخوان مسلمين) التي حكمت السودان ثلاثة عقود برئاسة عمر البشير، أو على الأقل كانوا مقربين منها وداعمين لها، فرئيس حركة العدل المساواة، جبريل إبراهيم، عضو منظم في جماعة الإخوان وكذلك كل أعضاء حركته. 

وأضافت ودْ المدني أن رئيس حركة تحرير السودان، مِني أركو مناوي، رغم أنه لا يُعرف له انتماء سابق للتيار الإسلامي، فإنه من أكثر الداعين إلى عودة الإخوان والتصالح معهم، وقد انضمت كوادر كثيرة من منسوبي النظام السابق إلى حركته في الآونة الأخيرة. ومع ظهور الطاقم الإعلامي الفعَّال في جماعة الإخوان، والنظام البائد مؤيدًا لانقلاب عبد الفتَّاح البرهان، ما أثار حفيظة الشارع السوداني الذي عد ذلك مدخلًا إلى عودة فلول النظام السابق إلى العمل السياسي.

وأكدت ود المدني أن البرهان والمجموعة العسكرية التي قررت الانقلاب على الشراكة مع المدنيين لن يستنكفوا أن يستخدموا القوة الغاشمة بحق المتظاهرين في الشارع، مضيفةً: «وفقًا لآخر تقرير اطلعت عليه، صادر عن لجنة الأطباء المركزية، فقد قُتل أكثر من ثلاثة أشخاص وأُصيب نحو 80 من المتظاهرين برصاص القوات الأمنية، وما يزال العنف مستمرًّا».

Embed from Getty Images

احتجاجات الشعب السوداني

وتابعت: «ليس بيد الثوار آلية للمقاومة غير المزيد من السلمية والصمود في الشارع، واستخدام إستراتيجية الكر والفر وإغلاق الشوارع، ونشر الاحتجاجات على مساحات واسعة ومتفرقة لإرهاق قوات الأمن وإجبارها على التقاعس».

وعن العمق السياسي للانقلاب، قالت ودْ المدني إن انقلاب البرهان لا يجد سندًا جماهيرًا حقيقيًّا، والحركات المسلحة وبعض ممن يطلق عليهم الشارع «فلول النظام البائد» يساندون البرهان مرحليًّا لكنهم سينقضون عليه في مرحلة لاحقة، أما الأحزاب الكبيرة مثل «الأمة القومي» و«الشيوعي» فموقفهما ضد الانقلاب معلن وواضح، وقد بادر «الشيوعي» بالدعوة إلى العصيان المدني وإسقاط الانقلاب، وتبعته معظم الأحزاب المؤثرة والكبيرة، ولا أعتقد أن أي حزب يمتلك خبرة سياسية وقاعدة جماهيرية سيُغامر بمساندة هذا الانقلاب المعزول جماهيريًّا، وهذه نقطة ضعفه المحورية، حسب قولها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد