عزا أندرو سكوت محلل الطاقة في مقال له بمجلة فورين بوليسي الأمريكية تبني المملكة العربية السعودية لخطة إغراق متعمدة لأسواق النفط إلى أسباب سياسية تتعلق بالأساس بتقويض إيران.

وأعاد سكوت إلى الأذهان الاضطرابات التي شهدتها أسواق النفط في بدايات عام 1977 والتداعيات السلبية التي أحدثتها على الإقتصاد الإيراني. وكانت المملكة قد أعلنت في ذلك التوقيت عن معارضتها لتصويت الأغلبية الذي قادته إيران لزيادة أسعار النفط بنسبة 15% خلال اجتماعات منظمة الدول المنتجة للنفط “أوبك” والتي عقدت فى ديسمبر من عام 1976 بالعاصمة القطرية الدوحة.

وكان الملك خالد بن عبد العزيز ملك السعودية في ذلك الوقت قد أبدى معارضة لزيادة أسعار النفط آنذاك، عازيًا ذلك إلى الركود الاقتصادي الذي تعاني منه الاقتصاديات الغربية. وهو ما أرجعه البعض إلى الرغبة السعودية حينها لتقويض الاقتصاد الإيراني في وقت كانت تسعى فيه طهران بقيادة شاه إيران إلى مزيد من مليارات الدولارات للوفاء بالتزامات الإنفاق من جهة، وإنشاء محطات الطاقة النووية أملًا في إحداث تأثيرات في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم التحفظات الإيرانية، عمدت السعودية في صيف عام 1977 إلى إغراق الأسواق النفطية بزيادة إنتاج تجاوزت 11 مليون برميل يوميًا. وفي ظل العجز الإيراني عن المنافسة تراجع الإنتاج الإيراني من النفط بنسبة 38% وهو ما ساهم في تقليص العائدات النفطية ومن ثّم التخلي عن تقديرات الميزانية الإيرانية لمدة خمس سنوات. ولم تقتصر التداعيات السلبية عند حد الإيرادات النفطية فحسب، بل شملت أيضًا انخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 50%، وخفض دعم الإنفاق المحلي الحكومي لتحقيق التوازن، وهو ما أدي إلى فقدان الشاه لدعم الطبقة المتوسطة لتنهار الملكية مع الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979.

وكما هو الحال مع سبعينات القرن الماضي، تشهد أسعار النفط هذه الأيام انخفاضًا وصل إلى أقل من 60 دولار للبرميل في منتصف ديسمبر 2014 مقابل 115 دولار للبرميل في أغسطس 2013.

ونوه سكوت إلى أنه وفي الوقت الذي تبارى فيه خبراء غربيون لدراسة تأثير ذلك الانخفاض على سوق الأوراق المالية، فقد كشف أخرون عن أسباب ذلك الانخفاض حينما أكدوا أن ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة قد تكون مفتاحًا للغز انخفاض الأسعار. وفي المقابل، قلل البعض من تأثير الاكتشافات النفطية الصخرية الأمريكية وبشكل خاص على الريادة السعودية العالمية في إنتاج النفط بفضل قدرتها على الضخ والاحتياطات وبالتالي قدرتها على تحطيم أسعار النفط في أي وقت شاءت.

وأوضح سكوت في هذا الصدد أن السعودية قامت في سبتمبر الماضي بزيادة إنتاج النفط بمقدار نصف في المائة بمعدل 9,6 مليون برميل يوميًا. ولم تكتفِ بذلك، بل وعرضت أسعارًا أقل لكبار العملاء الآسيويين. ونتيجة لتلك الإجراءات، تراجعت الأسعار العالمية بنسبة تجاوزت 30%.

كما أشار إلى أنه في الوقت الذي باتت فيه أسواق النفط أرضًا خصبة للصراع السعودي الإيراني، وكما أن التاريخ يعيد نفسه، فإن السعودية أغرقت الأسواق النفطية بهدف تقويض الطرف الإيراني وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا لأزمة اقتصادية.

ووفقًا لسكوت، فإن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها السعودية منذ سبعينات القرن الماضي النفط كسلاح سياسي ضد منافسيها. ففي نوفمبر من عام 2006، قال نواف عبيد المستشار الأمني السعودي، في مقال له بصحيفة واشنطن بوست، أن المملكة العربية السعودية بإمكانها الحد من القدرات الإيرانية على دعم المليشيات الشيعية في العراق في حال قامت بتعزيز إنتاجها من النفط وتخفيض الأسعار إلى النصف.

ولم يمض عامان حتى أغرق السعوديون السوق النفطي تزامنًا مع الأزمة المالية العالمية في عام 2008. و خلال ستة أشهر فقط تراجعت أسعار النفط من 147 دولارًا للبرميل حتى 33 دولارًا فقط في وقت كانت فيه إيران على مشارف انتخابات رئاسية في عام 2009. وقد انعكست تلك الانخفاضات بشكل سلبي على سياسات الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد خاصة على صعيد خفض الدعم والبرامج الاجتماعية في محاولة لمواجهة الانهيار المفاجئ لعائدات النفط الحكومية.

وقد تباينت المواقف السعودية والإيرانية إزاء الاضطرابات الحالية في سوق النفط. فبينما أكد وزير النفط السعودي مؤخرًا على استمرار بلادة ضخ 9,7 مليون برميل يوميًا في الأسواق العالمية بغض النظر عن حجم الطلب، فقد ندد الرئيس الإيراني حسن روحاني بالخطوات التي يتبناها المنتج الرئيسي للنفط، دون أن يفصح عن أسماء بعينها، والتي تصطبغ حسبما يرى بصبغة سياسية، محذرًا من مغبة المؤامرات التي تحاك في المنطقة.

واختتم سكوت بقوله أن آمال الرياض الحقيقة هي أن تدفع زيادة الإنتاج النفطية حكومة روحاني إلى اتباع سياسة تقشفية من شأنها تأجيج الاضطرابات الاجتماعية ومن ثّم تصاعد السخط الشعبي في طهران. وفي الوقت الذي لا يتوقع فيه الكثيرون أن تفضي تلك الاضطرابات- في حال حدوثها- إلى إسقاط النظام الإيراني كما هو الحال مع الشاه، فإن ذلك لا يحول دون التأكيد على أن خطوة كهذه ستعمل على تعزيز الإيمان السعودي في مدى نجاعة النفط كسلاح فعّال في حربها للسيطرة على الشرق الأوسط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد