الصورة السابقة: منحوتة “قلب من الفولاذ (الهيموغلوبين)” (2005) من قبل جوليان فوس- أندريا والتي صنعها من الزجاج والفولاذ غير المقاوم للعامل الجوية، وتظهر الصور شكل تكون الصدأ المتعمد على المنحوتة البالغ ارتفاعها 5 أقدام (1.60 متر) بعد التثبيت مباشرة، بعد 10 أيام، وبعد عدة أشهر من التعرض لعامل التعرية وذلك لمحاكاة تفاعل الهيموجلوبين الأساسي بارتباط الحديد مع الأكسجين.

نحن ككائنات بشرية تابعة لرتبة الفقاريات تحتوي أجسامنا على دماء حمراء ومن الواضح أن هناك إجماعًا على ذلك.
والمسؤول عن هذا اللون الأحمر هو عنصر الحديد، وما نعلمه عن الحديد أن تعرضه لأكسجين الهواء الجوي والرطوبة يتسبب في تآكله؛ حيث تشكل هذه الوحوش الجزيئية أكاسيد مكونة بلورات الصدأ البنية، وهذا يعطي معنى آخر لمقولة “بما أن الناس معادن فلا بد أن تقابل في حياتك أشكالًا صدئة” وهذه النسخة المنقحة من تلك المقولة الشعبية المعروفة.

الصدأ الشديد على حلقات من سلسلة بالقرب من جسر جولدن جيت المعلق في سان فرانسيسكو. نتيجة للتعرض المستمر للرطوبة والرذاذ الملحي، مما تسبب في انفصال الطبقة السطحية، وتشققها، وتساقطها من المعدن.

ولكن ما نعلمه أن الحديد داخل الدم لا يصدأ في حين أنه يقبع داخل وسط سائل – فالماء يشكل 70% من تركيب الجسم- كما أنه مسؤول عن نقل الأكسجين لباقي الأعضاء.

فلماذا لا نصدأ إذن؟

دعونا نتخيل وليكن مثلًا مواطن مصري أصيل يتشاجر في شارع ما مع مواطن آخر ولحسن الحظ مصري “أصيل” أيضًا. فما الذي يمنع من أن يُخرج الطرف الأول “مايك تايسون الملاكم” الكامن بداخله، ويتحول الشجار إلى حلبة ملاكمة مفتوحة؟

طبعًا في الظروف القياسية الاعتبارية ستهرع مجموعة من الأشخاص لاحتواء الموقف، وبغض النظر عن بعض العناصر الشاذة المتفرجة، إلا أن هؤلاء الأشخاص سيحيطون بالشخص الأول من كل جهة مانعين إياه من تحويل الشخص الثاني إلى لوحة لبيكاسو.

تلك مقاربة لما يحدث داخل دمائنا بالضبط، فأيونات الحديد إذا ما وُجدت حرة في الدم فسوف تسبب ضررًا بالغًا للخلايا. فهي أشبه بسائق مجنون حين يفقد السيطرة على مكابح عربته فيصطدم بكل ما حوله؛ مثل هذا السائق ولا بد أن يُساق إلى مستشفى المجانين بالرداء الأبيض، وتكبل كلتا يديه وقدميه بالقيود، ويقيم جبريًّا داخل غرفة محاطة بأسوار حصينة داخل مشفى محاط أيضًا بعدد إضافي من الأسوار، وعدد كبير من الحراس للتحكم في الدخول والخروج.

يوضح الرسم جهة اليسار شكل جزيء الهيموجلوبين، وتقع ذرات الحديد Fe في قلب حلقة البورفيرين المشار إليها في اليمين.

ولذلك يقبع الحديد في إقامة جبرية داخل مشفى “المجانين” الميكروي هذا ممسوكًا من كل جهة من خلال حلقة تدعى البورفيرين -Porphyrin، وتحتوي هذه الحلقة على أربع ذرات نيتروجين تحتجز في قلبها ذرة حديد واحدة، وتتكرر هذه الحلقات أربع مرات في شكل ثلاثي الأبعاد محيطة بذرات الحديد من كل جانب.
وكزيادة في الحماية تتفرع من تلك الحلقات سلاسل عضوية من الأحماض الأمينية فيما يشبه الأسلاك الحلزونية الشائكة، ليتكون جزيء الهيموجلوبين.

وهذا الجزيء البالغ التعقيد يتكون من 10 آلاف ذرة يشكل الغالبية العظمى منها الكربون والهيدروجين، وتحتجز داخلها 4 ذرات حديد فقط. وتحمل كرية الدم الحمراء الواحدة أكثر من ربع بليون من جزيئات الهيموجلوبين حاملة بليون ذرة حديد. حسنًا هذه كمية كبيرة من الأرقام في جملة واحدة!

وهنا قد يخطر سؤال لدى القارئ وهو إذا كانت ذرات الحديد تقبع في الخلية داخل هذا السجن الميكروسكوبي فكيف تقوم بنقل الأكسجين؟

لفهم إجابة هذا السؤال علينا أن نتقلص حتى نصل إلى 55 أنجستروم – 55 جزء من 10 مليار جزء من المتر- وهو قطر جزيء الهيموجلوبين، وحيث إنه لا توجد حمية غذائية تمككنا من ذلك فعلينا أن نتخيل الأمر كالآتي:

 

 

تحدث عملية التنفس بصورة تلقائية وبسرعة كبيرة، فبمجرد أن نأخذ نفسًا واحدًا، تنتشي جزيئات الهيموجلوبين. يعمل الهيموجلوبين كالمركبة أما المقاعد فهي ذرات الحديد، وعندما تأخذ نفسًا واحدًا تنفتح المركبة وتمتلئ تلك المقاعد بجزيئات الأكسجين داخل كريات الدم الحمراء البالغ عددها 30 تريليونًا.

وبعدما تحمل كل مركبة نصيبها من جزيئات الأوكسجين تنطلق الكريات لأعضاء الجسم الحيوية، وتنفتح لتطلق حمولتها وتعود محملة بجزيئات ثاني أوكسيد الكربون، يبدو الأمر كما لو كان موكب من السيارات قد وصل لمكان الحفل وجاهز لإنزال ضيوفه، إنه حفل صغير على مستوى الخلية.

ولكن جزيئات الهيموجلوبين تشبه حارس الأمن متعكر المزاج الذي لا يسمح بدخول زائر مجهول الهوية ودون ميعاد مسبق؛ فهو ينفتح فقط بالقدر الكافي لعبور جزيئات الأوكسجين لا الماء. بمعنى آخر يتعين على الحديد أن يتحد فقط مع الأكسجين دون الماء، فوجود الماء هو العامل المكمل لتكون بلورات الصدأ، وهذا ذكاء آخر على مستوى الخلايا يمكنها من حفظ حياتها.

ماكس ف.‏ بيرُتْس،‏ الحائز جائزة نوبل مناصفةً عام ١٩٦٢ عن دراساته حول جزيء الهيموجلوبين وفي الصورة بيرُتس مع أول نموذج عالي الجودة للهيموجلوبين.

وتستمر هذه العملية مئات الآلاف من المرات خلال فترة عمر الكرية البالغة 120 يومًا.  لذلك بدون الهيموجلوبين سيعجز الحديد عن حمل الأكسجين بمفرده، وبدون التركيب المعقد له سنموت خلال ثوانِ معدودة.

ولكن ما الذي يحدث للحديد داخل كريات الدم الحمراء عندما تنتهي عمرها؟

تموت كل يوم مئتا بليون من خلايا الدم الحمراء، ولكن لدى الجسم آلية لإعادة التدوير، حيث يختزن الجسم الحديد الذي لم يعد محميًا داخل أوعية من البروتين تسمى فيريتين ferritin، والتي تعمل على حماية الحديد من الاتحاد مع الأكسجين وتكوين الصدأ.

هل شكرت هيموجلوبينك اليوم؟

ولذلك من المؤسف أن يأخذ الحديد كل الثناء فيما يتعلق بعملية التنفس، فنظام الحماية من الصدأ الذي ينتهجه الجسم يمكن أن يتعطل لخلل جيني نادر مسببًا مرضًا يدعى (فقر الدم الانحلالي) أو (أنيميا البرونز)، وفيه تتكسر كرات الدم الحمراء قبل انقضاء عمرها الافتراضي، وقبل أن يتمكن نخاع العظام من تكوين الكريات الجديدة، ونتيجة لذلك يترسب الصدأ داخل الأوعية الدموية وقد يؤدي ذلك إلى تغيير لون الجلد في بعض الأحيان.

صورة لكريات الدم الحمراء الطبيعية داخل الأوعية الدموية في الأسفل صورة لكريات الدم الحمراء المنجلية

 

كما أن هناك عددًا من الأمراض الأخرى تنتج بسبب خلل جيني يطال أحد مكونات الهيموجلوبين، وهي على سبيل المثال لا الحصر: (أنيميا الخلايا المنجلية) والذي قد لا يحيا مرضاه حتى يبلغوا العقد الرابع، أو أنيميا حوض البحر الأبيض المتوسط (الثلاسيميا) وهو أحد الأمراض الوراثية التي يتعين على مرضاه تلقي الدم مدى الحياة.

فعندما نصاب بالأنيميا يصف لك الطبيب مكملات حديد غذائية، ولكن مثل هذه الأمراض لا يفلح معها المكملات الغذائية عادة، وعندما يصفك أحدهم بخفة الدم فلتعرف أن خفة الدم حرفيًّا ليست شيئًا تمتن من أجله، ولذلك أيها الهيموجلوبين.. نحن فعلًا لن نستطيع أن نتنفس بدونك!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد