هذه الميول العصرية، دفعت نحو وجود تجارة غير مشروعة تستهدف الحيوانات البرية المهددة بالانقراض؛ لتلبية طلبات السوق، فضلًا عن وجود أسباب أخرى

لم تعد تقتصر رغبة الأشخاص على اقتناء قط ذي فرو جميل، أو كلب من فصيلة نادرة، أو طير ملون، بل أصبح الكثير يفضلون اقتناء أسد أو نمر أو قرد، خلق ليعيش في الغابات والصحراء وليس في المنازل.

هذه الميول العصرية، دفعت نحو وجود تجارة غير مشروعة تستهدف الحيوانات البرية المهددة بالانقراض؛ لتلبية طلبات السوق، فضلًا عن وجود أسباب أخرى، تُقصر التجارة على انتزاع أجزاء من هذه الحيوانات، للحصول على ناب الفيل، أو قرن وحيد القرن، من أجل استخدامها في الطب التقليدي، وصناعة المنتجات الفاخرة والمطاعم وشركات الموضة، لذلك تضاعفت هذه التجارة في العقد الأخير حتى أصبحت تزاحم تجارة المخدرات والأسلحة في المراتب الأولى ليصبح الواقع يشكل خطرًا متزايدًا حول العالم.

23 مليار دولار ربح سنوي

وتخضع غالبية المناطق التي تعد مراعي طبيعية للحيوانات البرية، لحماية القانون الدولي، وتحديدًا لمعاهدة التجارة الدولية للأنواع النادرة، ورغم ذلك هناك ارتفاع مذهل في التجارة غير المشروعة للحيوانات البرية، هذا الارتفاع فاقت أرقامه توقعات المعنيين، الذي أدركوا سلبية عدم توافر الموارد الكافية لتطبيق القانون، ومنع تجدد عمليات صيد الأنواع المهددة بالانقراض.

ففي حقائب السفر اليدوية، وعلى متن السفن، وبطرق متعددة يهرب صغار الحيوانات البرية بهدف التجارة الحية بها، ولأنها أكثر ربحية وأقل خطورة، أخذت تجارة الحيوانات غير المشروعة في العقد الأخير تستقطب الأفراد والعصابات والجماعات المسلحة عن تجارة الأسلحة والمخدرات، لتصبح هذه التجارة غير القانونية رابع أكبر أنواع التجارة غير المشروعة في العالم بعد تجارة المخدرات، والمقتنيات المزيفة، والعملة، والاتجار في البشر.

فعلي سبيل المثال، يُربح تهريب آلاف الجراء من السلالات الراقية مثل «pug» و«Chihuahuas» من أيرلندا عبر الموانئ الاسكتلندية كل شهر، يربح التاجر ما بين 25 ألف جنيه استرليني و30 ألف بالأسبوع، إذ يتم بيعها بسعر يتراوح بين 500 و1000 جنيه استرليني للكلب الواحد، أما تقرير مركز «شاثام هاوس» البريطاني فيظهر أن طلب الحيوانات البرية سجّل معدلًا ينذر بالقلق، فـ«أنشطة الاتجار غير المشروع بمادة العاج، سن الفيل الأبيض، تضاعفت منذ عام 2007، وبلغ سعر كيلو العاج الواحد أكثر من 2000 دولار في العاصمة الصينية بكين، بينما بلغ سعر الكيلو الواحد من قرن وحيد القرن إلى 66 ألف دولار، متخطيًا أسعار الذهب والبلاتينيوم».

ويؤكد تقرير حديث صدر مؤخرًا «أن زعماء عصابات عالمية جنوا ثروات قدرت بـ 23 مليار دولار من التجارة السنوية غير المشروعة بحيوانات البرية بعد عقد من المراقبة السرية في أرجاء القارات من جنوب إفريقيا إلى تايلاند وأسواق الصين، حيث تستخدم أطراف الحيوانات في الطب التقليدي».

وأضاف التقرير أن هؤلاء التجار الذين اُكتشف أنهم على صلة بمسؤولين فاسدين ذوي مناصب عليا في إحدى الدول الآسيوية، تسببوا في قتل وتشويه عشرات الأطنان من الحيوانات والتي يواجه بعضها خطر الانقراض مثل النمور والفيلة ووحيد القرن، وذلك وفقًا لما أكدته صحيفة الجارديان البريطانية، التي عملت طوال العام الماضي مع محققين مستقلين، ومع منظمة «فريلاند» المناوئة للاتجار بالحيوانات، فزودت فريق المراقبة التابع للحكومة التايلاندية بالمعلومات والدعم التحليلي.

بالأرقام.. الحيوانات الأكثر مبيعًا

تعد تجارة القرود هي الأكثر رواجًا بين التجارة الحية للحيوانات، إذ يحفز أسعار القرود هذه التجارة، فسعر «الشمبانزي» في آسيا يتراوح بين 25 و30 ألف دولار، أما «الغوريلّا» فسعرها قد يزيد عن 45 ألف دولار.

وتشهد إندونيسيا وماليزيا أكبر نسب من مصادرة «إنسان الغاب»، الذي يمثل 67% من القردة التي تمت مصادرتها، ويتبعها دول غرب إفريقيا مثل سيراليون وغينيا والكاميرون، وتشكل التجارة غير المشروعة للقردة تهديدًا خطيرًا للشمبانزي والغوريلا والبابون في إفريقيا.

وفيما يتعلق بالأفيال، يُقتل حوالي 20 ألف فيل كل عام للحصول على أنيابها، بل يقدر عدد الفيلة التي تقتل سنويًا على أيدي الصيادين في كينيا وحدها بنحو 100 فيل، وذلك رغم حظر الحكومة الكينية لتجارة العاج منذ العام 1989، و حظر معاهدة التجارة لبيع الأفيال الإفريقية، ومنع التجارة في العاج، وتنشط هذه التجارة ليهرب العاج إلى أسواق الصين وتايلاند وفيتنام، وغيرها من الأسواق في الشرق الأقصى لاستخدامه في الحلي.

وتُظهر الأبحاث أن إفريقيا خسرت حوالي 30% من الأفيال خلال السنوات السبع الأخيرة، وتسببت تجارة العاج في خسارة بعض الدول الإفريقية، مثل تنزانيا وموزمبيق، لنصف أعداد الأفيال الموجودة على أراضيها بين عامي 2009 و2015.

كما تسبب استخدام قرون وحيد القرن في الطب التقليدي بصيد 1.215 حيوان منه في جنوب إفريقيا وحدها في العام 2014، وهذا يعني مقتل حيوان وحيد القرن كل ثماني ساعات، كما ذكرت اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض.

ولا تبعد حتى العناكب عن التجارة غير المشروعة بالحيوانات، فالعناكب العملاقة التي من المفترض أن تعيش في الكهوف أيضًا تُعرض للبيع بشكل غير مشروع، مما تسبب في تراجع أعدادها، وهناك نوع آخر من عناكب «الرتيلاء» الإفريقية، يرغبها المشترون العشاق لجمع مثل هذه الكائنات، إضافة إلى عنكبوت «البابون الهرقلي» ذي الحجم الكبير للغاية، فهو يشكل محورًا لتجارة إليكترونية مزدهرة بشدة.

كيف عززت تجارة الحيوانات البرية الحروب الأهلية؟

«إن الاتجار غير المشروع بالأحياء البرية يؤدي إلى تقويض سيادة القانون ويهدد الأمن القومي؛ ويتسبب في تدهور النظم الإيكولوجية، والتصدي لهذه الجريمة أمر أساسي لجهود حفظ البيئة والتنمية المستدامة وأيضًا سيساهم في تحقيق السلام والأمن في المناطق المضطربة حيث تؤدي هذه الأنشطة غير المشروعة إلى تأجيج النزاعات»، هذا التصريح الذي أدلى به الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» في يوم الاحتفال باليوم العالمي للحياة البرية كان تأكيدًا على خطر الجرائم المنظمة المرتكبة بحق الحيوانات البرية والتي تمارسها جماعات مسلحة لتمويل نشاطاتها المسلحة.

أصبحت هذه التجارة مرتبطة بالجماعات المسلحة والإرهاب، لأنها أصبحت تتخذ أداة لتوفير إيرادات تساهم في تمديد فترات العنف والنزاعات الأهلية، وجُنيت أرباحها لشراء الأسلحة وتعظيم القوة العسكرية للجماعات المسلحة وبالتالي ولدت لها قدرة أكبر على شن هجمات إرهابية أخرى، فعلى سبيل المثال، تغطي تجارة العاج جزءًا كبيرًا من نشاطات «حركة الشباب المجاهدين» في الصومال، ويعود تجاوز هجمات الحركة خارج حدود الصومال بفضل هذه النشاطات غير القانونية.

وتحدث تقرير حقوقي عن تورّط جماعات مسلحة في تشاد والسودان والكونغو الديموقراطية والكاميرون في ذبح 450 فيلًا على سبيل المثال، لأخذ العاج بغرض بيعه من أجل الحصول على المال اللازم لشراء أسلحة للحروب الداخلية، وحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة «فإن 90% من عمليات قتل الفيلة، التي تُسجّل داخل مناطق الصراعات، تتمّ على أيدي الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتقدر القيمة المحتملة لهذه التجارة بين 3.9 مليون دولار و12.3 مليون دولار، حسب سعر البيع المُعتمد».

ويؤكد تقرير صادر عن «الصندوق العالمي للحياة البرية» على أن «الأموال الناتجة عن هذه التجارة غير المشروعة تستخدم في تمويل الصراعات الأهلية»، وحسب المدير العام الدولي للصندوق جيم ليب: «أصبحت الجرائم التي ترتكب بحق الحيوانات البرية والمتصاعدة بشكل كارثي خلال العقد الماضي، تمثل الآن خطرًا أكبر من ذي قبل، وذلك كون جماعات التمرد المسلحة في إفريقيا تستغل زيادة الطلب على حيوانات مثل الأفيال، والنمور، والكركدن لتمويل الصراعات الأهلية»، ويعقب ليب بالقول: «الأمر يتعلق بما هو أبعد بكثير من الحفاظ على الحيوانات البرية، فهذه الأزمة تهدد استقرار الحكومات والأمن القومي لبعض البلاد.«

الإنترنت سوق سوداء للبيع ووسيلة لمحاربته أيضًا

دببة الشمس وقرود الغيبون أو الشمبانزي والدببة السوداء والنمور السيبيرية، نوعيات من الحيوانات المهددة بالانقراض التي تباع عبر الإنترنت كما يكشف تقرير شبكة مراقبة الحياة البرية «ترافيك» الذي تناول عمليات بيع مئات الحيوانات البرية عبر صفحات فيسبوك في ماليزيا.

وتزايدت التجارة غير المشروعة للحيوانات البرية وبدأ الإنترنت يستخدم كوسيلة سهلة آمنة لبيع أندر الحيوانات في العالم، وتستخدم مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الأخرى على الهواتف الذكية للبيع والشراء، حتى أن عصابات متطورة أخذت تستغل الإنترنت كأداة لا تتطلب الكشف عن الهوية الحقيقية، ليصبح على الإنترنت سوق سوداء لبيع أندر الحيوانات البرية، وعلى سبيل المثال تأخذ تجارة الحيوانات المفترسة بالاتساع في الخليج العربي وذلك باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي وعبر «سناب شات» و«إنستجرام» و«تويتر» التي تبيع حيوانات أدخلت بالتهريب البري أو البحري دون أي مداراة رغم صدور أمر بمنع استيراد الحيوانات المفترسة واقتنائها، وتسبب ذلك في ارتفاع بورصة أسعار الحيوانات المفترسة في السعودية.

وبالعودة لتجربة شبكة «ترافيك» السابقة، تابع باحثو التجربة 14 مجموعة على موقع فيسبوك، لمدة 30 دقيقة يوميًا، وعلى مدار خمسة أشهر، ليحصُوا عرض بيع لأكثر من 300 حيوان بري حي على الإنترنت وذلك رغم عدم وجود انتعاش لهذه التجارة في ماليزيا، أما تحقيق الصندوق العالمي لرعاية الحيوان، فكشف عن «وجود ما يصل إلى تسع آلاف من الحيوانات الحية أو المنتجات الحيوانية تباع على مواقع تجارية على الإنترنت مثل موقع إيباي، وذلك في أسبوع واحد» حسب تقرير حمل عنوان «حيوانات واقعة في الشبكة – التجارة البرية على الإنترنت».

وأضاف التقرير أن «الكثير من التجار يستغلون الإنترنت كغطاء لتوفير السرية لتعاملاتهم، فالكثير من الحيوانات تتعرض للاستهداف على أيدي الصيادين لسد الطلب من جانب المستهلكين الأثرياء».

ولمواجهة هذه التجارة، تُتخذ عدة خطوات لا تقتصر فقط على إزالة موقع فيسبوك لأي محتوى يروج لبيع الحيوانات البرية بطريقة غير مشروعة بل طورت جمعية «تارونغا للحفاظ على البيئة في استراليا» بالتعاون مع شبكة «ترافيك» تطبيقًا للهواتف الذكية يسمح للمواطنين بوضع صور وبيانات عن أية حيوانات برية تعرض للبيع بصورة غير مشروعة.

ويعتمد التطبيق الذي يركز على منطقة جنوب شرق آسيا على «حث الناس في حال رأوا أشياء أثناء تجولهم في الأسواق، مثل دب صغير أو قطعة عاج معروضة للبيع وتشككوا في أنها غير قانونية، يمكنهم تسجيل ما يرونه من خلال التطبيق وستنتقل المعلومات مباشرة إلى شبكة ترافيك لتحديد التوجهات العالمية في تجارة الحيوانات البرية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد