حين أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اسم عبد المجيد تبون كرئيس للحكومة خلفًا لعبد المالك سلال، بعد  تشريعيات الرابع من مايو(أيار) الماضي، لم يتبادر إلى ذهن الكثيرين أن عبد المجيد تبون،  ذلك السياسي الذي ارتبط اسمه بقضية الفساد التي هزت بنك الخليفة في بداية هذه الألفية، سيشنّ حربًا على الفساد في الجزائر، ويصبح بعد أقل من شهرين من تنصيبه على رأس الحكومة، الشخص الأكثر قبولًا لدى الجزائريين لحدّ وصفه بأردوغان الجزائر من قبل البعض.

من هو عبد المجيد تبون؟

جاء الوزير الأوّل الجزائري عبد المجيد تبون من رحم الإدارة الجزائرية، فهو من خريجي المدرسة الوطنية للإدارة، ولد في 17من  نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1945 بالمشرية النعامة، وتقلّد عدّة مناصب ولائية ووزارية في حكومات مختلفة، فمن مسؤول على مستوى وزارة  الجماعات المحلية بين عامي 1975 و199، إلى أمين عام لعدّة محافظات أبرزها ولاية أدرار وباتنة إلى والي لبعض الولايات، إلى وزيرٍ منتدب بالجماعات المحلية بين عامي 1991 و1992، وفي عام 1999 تقلّد تبون منصب وزير السكن والعمران، ثم منصب وزير الاتصال سنة 2000، ليعود وزيرًا للسكن والعمران مرة أخرى بين عامي 2001 و2002 ، وبعد ذلك ابتعد عن الساحة السياسية لأكثر من عشر سنوات، قبل أن يعيده الرئيس بوتفليقة مع أول حكومة لسلال حيث عيّن وزيرًا للسكن والمدينة عامي 2013 و2014.

وبعد وفاة وزير التجارة بختي بلعايب مطلع هذه السنة، كلّفه الرئيس بوتفليقة بإدارة هذه الوزارة في فترة عصيبة تميزت بفرضه قيودًا على الاستيراد بسبب شح الموارد المالية من العملة الصعبة في بلد يعتمد بنسبة 95% على تصدير النفط والغاز، وكان رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة قد سلمه وسام استحقاق لمجهوداته في قطاع السكن، وهذا ما عجّل من وصفه بالرجل المقرب من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حيث اختاره الأخير وزيرًا أوّلًا للحكومة الجزائرية في 24 مايو (أيّار) الماضي، ليتمّ تنصيبه بعد يوم من ذلك.

أردوغان الجزائر

الوزير الأول الجزائري عبد المجيد تبون. مصدر الصورة (الجارديان)

تصدر عبد المجيد تبون المشهد في  الجزائر منذ عدة سنوات؛ لارتباطه بقطاع السكن الذي يعدّ القطاع  الأهم بالنسبة للجزائريين، حيث أداره أكثر من سبع سنوات في حكومات مختلفة، ويعدّ  تبون المشرف على إطلاق صيغة «عدل» عام 2013 التي تسهل على الجزائريين الحصول على السكن عن طريق البيع بالإيجار.

 تبون يفكّ شفرة تَرِكات الحكومة السابقة

منذ توليه رأس الحكومة عقد عبد المجيد تبون العزم على اتخاذ حكومته العديد من القرارات الجريئة في  محاولة لحلحلة تركة الحكومات المتعاقبة من أزمات على البلاد، حيث أكد أن حكومته التي يشرف عليها فتحت ورشة لمناقشة العديد من القضايا وتعمل على اتخاذ القرارات المناسبة بالنسبة لهذه الملفات التي تنتظر حلها منذ مدة.

واستهل تبون في معرض رده على انشغالات النواب بالبرلمان ، أثناء مناقشة مخطط عمل الحكومة، بالكشف عن القرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، القاضي بإجراء دورة استدراكية لامتحانات شهادة البكالوريا، خاصة للتلاميذ الذين تم إقصائهم بسبب التأخير، حيث إن نسبة المتغيبين عن اختبارات شهادة البكالوريا 2017 بلغت 2.07% لدى المدرسين، وهي القضية الشائكة التي كانت تهدد قطاع التربية الوطنية، في ظل الأعداد الكبيرة التي تعرضت للإقصاء، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها وزيرة التربية نورية بن غبريت،

والتزم الوزير الأول خلال جلسة التصويت على مخطط عمل حكومته، بالتكفل بمطالب متقاعدي الجيش في القريب العاجل، وهي الفئة التي طالما دأبت على شغل الرأي العام بالاحتجاجات والمسيرات.

واستمر تبون في تفكيك شفرات الأزمات التي تركتها الحكومة السابقة، ليتجه صوب  قطاع الإعلام، معلنًا تسوية القطاع السمعي البصري، الذي يشهد نشاط عشرات القنوات بدون ترخيص في  فترة قدرها تبون بـ«  ستة أشهر»، والعمل على تنصيب مجلس أخلاقيات الصحافة قبل نهاية السنة، وهو الملف العالق منذ أزيد من ثلاث سنوات.

وبخصوص قضية اللاجئين والحملة العنصرية التي شنتها بعض أطراف عليهم، أوضح عبد المجيد تبون، أن الجزائر «ليست دولة عنصرية»، قائلًا: «نحن أفارقة ومغاربة ومتوسطيون، وأن هناك بعض الأطراف تريد تشويه صورة الجزائر والترويج لأخبار كاذبة عن سوء معاملة اللاجئين»، قاطعًا بذلك الطريق على هؤلاء، وكحل للأزمة أعلن تبون عزم  حكومته تقنين وجود الرعايا الأفارقة في الجزائر من خلال مباشرة وزارة الداخلية في إصدار بطاقات إقامة الرعايا الأفارقة تمكنهم من العمل، وأضاف أن الجزائر ملتزمة بفتح أبوابها أمام اللاجئين الأفارقة والعرب.

 

بخصوص الجبهة الاجتماعية الساخنة، وجه تبون عدد من الرسائل الإيجابية والمطمئنة للجزائريين، بدءًا بالتأكيد على أن السلطات العمومية لن تتخلى ولن تجمد التوظيف في القطاع العمومي، مثلما كان يروج منذ مدة، وفيما يتعلق بالسكن، أكّد عبد المجيد تبون أن الحكومة لن تتراجع بخصوص مواصلة دعمها لقطاع السكن، مؤكدًا أنّ أزمة السكن  في  طريقها للحل  النهائي في أفق سنة 2018.

إقرأ أيضًا: 5 مهمات شاقة في انتظار حكومة «تبون» الجزائرية.. تعرف عليها

على خطى أردوغان.. تبون  يشنّ حربًا على الفساد

بات الفساد مظهرًا جليًّا من المظاهر المنخورة في القطاعين السياسي والاقتصادي حيت بات يهدّد كيان الدولة الجزائرية، وبتعيين تبون على هرم الحكومة وإعلانه في أوّل خرجة له عزمه شنّ حربٍ لا هوادة فيها على الفساد، صالت في خواطر العديد من الجزائريين صورة الرئيس التركي الحالي رجب  طيّب أردوغان الذي تولى رئاسة الوزراء في تركيا في حالة شبيهة بالجزائر اليوم من ناحية نخر الفساد، فاتخذ من محاربة الفساد هدفًا له، وبخرجة الوزير الأوّل الجزائري المشابهة صار يلقب عند العديد من الجزائريين بـ«أردوغان الجزائر».

وسكّ تبون طريق محاربته للفساد بأن كان أول مسؤول جزائري غير مقال أو مستقيل، يعترف صراحة بأنَّ البلاد قد ضيّعت أكثر من 7000 مليار سنتيم في مشاريع لا جدوى منها، في اتهام غير مباشر للوزير السابق للصناعة عبد السلام بوشوارب، وهو ما عكس رغبة الوزير الأول في إرساء قواعد الشفافية وإطلاع الجزائريين على الحقائق والأرقام التي تمَّ إخفاؤها عنهم في عهد سلفه عبد المالك سلال.

وذهب تبون في تحديه أخطاء أسلافه إلى أبعد من ذلك بأن جمّد ستة قرارات اتخذها سلفه عبد المالك سلال، تتعلق بالقطاعين الصناعي والاقتصادي، نظرًا لما تحويها تلك القرارات المتخذة من عبء على الاقتصاد الوطني من وجهة نظره، في سياق ما بات يسمى حملة تبون على الفساد، وطلب الوزير الأول من طاقم حكومته  إعداد قائمة بالمشاريع التي منحت  في شكل غير قانونية  لمستثمرين فاسدين.

 

وبدأت الصورة تتضح جليًّا حول نيات تبون في محاربته للفساد، إذ لم يتوقع في البداية المراقبون أن يبدأ الوافد الجديد إلى  قصر الدكتور سعدان مرحلة تنفيذ وعيده الذي أطلقه أمام البرلمان قبل نحو شهر، وكان مراقبون وصفوا تلك التصريحات الصادرة من تبون حيّال الفساد في  الجزائر، بالحملة الباحثة عن استرضاء المعارضة والموالاة معًا بعد الفشل في استقطاب المعارضة للحكومة، إلّا أن تبون انتقل سريعًا إلى خطوة العمل بالأٌقوال، بأن أمر بفتح تحقيقات موسعة في أكثر من قطاع اقتصادي، بعد أن سارع إلى إنشاء مفتشية للتحقيق المالي تتبع مكتبه مباشرةً، وتكون تحت وصايته.

وشكّل تصريح تبون بأن «مشاريع بقيمة 700 مليار سنتيم لم تحقق أي فائدة مرجوة»، نقطة بداية لما باتت تسميه الصحافة «خطّة تبون»، وظهر جلياً من خلال هذا التصريح أن تبّون قصد مباشرةً سلفه سلال ووزيره المنتمي لحزب أويحيى، والذي يعدّ في نظر بعض المراقبين «أكثر الأحزاب الفاسدة في البلاد»، ما عجّل بالجفاء في علاقة تبون بمدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى.

أردوغان الجزائر

علي حداد رئيس منتدى رجال الأعمال الجزائريين مصدر الصورة (algerie infos-saudi.com)

وكان تبون قد أصدر أوامره إلى أربعة وزراء، هم وزير الداخلية نور الدين بدوي، ووزير الصناعة بدة محجوب ووزير التجارة أحمد عبدالحفيظ ساسي، ووزير الأشغال العامة عبد الغني زعلان، هذا الأخير أرسل تقريرًا أسودًا بمشاريع منحت بظروف «مشبوهة» لرجل الأعمال النافذ علي حداد.

اقرأ أيضًا: في 2016.. أحداث تحكي لك تأثير السخرية في قرارات الحكومة الجزائرية

تبون يطرد علي حداد من حفل رسمي

بعد ورود تقريرٍ أسودٍ على مكتب الوزير الأول حول رجل الأعمال مالك  «ETRHB» والتي فازت بصفقة إنجاز «الطريق السيار شرق – غرب» بطول 1720 كلم، مع بعض المشاريع الأخرى التي يعتقد أنها تمّ الاتفاق عليها بجنحة مشبوهة، طلب تبون من معاونيه إبعاد رئيس منتدى رجال الأعمال الموسوم بـ«منتدى رؤساء المؤسسات» علي حداد من القاعة التي احتضنت، السبت الماضي، حفل تسليم الشهادات للطلبة المتخرجين من المدرسة العليا للضمان الاجتماعي بالعاصمة الجزائرية، و اضطر على إثرها  رئيس أكبر تجمع لرجال الأعمال الجزائريين لمغادرة القاعة رفقة رئيس نقابة الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي تضامن معه، وذلك بعد أن تأكد أنه غير مرغوب فيه.

أردوغان الجزائر

تبون يشنّ حربًا على حداد مصدر الصورة (المرصد الجزائري)

وتعدّ هذه الحادثة أبرز الصفعات التي  تلقاها كبير رجال أعمال  بالجزائر، بعد أن كان خلال السنوات الأخيرة الابن المدلل للسلطة بحكم قربه من شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة.

اقرأ أيضًا: 5 أسباب لاستمرار بوتفليقة في الحكم

تحالفات للانقلاب على أردوغان الجزائر

بعيد طرد الوزير الأول عبد المجيد تبون لرجل الأعمال علي حداد، اجتمع  منتدى رؤساء المؤسسات والاتحاد العام للعمال الجزائريين، ومنظمات أرباب العمل، على التنديد بما سموها المعاملة الجديدة لحكومة عبد المجيد تبون مع رئيس «FCE» علي حداد، وذلك على خلفية طرده من حفل تخرج طلبة المدرسة العليا للضمان الاجتماعي نهاية الأسبوع الماضي، محذرين من تبعات «وخيمة» لمثل هذه التصرفات على الحوار والتعامل القائم بين الحكومة وشركائها الاقتصاديين والاجتماعيين في إشارة واضحة إلى تأليب الرأي العام الجزائري والعمالي على الحكومة الجزائرية، ولم ينتظر«حداد» كثيرًا من الوقت حتى يعلن حربه الحكومة ردّا على الضربة التي تلقاها من الوزير الأول عبد المجيد تبون، الذي أظهر عبر جملة من القرارات انتهاء «شهر العسل» بين المال والسياسة .

https://www.youtube.com/watch?v=zsE39dFLTN8

 

وقام «علي حداد» بجمع المركزية النقابية ومنتدى رؤساء المؤسسات ومعهم سبع منظمات تابعة لأرباب العمل بفندق الأوراسي، للخروج بقرارات تحفظ جزءًا من كرامته المهضومة بالطرد لا بالفساد الذي نخرّ قطاع الأشغال العمومية في الجزائر في نظر العديد من المراقبين، وخرج الاجتماع ببيان اتهم أصحابه تبون بـ«خرق» بنود العقد الاجتماعي بـ«تصرف غير مقبول» عندما  قرر منع رجل الأعمال علي حداد من حضور تخرج طلبة مدرسة الضمان الاجتماعي السبت الماضي، معتبرين هذا التصرف يضر بالحوار والتعاون بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين والاقتصاديين.

ويؤشر بيان حداد وسيدي السعيد بوجود أزمة حقيقية مع الوزير الأول، وانقطاع حبل الود بينهما، عندما أكد كلٌّ من حداد وسيدي السعيد وفاءهم للرئيس بوتفليقة وحده فقط كما أكدا تمسكهما بتجسيد ما جاء في العقد الاجتماعي في إشارة لفرضية الانقلاب على الوزير الأوّل؛ إذا استمرّ في سياسة محاربته للفساد.

بوتفليقة وشقيقه.. في صف تبون ضد الفساد

يعدّ  الوزير الأوّل عبد المجيد تبون من المقربين من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ويصفه الكثير باليد اليمنى للرئيس وأقرب رجل له بعد أخيه السعيد، هذه العلاقة جعلت من بوتفليقة يعتمد على تبون كوزير أوّل، وقوّت من عزيمة تبون، حيث إجتمع الأخير بالرئيس بُعيد تنصيبه لمناقشة عدة ملفات عالقة، أبرزها ملف فصل المال عن السياسة، حيث  تلقى تبون أمرًا من بوتفليقة للمباشرة في فصل المال عن السياسة، «طريقة تبون» في  حربه على الفساد تحظى بدعم مطلق من الرئاسة، وبإجماع قيادة الجيش والاستخبارات.

 

كما أنها تتلقى دعمًا أو على الأقل عدم معارضة من شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، الذي اتخذ بصمته خطوات توحي بعدم حمايته رجال الأعمال في الجزائر.

اقرأ أيضًا: كيف تستعد الجزائر لمرحلة ما بعد «بوتفليقة»؟

الجزائريون يتضامنون مع تبون بهاشتاج «كلّنا تبون»

أطلق  نشطاء جزائريون على مواقع التواصل الإجتماعي حملة للتضامن مع الوزير الأول  عبد المجيد تبون في حربه ضد الفساد، وذلك على وقع طرده لرجل الأعمال علي حداد، وتحالف هذا الأخير مع المركزية النقابية للعمال ضد الوزير الأوّل.

وأطلق الجزائريون لقب أردوغان الجزائر على شخص تبون نسبة إلى القرارات الجريئة التي  اتخذها في ظرف قياسي، ما جعلّ شعبيته داخل  الأوساط الجزائريّة تصل إلى العنان، ما قد يعبد الطريق له لخلافة بوتفليقة.

اقرأ أيضًا:بعد حل بوتفليقة المخابرات.. هل انتهى نفوذ القوى الأمنية بالجزائر؟

هل سيكون تبون رجل المرحلة في الجزائر؟

خلافة بوتفليقة باتت منذ سنوات تشكّل مسألة شائكة لطالما ارتبطت بصراعات موازين القوى على المستوى الداخلي والوضع الإقليمي والدولي على المستوى الخارجي، وبعد مرضه المفاجئ ثمّ إعادة انتخابه لعهدة رابعة منتصف أبريل (نيسان) سنة 2014، بات جليًّا أن هناك تفكير عميق لدى الجزائريين للبحث عمن يقود السفينة التي توشك في نظر البعض على الغرق، وأن الوقت قد حان لاستباق أي طارئ قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، غير أنّ تعيين تبون كوزير أول اعتبر كأنه لا حدث وأنه مجرد تغيير روتيني مستمر منذ سنوات، إلاّ أن الخرجات التي بات يعرف بها «أردوغان الجزائر»، من إزاحته لخصم كان مرشّحا لخلافة بوتفليقة وفتحه حربًا دروسا على الفساد متمثلا في وجهة نظر قطاع عريض من الجزائريين في علي حداد احد أكبر رجال الأعمال  في  البلاد، جعل الجميع يتسائل هل سيكون «أردوغان الجزائر».. عبد المجيد تبون رجل المرحلة في الجزائر؟.

اقرأ أيضًا: «السعيد بوتفليقة».. الشقيق الأصغر علي بعد خطوات من كرسي أخيه الغائب

 

المصادر

تحميل المزيد