بينما تستمر انتفاضة القدس في أحداثها، تحرك في الرابع عشر من الشهر الحالي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، من أجل التوسط للخروج باتفاق إسرائيلي أردني؛ هدفه الحفاظ على الوضع القائم بالمسجد الأقصى.

فقد ركز هذا الاتفاق، وفقا لما تداولته وسائل الإعلام، على أهمية احترام دولة الاحتلال للدور الأردني في المسجد الأقصى، وعلى قيام الاحتلال بالحفاظ على الوضع القائم وتخصيص المسلمين بالصلاة وغير المسلمين بالزيارة.

بنود الاتفاق

 

سيغير الاتفاق الوضع القائم في القدس، إذ ستعمل الأطراف على تركيب كاميرات مراقبة في الأقصى، والسماح للمستوطنين بدخول المسجد والقيام بصلواتهم، وللاحتلال الحق في منع الفلسطينيين المدرجين ضمن “القوائم السوداء” من دخول الأقصى.

وبتفصيل أكثر جاء في البند الأول من الاتفاق الأردني – الإسرائيلي أن على دولة الاحتلال الإسرائيلي احترام ما سمى بـ “الدور الخاص” للأردن ، و”الدور التاريخي للملك عبد الله الثاني”.، وأكدت البنود على أن الاحتلال يباح له الاستمرار في تطبيق سياسته الثابتة في ما يخص العبادة الدينية، أي السماح بأن “المسلمين هم من يصلون” وبأن “غير المسلمين هم من يزورون”.  المسجد الأقصى.

وفي البند الثالث أكدت دولة الاحتلال رفضها تقسيم المسجد الأقصى،  بينما رحب الاحتلال في البند الرابع بالتنسيق المتزايد بين السلطات الإسرائيلية وإدارة الأوقاف الأردنية، بما في ذلك “التأكد من أن الزوار والعبّاد يبدون الانضباط ويحترمون قداسة المكان انطلاقاً من مسئوليات كلٍّ منهم”.

أما البند الخامس والذي برزت أول المشاكل في تطبيقه، فهو موافقة رئيس وزراء الاحتلال على اقتراح الأردن بـ”توفير تغطية مصورة على مدار 24 ساعة لكل المواقع داخل المسجد الأقصى”، إذ منعت مباشرة قوات الاحتلال الأوقاف الأردنية من تركيب هذا الكاميرات، وقالت: إن المسئولية إسرائيلية فقط، وليس أردنية إسرائيلية مشتركة.

 

وقف الانتفاضة

 

 

وفقا للمحللين، فإن الهدف الرئيسي هو وأد الانتفاضة في القدس، فالاتفاق يحوى قبولا ضمني بتغيير الوضع القائم، بالإضافة إلى تحويل زيارة  اليهود إلى حقٍّ مكتسب يتساوى مع حق المسلمين بالصلاة في المسجد (حسب المتخصص في شئون القدس زياد أبحيص).

 

ويتساءل الكاتب والمحلل الفلسطيني يوسف رزقة هل سينجح الاتفاق الأردني في إجهاض الانتفاضة؟ ويجيب : في ضوء الوعي الوطني، والوعي الشبابي، والوعي السياسي، والوعي العام، لا، لن ينجح الاتفاق في وأد الانتفاضة؛ لأن عامل الثقة بين المنتفضين والقيادات العربية والفلسطينية غير موجود البتة، والانتفاضة تسير بروح دفع شعبية لا تنظيمية، وليس لها قيادة محددة يمكن شراؤها بالمصالح، أو كسرها بالضغوط “.

 

ويوافقه الرأي، الكاتب والمحلل السياسي عدنان أبو عامر: إذ استبعد أن يوقف هذا الاتفاق الانتفاضة القدس، وقال: “الانتفاضة قرار ميداني، ولن يوقفها اتفاق دولي له أبعاد ومصالح إقليمية لا تخدم انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي، فلا السلطة ولا الفصائل ستستجيب طالما أن القرارات المتعلقة بالأقصى لا تحقق الأهداف التي استشهد وجرح من أجلها أبناء الوطن”.

 

ويتطرق أبو عامر لدور الأردن وحاجته لوقف الانتفاضة ويقول: “الأردن لها مصالح داخلية من وقف الانتفاضة، أولها: لا تريد للانتفاضة أن تؤثر على حدودها مع الأرضي المحتلة ما يشكل خطرا عليها، وثاني مصلحة لمحاولة الأردن هي أن الأردن تخشى على أمنها الداخلي من استمرار المظاهرات الشعبية الداعمة للانتفاضة”.

 

السيناريوهات الثلاثة

توقع تقرير أعدته مؤسسة القدس الدولية ثلاث سيناريوهات محتملة لتطبيق الاتفاق الأردني – الإسرائيلي، أولها : سيناريو التطبيق والتفاهم على مضمون الاتفاق، حيث تعاد صلاحيات إدخال السياح للأردن، وتعود له السلطة الكاملة في إدارة المسجد ويتولى هو تنظيم دخول “الزوار” إليه بما فيهم اليهود، وتكتفي “إسرائيل” بدورها على بوابات المسجد من الخارج.

 

أما السيناريو الثاني، فهو  التطبيق بحسب رؤية كل طرف: أي أن يمضي كل طرف لتطبيق ما فهمه من الاتفاق، وينتج عن ذلك أمر واقع جديد يجري التفاهم على تثبيته وعدم معارضته، ويستمر الاحتلال في السيطرة على دخول “الزوار”، والتحكم بساعات الدخول مع رفع مستوى التنسيق مع الأوقاف الأردنية وتخفيض حجم ونوع الاقتحامات في ساعات التوتر، وهو سيناريو متوقع حسب تقرير المؤسسة.
وبخصوص السيناريو الثالث فهو الإفراغ من المضمون: واعتبر تقرير المركز أن هذا السيناريو (المحتمل) هو امتداد لسيناريو الثاني، إذ يعني أن كل طرف من أطراف الاتفاق سيمضي في الدفع نحو ما يريد ميدانياً، بما فيها “جماعات المعبد” الإسرائيلية بتكرار محاولات الاقتحام وتصعيدها، يقابلها استمرار الفعل الفلسطيني الشعبي الواسع، وهذا يؤدي لإفراغ الاتفاق من مضمونه عملياً، مع بقاء أسباب التوتر قائمة.

 

الموقف الإسرائيلي

 

يعتبر قرار نصب كاميرات تصوير في المسجد الأقصى، أمر يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية، ويساعد أجهزة الاحتلال في توثيق عمليات “الإخلال بالنظام التي يقوم بها العرب”، كما أن : “الاتفاق سيمنح إسرائيل الشرعية اللازمة لمواجهة موجة العمليات في القدس والضفة وداخل إسرائيل” حسب ما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ونُقل عن ديوان رئيس وزراء الاحتلال  بنيامين نتنياهو إعلانه : “أن الاتفاق يضمن لليهود الحق بمواصلة التوجه للمسجد الأقصى، كما كانت عليه الأمور قبل اندلاع العمليات الأخيرة ضد المستوطنين”، ويؤكد  نائب وزير الخارجية الإسرائيلي تساحي هنغبي : “إن الاتفاق سيحسن من مكانة إسرائيل الدولية، وسيعرض الفلسطينيين كمسؤولين عن تبعات أية عمليات تحدث بعد توجه اليهود للأقصى، على اعتبار أن عمليات دخول اليهود للحرم تمت بموافقة عربية.”
ورغم الردود الإيجابية لحد ما من جانب الاحتلال على هذا الاتفاق، إلا أن هناك من شكك من  المعلقين الإسرائيليين في إمكانية أن يسهم الاتفاق في أن يوقف موجة العمليات الحالية، إذا اعتبر معلق الشئون العربية آفي سيخاروف  :”إن إسرائيل تدرك تماما أن الاتفاق لن يحول دون قدوم العاصفة، فالأسباب التي دفعت لموجة عمليات المقاومة الحالية أعمق من أن يتم وقفها باتفاق بين إسرائيل والأردن”.
واتفق المعلق العسكري في صحيفة “يديعوت أحرنوت” رون بن يشاي  مع سيخاروف في عدم جدوى بوقف انتفاضة القدس، وقال  عن الاتفاق : “لن يؤدي إلى هدوء فوري لموجة العنف الحالية، فموجة الطعن والدهس والزجاجات الحارقة تتغذى حالياً من الذعر والخوف الذي شوش الحياة في إسرائيل، وهي بمثابة حافز للشباب الفلسطينيين الذين يُحرَّضون عبر الشبكات الاجتماعية, وهي تتغذى أيضاً من رواية الإعدامات لمنفذي عمليات الطعن التي رسخت في أعماق الجمهور الفلسطيني, ومن التحريض الذي تقوم به حماس والجهاد الإسلامي”.

 

وأشار بن يشاي إلى أن :”الرابح الأكبر من هذه الخطوة هو “كيري” الذي يستطيع العودة إلى بلده مع إنجاز دبلوماسي، ودليل على أن الولايات المتحدة ما تزال تؤثر وتشكل عاملاً مهماً في الشرق الأوسط، كما اعتبر أن ملك الأردن هو الرابح الأساسي: “لأنه ظهر وكأنه الحكيم المسئول في الساحة الدولية، وفي نفس الوقت كحامي أساسي وحقيقي للأقصى في الساحة الإسلامية والعربية”.

 

الموقف الفلسطيني

 

استبعد الاتفاق حول المسجد الأقصى بين الملك عبد الله ورئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” الرئيس الفلسطيني محمود عباس كطرف في هذا الاتفاق.

 

لذلك بقى الفلسطينيون بين الصمت وإبداء التخوف من هذا الاتفاق، وجاء أقوى رد رسمي فلسطيني على لسان وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي الذي وصف الاتفاق بأنه “فخ إضافي”، لأنه “لا يمكن الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سيما فيما يتعلق بشأن إبقاء الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، الكاميرات ستستخدم لاعتقال الفلسطينيين بحجج التحريض”.

 

أما ردود الفعل الخاصة بمسئولي ومشايخ المسجد الأقصى، فمنها ما جاء على لسان الشيخ عكرمة صبري الذي قال: “التخوف قائم من بنود الاتفاق الهشة التي أراد كيري أن يبحث فيها عن تهدئة التوتر دون علاج أسبابه الحقيقية”، ويعقب الشيخ صبري على بند السياحة الذي ينص على “السماح لغير المسلمين بدخول المسجد الأقصى” بالتأكيد أن : “الاحتلال يريد أن يقدم الاقتحامات على أنها زيارة ليأخذ اليهود مجدهم في ممارسة الصلوات التلمودية”، ويستشهد الشيخ صبري بمنع الاحتلال لوزارة الأوقاف من تركيب الكاميرات حسب الاتفاق، ويقول: “هذا يعطي مؤشرا على النوايا الإسرائيلية بالتخطيط  للهيمنة على إدارة المسجد الأقصى”.

 

من جهته وصف الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، الدكتور حنا عيسى الاتفاق بأنه “ذر الرماد في العيون” من قبل نتنياهو، مستغربًا من :”اتفاق يشرعن دخول المستوطنين إلى المسجد الأقصى من الساعة 7:30- 11 صباحا”. وأضاف: “إسرائيل تحاول شرعنة إجراءاتها في القدس، وإنها على أرض الواقع تراقب المسجد الأقصى بالكاميرات من السماء والأرض، وأن المستوطنين يقومون بأداء الصلوات التوراتية في باحات المسجد الأقصى والجهة الغربية من حائط البراق”.

المصادر

تحميل المزيد