«إذا جاء شخص مثلي، نصف حاف، وأصبح رئيسًا، فستكون ثورة مرة أخرى»، كانت تلك الكلمات الحماسية الثورية، التي قالها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، في خطاب شهير له عام 2011، عندما كان يروي لمؤيديه ذكرياته مع الانتخابات الرئاسية لعام 2005، والتي أتت به أول رئيس من غير رجال الدين.

الرئيس الذي عصى أوامر المرشد الأعلى للثورة!

في الآونة الأخيرة، ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في جمهورية إيران الإسلامية، انتشرت العديد من الشائعات والأخبار التي تتحدث عن رغبة الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، في الترشح للانتخابات القادمة.

تولى أحمدي نجاد رئاسة إيران لمدة ثماني سنوات في الفترة من 2005 إلى 2013. في ولايته الأولى، تم الزج به لخوض الانتخابات الرئاسية قبل موعدها بأسابيع قليلة، وتخطى جميع الشخصيات الأصولية التي كانت تريد الفوز بمنصب الرئاسة.

نجح أحمدي نجاد أيضًا في الفوز بولاية ثانية، بالرغم من قيام المظاهرات ونزل مئات الآلاف من الإيرانيين احتجاجًا على فوزه، فيما يعرف باسم «الحركة الخضراء»، عام 2009، والتي كانت تعتبر واحدة من أكبر الموجات الاحتجاجية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979.

اختفى محمود أحمدي نجاد، بعد انتهاء فترة ولايته الثانية المليئة بالأحداث الصاخبة والثورية كما يُحب أن يصفها هو دائمًا، فعلى سبيل المثال، وعلى أثر اختلاف بينه وبين الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، على تعيين أحد الوزراء، غضب أحمدي نجاد، وعصى أوامر الزعيم الأعلى، واعتصم في منزله لمدة 10 أيام، تاركًا إدارة الحكومة وراءه، كانت تلك نقطة التحول الكبيرة في حياة أحمدي نجاد السياسية، فقد تحول الرجل من رئيس محبب لدى آية الله علي خامنئي، يؤيده جميع الأصوليين، إلى الرجل الثوري (كما يرى نفسه، ويراه مؤيدوه)، أو الرئيس الذي عصى أوامر قائد الثورة الأعلى، ويجب إزاحته من المشهد السياسي كما يري المعسكر الأصولي.

لكن، عاد أحمدي نجاد مرة ثانية للظهور بجانب آية الله علي خامنئي، عام 2014 في أحد المناسبات الدينية، وهو ما زاد من تكهنات أن الزعيم الأعلى قد غفر لأحمدي نجاد، كل أخطائه، وها هو يعود من جديد.

أحمدي نجاد ومحاولات العودة

بعد عام 2014، وبعد أن كان قد أعلن أنه سيتفرغ لتدريس الهندسة، ويترك الحياة السياسية؛ عاد أحمدي نجاد للظهور مرة أخرى، معارضًا ثوريًّا، يريد القضاء على الفساد، وبالأخص فساد الهيئة القضائية، التي كان يتولى رئاستها آنذاك، صادق لاريجاني، والذي كرس أحمدي نجاد سنواته الأخيرة في الرئاسة، وسنوات ما بعد الرئاسة أيضًا، لمهاجمة عائلة لاريجاني.

بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس المعتدل حسن روحاني الأولى، انتهز أحمدي نجاد، يأس الجماهير الإيرانية من تحقيق روحاني لوعوده الانتخابية، وأعلن أنه سيرشح نفسه للرئاسة مرة أخرى، الأمر الذي دفع الزعيم الأعلى، آية الله علي خامنئي، بالتحدث علانية عن هذا الأمر، ونصحه نصيحة تعني المنع، بعدم الترشح لعدم إثارة المشاكل داخل الجمهورية الإسلامية. لكن عصيان أحمدي نجاد لآية الله تكرر مرة ثانية، وأعلن عزمه على مواصلة ترشحه؛ فمنعه «مجلس صيانة الدستور» من الترشح.

البرلمان الجديد وزيادة نفوذ أنصاره

بالعودة إلى احتمالية ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، فهناك العديد من المؤشرات التي تزيد من هذا الاحتمال، بدايةً من البرلمان الإيراني الحادي عشر.

فالبرغم من أنه لا أحد يستطيع إنكار رفض المعسكر الأصولي، لأحمدي نجاد بعد عصيانه المتكرر لأوامر آية الله علي خامنئي؛ إلا أنه ما زال يتمتع بحاشية وأنصار يسيرون خلفه أينما وجد.

Embed from Getty Images

فقد فاز عدد من المقربين منه – من بينهم مسؤولون سابقون في حكومته – بحوالي 60 مقعدًا في البرلمان الجديد، بعد إن وافق مجلس صيانة الدستور علي ترشحهم في الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في فبراير (شباط) 2020.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن اثنين من المسئولين في حكومته الثانية، يشغلون الآن منصب النائب الأول والثاني لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وبعد هذا التواجد القوي لأنصاره في البرلمان، بدأت الأحاديث التي تقول إن أحمدي نجاد عازم على العودة إلى المشهد السياسي مرة ثانية، في التزايد.

يؤكد السياسي الإيراني المؤيد للإصلاح، حسين هاني زاده، في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن أحمدي نجاد سيترشح للرئاسة، فيقول «منذ اليوم الحادي عشر للبرلمان، وأنصار أحمدي نجاد في البرلمان، يتشاورون مع مجلس صيانة الدستور، حول احتمالية ترشح أحمدي نجاد مرة أخرى».

وبمرور الوقت، أصبح الأمر يتجه إلى الجدية أكثر فأكثر، وبحسب مصدر مقرب من السيد محمود أحمدي نجاد، تحدث لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «الأمر انتقل من مرحلة الوساطة بين مجلس صيانة الدستور، والسيد أحمدي نجاد، التقى أحمدي نجاد مباشرة عدة مرات بعدد من أعضاء مجلس صيانة الدستور لمناقشة أمر ترشحه للانتخابات الرئاسية».

جدير بالذكر، أن مجلس صيانة الدستور، هو هيئة يسيطر عليها المحافظون، تتكون من 12 عضوًا، نصفهم يتم تعيينهم مباشرة من قبل آية الله علي خامنئي، وهم من رجال الدين الفقهاء، والنصف الآخر يتم ترشيحهم من قبل السلطة القضائية ويوافق عليهم البرلمان، وتشرف تلك الهيئة على أغلب الانتخابات الإيرانية، وهي من يحق لها قبول أو رفض أوراق أي مرشح، بجانب ضرورة موافقتها على القوانين التي يسنها البرلمان الإيراني.

غضب في المعسكر الأصولي

بعد إقصاء مجلس صيانة الدستور آلاف من مرشحي المعسكر الإصلاحي، لخوض الانتخابات البرلمانية، وسيطرة الأصوليين على البرلمان الحادي عشر، اتجهت أنظار المعسكر الأصولي إلى منصب رئيس الجمهورية، وبالرغم من الشتات والمشاكل الداخلية داخل المعسكر، إلا أنهم يجاهدون من أجل التوصل إلى مرشح رئاسي، لكن، الحديث عن عودة أحمدي نجاد، وتفاوضه مع مجلس صيانة الدستور؛ أثار القلق داخل نفوس الأطياف السياسية الإيرانية، وبالأخص الأصوليين.

يقول حسين مقدم، السياسي الأصولي، لـ«ساسة بوست»: «يعاني الأصوليون من الكثير من المشكلات، وبعد أن أصبح قاليباف رئيسًا للبرلمان، ويبدو أنه لا يريد التخلي عن منصبه الحالي للترشح للرئاسة، وتواجد إبراهيم رئيسي رئيسًا للسلطة القضائية، ولا نية له لخوض الانتخابات الرئاسية، وزاد ظهور أحمدي نجاد هذه التوترات».

يبرر حسين مقدم سبب ارتباك وقلق المعسكر الأصولي، من احتمالية ترشيح أحمدي نجاد نفسه في الانتخابات القادمة، بأن الرجل ما زال يتمتع بشعبية كبيرة في الأوساط الفقيرة، «لا يمكن إنكار هذا الأمر، انظروا إلى رحلاته في المحافظات الريفية والفقيرة، وانظروا إلى الحشود من حوله، الأمر يثير القلق بالفعل».

لا مكان لشخص عصى مرشد الثورة

يرى البعض داخل إيران، أنه إذا كان أنصار أحمدي نجاد، قد استطاعوا الفوز في الانتخابات البرلمانية، والحصول على عدد كبير من المناصب الهامة داخل البرلمان، بجانب الستين مقعدًا، وموافقة مجلس صيانة الدستور على التشاور معهم بخصوص أمر عودة أحمدي نجاد مرة أخرى؛ فإن احتمالية ترشح أحمدي نجاد للرئاسة، أعلى بكثير من عدمها.

إيران، المرشد الأعلى، على خامنئي

وهذا ما يؤكده المحلل السياسي حسن بويانفر، المؤيد للإصلاح، في حديثه مع «ساسة بوست»، فيقول: «إنه وقت أحمدي نجاد المناسب، الإصلاحيون ضائعون، والأصوليون ما زالوا في رحلة البحث عن مرشح قوي، بينما الاتجاه العام للسياسة الداخلية الإيرانية يميل إلى منهج وأسلوب أحمدي نجاد».

في الجهة المقابلة، يرفض النائب البرلماني الأصولي، يعقوب رضا زاده، هذا الأمر تمامًا، ويرى أنه لا مكان لأحمدي نجاد في الحياة السياسية بعد أن أعلن عصيانه للزعيم الأعلى عدة مرات، يقول رضا زاده لـ«ساسة بوست»: «عندما قرر أحمدي نجاد رفض نصيحة المرشد بعدم الترشح عام 2017، وصفه أحمد جنتي (رئيس مجلس صيانة الدستور) بأنه يثير الفتنة في البلاد، فكيف لرجل يعصي أوامر قائد الثورة ويثير الفتن، أن يصبح رئيسًا مرة أخرى».

أحمدي نجاد و«وهم الثورة المتجددة»

في السنوات القليلة الماضية، دأب أحمدي نجاد على الظهور والسفر إلى كافة المقاطعات الإيرانية، وإلقاء الخطابات الحماسية والانتقادات العلانية للحكومة في أكثر من موضع. كان آخر تلك الانتقادات، التي وجهها إلى الحكومة، بخصوص الاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران، والتي ستستمر لمدة 25 عامًا، إذ كان هو أول من فجر تلك القضية في إيران، بعد أن كانت شبه سرية إلى وقت طويل.

لكن على جانب آخر، يحاول أحمدي نجاد منذ عام 2017، تصوير نفسه بشكل مختلف؛ في دور الثائر المناهض للظلم والفقر والفساد، دور أشبه بدور آية الله روح الله الخميني في بداية الثورة الإيرانية.

في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، وقبيل اندلاع الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية السيئة في البلاد؛ كان أحمدي نجاد، يلقي واحدًا من خطاباته الثورية في مدينة بوشهر. بدا الخطاب كالعادة بانتقاد السلطة القضائية، وانتهى الأمر إلى ما فسره البعض وقتها أنه انتقاد ضمني للمرشد الأعلى الإيراني، عندما قال: «لا يمكن أن تجد حتى زعيمًا إلهيًّا وشعبيًّا يظل ظل صامتًا في مواجهة فقر غالبية الناس ونهب وسرقة قلة من الناس، ولا تقوم ضده ثورة».

لكن، لاحقًا وبعد أن زاد الحديث عن أن المقصود من كلامه هو آية الله علي خامنئي؛ فسر بعض أنصاره، أن الحديث كان موجهًا إلى الرئيس الحالي حسن روحاني. لكن أحمدي نجاد يحب دائمًا، أن يعتقد كلا الجانبين أن زعيمهم هو المقصود بالانتقادات، ولا يمكن إنكار فطنته في اختيار الكلمات والأوقات التي يتحدث فيها.

بعد أن تم القضاء على حلمه بالترشح للرئاسة مرة أخرى عام 2017؛ اختار أحمدي نجاد أن «يعيش وهم» أنه قائد الثورة الجديدة، وذلك من منطلق إيمانه بأن الثورة حالة مستمرة ومتجددة، لا يمكن وقفها أبدًا.

لكن «وهم الثورة المتجددة» لا يمنع حقيقة أن أحمدي نجاد ما زال بالفعل ثوريًا، ومؤمنًا بمبادئ الثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني قبل ما يقرب من 40 عامًا. 

أحمدي نجاد، في ضريح فاطمة المعصومة:

ويمكن القول بأنه وبعد اندلاع الاحتجاجات في نهاية عام 2017، وخاصة بعد إلقائه خطابه في مدينة بوشهر، الذي انتقد فيه كل النخبة السياسية الإيرانية؛ أصبح أحمدي نجاد يأمل في دور القيادة الثورية أكثر وأكثر. فشعاراته المناهضة للفساد والمحسوبية، والتي لم يجدها غالبية الناس عند التيار الإصلاحي أو الأصولي، تجعله يستطيع الوصول بسهولة إلى قلوب وعقول الفقراء والمحرومين في كافة أنحاء الجمهورية.

لكن في الوقت نفسه؛ لا يمكن نسيان، أن طوال ثماني سنوات من حكمه، كان هناك أيضًا فساد وظلم وفقر، وعاني الإيرانيون في عهده من قمع كبير للحريات المدنية والسياسية.

وعلى ما يبدو أن أحمدي نجاد لا يريد الاكتفاء فقط بالأحلام الثورية، ويريد العودة مرة أخرى إلى منصب الرئاسة، وهذا ما يؤكده مصدر مقرب منه، يقول في حديثه لـ«ساسة بوست»: «يرى السيد أحمدي نجاد، أنه قادر على إدارة البلاد في تلك المرحلة الحساسة والخطيرة، ولا يرى أي مانع يمنعه من الترشح للرئاسة».

ما زال أحمدي نجاد – ومعه أنصاره – يجوب البلاد شرقًا وغربًا، يلقي الخطب، وينتقد إدارة حسن روحاني، يناهض الفساد والظلم، على أمل أن تقف تلك الجماهير خلفه، ويطالبون به رئيسًا، في حال رفض مجلس صيانة الدستور ترشحه للرئاسة، فهل يصبح نجاد رئيسًا مرة ثالثة؟

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
احتضار بدأ مع أحمدي نجاد.. هل نشهد وفاة الحركة الإصلاحية في إيران؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد