تم التحديث بتاريخ 6- فبراير- 2020.

«لن نسمح باستمرار الوضع كما هو عليه في المكان الذي سفكت فيه دماء جنودنا» هذا ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته أمس الأربعاء، بعد مقتل سبعة جنود أتراك وموظف مدني، من جراء قصف قوات النظام السوري لنقطة تمركز للقوات التركية في محيط مدينة سراقب بريف إدلب الجنوبي، والتي أثارت غضب الساسة والعسكريين الأتراك بشكل كبير، وربما يكون لها ما بعدها.

مقتل الجنود الأتراك لم يمر بسلام؛ إذ استهدفت نقاط المراقبة التركية الاثنتا عشرة المنتشرة في إدلب وحلب، مقرات قوات النظام السوري بعشرات القذائف والصواريخ، في محيط نبل والزهراء شمال غرب حلب، وجب رملة وصلبا وسلحب بريف حماة الغربي، وأيضًا على منطقتي جبل الأكراد والتركمان بريف اللاذقية، بالإضافة لقيام القوات التركية الموجودة بمنطقة نبع السلام بقصف مواقع قوات النظام في قرية الخالدية واللواء (93) بريف الرقة، وقال أردوغان إن عدد قتلى النظام من جراء الضربات التركية تجاوز 76 قتيلًا، بينما نفى الأخير سقوط أي قتلى أو إصابات في صفوف قواته، في حين أكدت تقارير لمراصد محلية سقوط قتلى قُدر عددهم بـ13 قتيلًا فقط، وعدد من الجرحى بينهم حالات خطيرة.

لكن اليوم الخميس وفي أثناء كتابة الكلمات الأخيرة في هذا التقرير وقع ما هو غير متوقع، وتطورت الأحداث بشكل لافت في البلاد، وهو ما سنفرد له الفقرة الأخيرة من التقرير.

تصريحات قوية لأردوغان.. هل لها ما بعدها؟

تصريحات أردوغان يوم أمس كانت تصادمية بشكل واضح حين قال إن النظام السوري لا يحرك ساكنًا بدون علم الضامنين ويقصد بهم (روسيا وايران)، وفي كلامه هذا يقصد أن مقتل جنوده لم يكن إلا بتوجيهات من هاتين الدولتين الداعمتين للأسد، إذ اعتبر أن الهجوم على جنوده في إدلب نقطة تحول بالنسبة لتركيا في سوريا، وهذه التصريحات لأردوغان تعد الأولى بهذه القوة بخصوص الوضع السوري، ما يعبر عن الغضب التركي الواضح بعد مقتل جنودها، فهل فعلًا سيكون هناك تصعيد عسكري تركي أكبر من الرد الصاروخي؟

دولي

منذ شهرين
«إم 4» و«إم 5».. سر الطريقين اللذين نفذت روسيا 5 مذابح الشهر الماضي لأجلهما

أردوغان أضاف في تصريحاته أمرًا مهمًّا موجهًا كلامه لروسيا وإيران حين قال «إن كان من غير الممكن ضمان أمن جنودنا في إدلب، فلا يمكن لأحد الاعتراض على استخدام حقنا في القيام بذلك بأنفسنا، وعند تعرض جنودنا أو حلفائنا لأي هجوم، فإننا سنرد مباشرة ودون سابق إنذار، وبغض النظر عن الطرف المنفذ للهجوم»، هذا التصريح هو تهديد مباشر للنظام السوري، ولكنه في الوقت نفسه تهديد مبطن لروسيا، ما يطرح سؤالًا آخر هو: هل تستطيع تركيا فعلًا مواجهة روسيا في إدلب؟

الغضب التركي من تقدم قوات النظام السوري في إدلب تُرجم في تصريحات لأردوغان حين قال «لم يعد هناك شيء اسمه مسار أستانا بشأن سوريا»، وذلك في إشارة منه إلى موت هذه الاتفاقيات التي كان من مخرجاتها ما عرف باسم «مناطق خفض التصعيد»، والتي كان من المفترض إعلان موتها في الحقيقة، عندما سيطر النظام على محافظات ريف دمشق، وحمص، وحماة، ودرعا، والقنيطرة، أما وبعد أن أصبحت غالبية سوريا تحت سيطرة النظام بفضل الدعم الروسي العسكري، ولم يتبق من هذه المناطق سوى إدلب، فإن الإعلان التركي عن وفاة هذا المسار متأخر جدًّا.

كما أن روسيا داست على جميع الاتفاقيات والهدن الخاصة بسوريا، ولم تلتزم بأي منها، وكان آخرها اتفاقية سوتشي الخاصة بإدلب، حيث واصلت عملياتها العسكرية دون توقف، والمفارقة أنه حين فشلت تركيا في تنفيذ الجزء المنوط بها، خاصة بما يتعلق بفتح الطرق الدولية «إم 4 وإم 5» وأيضًا مصير «هيئة تحرير الشام» المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، أعلن وزير خارجية النظام السوري «وليد المعلم» على الفور وفاة هذه الاتفاقية، واعتبر أن الحل العسكري هو البديل عنها، بينما دعا وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أنقرة لتنفيذ الاتفاقية بشكل صارم، ومن ثم كانت المفارقة أن من يدعو تركيا للالتزام بتعهداتها هو الآخر لم يكن قد نفذ تعهداته، ما كشف عن وصول الاتفاقيات عمومًا إلى طريق مسدود.

ماذا تريد تركيا؟

بات من الواضح أن الأوراق التي يحملها الجانب التركي في مفاوضاته مع الجانب الروسي ضعيفة، الأمر الذي جعل الأخير يفرض رأيه بالقوة العسكرية، فيما تحاول أنقرة البحث عن أوراق ضاغطة تستطيع من خلالها ثني موسكو والنظام السوري عن سعيهم للسيطرة على ما تبقى من إدلب، خاصة مع دخول أرتال عسكرية تركية عديدة، وانتشارها في نقاط جديدة، والتي أتت بعد تهديدات أردوغان بالتدخل العسكري في إدلب.

يشير ناشطون سوريون لـ«ساسة بوست» إلى أن الجيش التركي خلال الحملة العسكرية الحالية على إدلب أرسل أكثر من 10 أرتال، كل رتل منها يحوي ما لا يقل عن 40 عربة فيها دبابات ومدرعات وراجمات صواريخ، وأيضًا كابينات حراسة ضد الرصاص، عدا عن المدافع والأسلحة الرشاشة، وجرى نشرها في نقاط المراقبة التركية، واستحداث نقاط جديدة تقع غالبها على الطرق الدولية، من بينها أربعة نقاط حديثة في محيط مدينة سراقب، في تطور لافت وربما سباق مع الزمن لكسب المزيد من الأوراق التفاوضية في وقت لاحق، وذلك في الوقت الذي تتقدم فيه قوات الأسد وروسيا بشكل سريع في ظل الغارات الجوية المكثفة التي أحرقت الأرض ومهدت الطريق أمام القوات البرية للتقدم والسيطرة.

أردوغان في تصريحاته يوم أمس طالب النظام السوري بضرورة الانسحاب من المنطقة القريبة من نقاط المراقبة التركية، وهددها في حال لم تنفذ طلبه بإجبارها على ذلك، وأعطى مهلة للنظام حتى نهاية الشهر الحالي فبراير (شباط) لتنفيذه، ولم يتوقف أردوغان عند هذا الطلب بل قال إنه أبلغ نظيره الروسي بأن تركيا ستقوم باللازم في حال لم تنسحب قوات النظام من المناطق المحددة باتفاق سوتشي، مؤكدًا أن تركيا لن تسمح للنظام بالسيطرة على إدلب.

ناشط سوري رفض الكشف عن اسمه أثار نقطة مهمة في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن الحديث التركي يتمحور فقط حول عدم الموافقة على وجود قوات النظام السوري في المنطقة المحددة باتفاق سوتشي، بينما لم تشر بأي إشارة إلى وجود القوات الروسية ولا حتى عودة المعارضة السورية لهذه المناطق، ما يعني أن أنقرة تسعى على ما يبدو إلى أن تكون هذه المنطقة التي تدور فيها العمليات العسكرية الحالية تابعة لنفوذ مشترك بين روسيا وتركيا وإخراج قوات النظام السوري منها، ما يسمح في وقت لاحق بعودة النازحين إلى منازلهم.

هل فعلًا هذا ما تسعى إليه تركيا وهل تستطيع تنفيذه؟ وهل بقاء نقاط المراقبة التركية في مكانها واستحداث نقاط أخرى يُعد ورقة ضغط في هذا الاتجاه؟ الحقيقة أنه ما يزال من المبكر الحكم على هذه الفرضية، خاصة وأنه أثناء كتابة هذا التقرير وبعد تهديد أردوغان، ما تزال قوات النظام تتقدم بشكل سريع وسيطرت على العديد من المناطق، حيث أصبحت جميع نقاط المراقبة التركية جنوب إدلب واقعة ضمن مناطق سيطرة النظام السوري.

هل تجازف تركيا بنشوب حرب مع روسيا في سوريا؟

شهدت العلاقات التركية الروسية تذبذبًا كبيرًا منذ بداية الثورة السورية عام 2011، بسبب الدعم الروسي للنظام السوري من خلال الفيتو في مجلس الأمن، ومن ثم التدخل العسكري المباشر، وأيضًا ضم روسيا لجزيرة القرم الأوكرانية، وشهدت العلاقات بين البلدين أسوأ أيامها بعد إسقاط الدفاعات الجوية التركية لطائرة حربية روسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ما شكل منعطفًا خطيرًا رأى البعض أنها بداية لحرب بين «السلطان والقيصر».

 ولكن العلاقات سرعان ما عادت إلى سابق عهدها وارتفعت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، تلا ذلك توقيع الدولتين للعديد من الاتفاقيات التجارية، خاصًة أن تركيا تعتمد على روسيا في مجال الطاقة والنفط والغاز، ويزيد حجم التبادل التجاري بين البلدين لأكثر من 25 مليار دولار.

أردوغان الذي يمتاز بمرونته السياسية، خاصة مع العلاقات الخارجية، لن يجازف على الأرجح بأي حرب مدمرة مع روسيا، فهو أكد في تصريح أنه يولي أهمية كبيرة للعلاقات مع البلدين، ولديهم مبادرات استراتيجية جادة للغاية مثل (أنظمة الدفاع الصاروخي إس 400، وخط أنابيب الغاز «السيل التركي»)،  وشدد أردوغان أنه «لا ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا في الوقت الحالي، وأن على تركيا وروسيا حل خلافاتهما بشأن الصراع في إدلب السورية دون غضب».

 إذًا فخيار الحرب يبدو أنه مستبعد حاليًا، وذلك في ظل السماح للأرتال التركية بالدخول وإبقاء نقاط المراقبة مكانها، وغيرها من الإشارات الروسية التي أتت عقب الرد التركي على مقتل جنودها واستهداف مواقع للنظام السوري، حيث اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف هذه الأحداث محزنة للغاية.

يرى محللون أتراك أن صناع القرار في أنقرة، يريدون إظهار الدور الحيوي لتركيا في سوريا، وبالتالي الحفاظ على موقف قوي في المعادلة السورية، من خلال نقاط المراقبة التي باتت تلعب دورًا عسكريًّا في مواجهة النظام السوري، وممارسة النفوذ العسكري في ظل التطورات المتلاحقة في الشمال السوري.

وأشار المحللون إلى أنه وعقب اجتماع مجلس الأمن القومي التركي قبل أيام، تزايدت التعزيزات العسكرية التركية الضخمة إلى شمال سوريا، حيث جرى إنشاء «نقاط تفتيش» في محيط مدينة سراقب بريف إدلب، معتبرين أن الوجود العسكري التركي هناك سيكون أكثر الموضوعات حساسية في الفترة المقبلة، وشدد المحللون على أن تركيا أمامها حجم كبير من التهديدات التي تحدق بها في إدلب، خاصة مع نزوح مئات الآلاف إلى حدودها الجنوبية، والتخوف مما بعد إدلب، حيث يُعتقد أن هناك انطباعًا لدى أنقرة بأن إدلب إذا وقعت في يد النظام السوري، فسيضع نصب عينيه السيطرة على مناطق «درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام»، وهذا ما ترفضه أنقرة بشكل قاطع.

ومن الآن وحتى نهاية الشهر الحالي وهي المهلة التي حددها أردوغان لانسحاب النظام السوري بعيدًا عن نقاط المراقبة التركية، ستشهد إدلب تصعيدًا عسكريًّا هائلًا للسباق مع الزمن في محاولة لفرض أمر واقع حسبما يرى ناشطون، وستكون خريطة السيطرة في نهاية هذا الشهر مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن، فماذا سيفعل أردوغان بتهديداته وكيف سينفذها في ذلك الوقت.

والنقطة الأهم من كل هذا أن التعزيزات العسكرية التركية والأرتال الكبيرة والمستمرة في الدخول إلى إدلب ونصب منظومة صواريخ «حصار إيه» على الحدود السورية، ليست للاستعراض على الأرجح ولا إبراز العضلات، وربما لها مهمة غير معروفة بعد، ويبدو أن النظام لا يوافق عليها، فهل نحن أمام احتمالية حرب شاملة تجبر الأسد على الانسحاب؟ هذا ما سيكشفه شهر مارس (آذار) القادم.

أردوغان يفتح النار.. تعرف إلى آخر التطورات على الأرض الآن

المعلومات القادمة من جبهات القتال ظهر اليوم الخميس، تحدثت عن تجمع لفصائل المعارضة على جبهات القتال في ريف إدلب الشرقي، حيث شنت هجومًا معاكسًا وقويًّا بدأته بهجوم بعربة مفخخة استهدفت مواقع قوات النظام في بلدة النيرب، تلاها قصف مدفعي وصاروخي عنيف للغاية، تمكنت خلاله الفصائل من استعادة السيطرة على بعض النقاط وتدمير دبابة وعربة «بي إم بي»، وقتل وجرح العديد من العناصر، واللافت هنا أن المدفعية التركية الموجودة في نقاط المراقبة شاركت ولأول مرة بالتمهيد المدفعي الذي ساهم في تقدم الفصائل في المنطقة، فهل نحن أمام تحول وانعطاف في المعارك التي ستشهدها المنطقة في الأيام القادمة؟

لو وضعوا مقياس ريختر في إدلب رح يسكر العداد

Geplaatst door Majed Abd Alnoor op Donderdag 6 februari 2020

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد