شهد العالم العربي في عام 2011، اندلاع ثورات نجحت في زعزعة أركان الأنظمة السياسية؛ وذلك بعد أن نزل ملايين المواطنين ليطالبوا برحيل الأنظمة، ونجحوا بالفعل في إسقاط رؤساء عدة دول مثل تونس ومصر.

على وقع هذا السياق الملتهب، وصلت «رياح الربيع» إلى المملكة المغربية، وأعلن مجموعة من النشطاء الشباب عزمهم على احتلال الشوارع والخروج إلى التظاهر في يوم 20 فبراير (شباط) من السنة ذاتها؛ وسرعان ما تحَوَّلت هذه الدعوات إلى حركة حقيقية على أرض الواقع، ثم تحولت إلى موجة شعبية معارِضة واسعة هي الأكبر في تاريخ البلاد الحديث، مطالبة بشكل رئيسي بإجراء تغييرات عميقة في النظام الملكي، حيث يلعب الملك الدور السياسي والاقتصادي الرئيسي في البلاد.

Embed from Getty Images

مظاهرات 20 فبراير

وقد تلخَّصت مطالب الحركة آنذاك في الدعوة إلى الملكية البرلمانية، وإقالة الحكومة، وحل البرلمان، وأن يكتب مجلس تأسيسي دستورًا جديدًا، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ومحاكمة مسؤولين سياسيين واقتصاديين وأمنيين قريبين من القصر؛ بالإضافة إلى الفصل بين السلطة والثروة.

وعلى عكس الأنظمة العربية المجاورة التي تعاملت مع احتجاجات الربيع العربي بالقمع والعنف الذي أدى إلى سقوط المئات من الضحايا في كل من تونس ومصر وغيرهما؛ أدرك النظام المغربي خطورة هذه المقاربة الأمنية وتعلَّم الدرس من التجارب الأخرى؛ فانتهج إستراتيجية مغايرة تمامًا تجاه هذا الحراك السياسي، وسعى إلى إنهائه وتقويضه بأساليب ناعمة بعيدة عن العنف والقمع المباشر.

وبعد 10 سنوات من هذه الاحتجاجات التي هزَّت أركان الدولة والمجتمع يومًا ما، يمكن القول إن مساعي النظام في إجهاض الحركة قد نجحت إلى حدٍّ كبير، إذ لا أثر لهذه الحركة في الشارع؛ كما يُجادل مُراقبون بأن المكاسب السياسية والحقوقية التي نالها المجتمع بعد 20 فبراير قد جرى التراجع عنها إلى حدٍّ كبير، ولعلّ أهم مؤاشراتها، عودة ظاهرة الاعتقال السياسي وسجناء الرأي والتضييق الإعلامي إلى المشهد. 

على جانب آخر، وليس ببعيد من المغرب، وتحديدًا على حدوده الشرقية، انطلقت احتجاجات شعبية جرائرية في 22 فبراير 2019 ضد ترشُّح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، وسرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم لتشمل كل محافظات الجزائر وتتحوَّل إلى ثورة شعبية، لا تزال احتجاجاتها حاضرة في المشهد رغم استقالة بوتفليقة.

بين 20 فبراير المغربية و22 فبراير الجزائرية، يومان في العنوان وحوالي عقد في المسافة الزمنيَّة، لكن التقاطعات بين الحركتيْن، بالخصوص من ناحية تعامل النظامين السياسيين الجزائري والمغربي معهما، بتجنُّب المقاربة الأمنية العنيفة المباشرة، لا يمكن إغفالها. فهل استفاد النظام الجزائري من التجربة المغربية في التعامل مع حركة 20 فبراير من أجل القضاء على حراك 22 فبراير؟

20 فبراير المغربية.. صعود تاريخي واختفاء محيِّر

عند العودة 10 سنوات إلى الوراء لدراسة حركة 20 فبراير 2011 وأسباب صعودها الصاروخي ثم تلاشيها المفاجئ، أشارت ورقة بحثية لمحمد كولفرني، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع السياسي في جامعة ابن زهر بالمغرب، إلى أن استباق القصر الملكي لمطالب هذه الحركة التي رفعت سقف طموحها إلى «الملكية البرلمانية» على الطريقة الأوروبية؛ دفعها إلى التحوُّل إلى مجرَّد دينامكية إصلاحية. 

اتخذ النظام المغربي الاصلاح الدستوري إستراتيجيةً دفاعية، سحب من خلالها البساط من تحت أقدام الحركة عبر إعطاء مشروع التعديل الدستوري الذي أعلن عنه الملك في خطابه الشهير في التاسع من مارس (آذار) 2011 طابعًا شرعيًّا، وإحالته على الاستفتاء الشعبي.  

وعرف تركيب الحركة تنوُّعًا شديدًا، ليس من ناحية الأيديولوجيا فقط، لكن من حيث التركيبة الاجتماعية أيضًا، فقد عملت الحركة على تسويق نفسها بأنها حركة شبابيَّة دون انتماءات سياسية، وتعتمد بشكل رئيسي على وسائل التواصل الحديثة.

وعليه، يمكن اعتبار موجة 20 فبراير، موجة فريدة من نوعها في تاريخ المغرب من حيث المطالب والوسائل؛ إلا أن الورقة تؤكد الطابع التراكمي والرصيد النضالي السابق الذي فرض نفسه داخل الحركة، فقد جمعت بين ثناياها فاعلين جُددًا وآخرين لهم باع في النضال، من خلال ناشطين سابقين وأبنائهم، بالإضافة إلى منتمين إلى أحزاب قريبة من السلطة وأخرى معارضة ومنظمات محظورة.

وتؤكد الورقة البحثية التنوع الأيديولوجي الذي عرفته الحركة؛ إذ ضمَّت ناشطين من الحركات اليسارية بمختلف تنوُّعاتها وحركات طلَّابية والناشطين في القضية الأمازيغية، وآخرين من أبناء الحركة الإسلامية ممثلة بشكل واسع في تنظيم «العدل والإحسان» غير المعتمد، بالإضافة إلى مناضلين من «العدالة والتنمية».

وبذلك ترى الورقة أن نقطة قوَّة الحركة هو نجاحها في إذابة الخلافات الأيديولوجية وتجاوزها بين الفرقاء داخل هذا الحراك، واتسام الحركة ببعض المميِّزات وهي «تقديم الشباب غير المسيَّس إلى الواجهة، وغياب الزعامات والمركزية والتراتبية التنظيمية، والتلقائية والتجديد»، وهو ما يتقاطع بشكل كبير مع الحراك الجزائري الذي انطلق في 22 فبراير 2019. 

إستراتيجية القصر الملكي في سحب البساط عن حركة 20 فبراير من خلال خطاب التاسع من مارس (آذار)، والذي أعلن فيه عن إصلاح دستوري؛ كان أبرز ملامحه إعطاء صلاحيات أوسع للوزير الأول الذي يعيِّنه الملك من الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية، وكان الهدف منها تسويق فكرة أن القصر قد استجاب لجميع مطالب الحركة، وأنه لا حاجة بعد الآن للاحتجاج في الشارع.

لكن الحركة من جهتها حاولت تأكيد أن مطالبها ليست مجرد إصلاحات شكلية في النظام السياسي، بل تهدف إلى الانتقال إلى ملكية برلمانية، واسترجاع سلطة التأسيس من طرف الشعب بدلًا من الملك، وذلك تأثُّرًا بسياق الربيع العربي حينها، الذي شهد نجاح ثورتي تونس ومصر في إسقاط رئيس الدولة.

شعرة محمد السادس.. كيف تعامل النظام المغربي مع حركة 20 فبراير؟ 

تلخَّصت إستراتيجية النظام المغربي في التعامل مع حركة 20 فبراير على محاور رئيسية، أبرزها احتضان الحراك وتبنِّي مطالبه شكليًّا وإعلان الاستجابة له فورًا، وذلك من أجل سحب البساط عنها من خلال تحريف توجُّهه الثوري إلى مجرَّد إصلاحات محدودة في شكل النظام.

ولتجاوز مرحلة الربيع العربي التي عصفت بأنظمة المنطقة، عبر مشروع التعديل الدستوري، ثم الاستفتاء عليه وإكسابه شرعية شعبية، وحتى الاستجابة الفورية لبعض مطالب الحركة، مثل حلِّ حكومة علَّال الفاسي المغضوبة عليها شعبيًّا، وحلِّ البرلمان، والاتجاه إلى انتخابات برلمانية فاز فيها إسلاميو «العدالة والتنمية»، ووصول أوَّل رئيس وزراء من التيار الإسلامي ممثَّلًا في عبد الإله بن كيران.

Embed from Getty Images

متظاهر من حركة 20 فبراير

هذا الاحتضان لم يكن على مستوى المطالب فقط، بل طال حتى الأشخاص؛ إذ عمل النظام بالموازاة مع مشروع التعديل الدستوري في القضاء على أي محاولة لبروز شخصيات أو أيقونات شبابية جديدة لحراك 20 فبراير، وذلك من خلال الترغيب تارة بالمناصب والامتيازات، وتارة أخرى بالترهيب والقمع؛ وهو ما أدى بالشارع إلى فقدان الثقة في وجوه الحراك بعد استجابة بعضهم لهذه الإغراءات. 

كما عمل النظام على إستراتيجية المظاهرات المضادَّة، بإرسال «البلطجية» للتشويش على مسيرات الحركة وإشعال حروب شوارع عبر الاعتداء على المتظاهرين بالعصيِّ والأسلحة البيضاء، وقد سقط بسبب هذه الاعتداءات ضحايا من الحركة. 

وبسبب وجود المكوِّن الإسلامي داخل الحركة، ممثَّلًا في حركة «العدل والإحسان» الصوفية، ونتيجةً لحساسية دور الدين في شرعية السلطة بالمغرب، كون الملك يُعد رسميًّا «أمير المؤمنين» بنص الدستور الذي يقول في مادته 41: «الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين»؛ عمل النظام على تجنيد الزوايا الصوفية التابعة له وإخراجها إلى الشارع.

بالإضافة إلى تجنيد الأحزاب والجمعيات التابعة للنظام من أجل صناعة مشهد «مجتمع مدني» مُضاد، رافض لحركة 20 فبراير وكسر مشهد إجماع الشارع حول الحركة.

الإستراتيجية الأخرى التي عوَّل عليها النظام، تمثَّلت في الخلافات الأيديولوجية وتفجير الحراك من الداخل، وهو الذي كانت له أسباب موضوعية لا علاقة لأجهزة النظام بها، متمثِّلة في الصراعات والخلافات القديمة بين التيارات السياسية كإسلاميي حركة «العدل والإحسان» والحركات اليسارية، والخلاف العميق في تصوُّرهم لشكل الدولة المنشودة؛ بالإضافة إلى اختراقات وتأثيرات الأجهزة الأمنية لإذكاء هذه الخلافات والنفخ فيها.

يقول أحد ناشطي حركة 20 فبراير الذي كان قريبًا منها في حديثه لـ«ساسة بوست»: «إن هنالك بعض المدسوسين داخلها يرفعون مطلب «الجمهورية» وإسقاط الملكية، لكنهم اكتشفوا فيما بعد أنها كانت حيلة من أجل تقسيم الحراك وضربه من الداخل برفع سقف المطالب لدرجة غير عقلانية ولا تلقى إجماعًا داخل الشارع».

الضربة القويَّة التي تلقَّتها الحركة، بالإضافة إلى مشكلاتها التنظيمية التي لا تنتهي نتيجة الفسيفساء الأيديولوجية الواسعة المكوِّنة لها، كانت انسحاب حركة «العدل والإحسان» الإسلامية، مباشرة بعد فوز «العدالة والتنمية» بالانتخابات؛ وذلك بحجَّة الخلاف مع الأطراف العلمانية داخل الحراك!

لكن البعض يرى أن السبب الحقيقي كان تعويل الحركة الاسلامية على نجاح «العدالة والتنمية» في صناعة التغيير من داخل المنظومة؛ فبينما أعلنت «العدل والإحسان» مقاطعة الانتخابات البرلمانية في 2011؛ يرى محدِّثنا الناشط في حراك 20 فبراير والذي طلب عدم ذكر اسمه، أن قاعدة «العدل والإحسان» الشعبية ساعدت حزب «العدالة والتنمية» في الحصول على الأغلبية البرلمانية.

Embed from Getty Images

متظاهر من حركة 20 فبراير

وقد شكَّلت هذه الإستراتيجية المغربية في التعامل مع الحراك المغربي سابقةً في المنطقة، ففي حين لجأت أغلب الأنظمة العربية إلى التعامل مع الاحتجاجات والحراك السياسي التي شهدتها سنة 2011 بالقوة والقمع، وأدَّى ذلك إلى سقوط قتلى بالمئات في كل من تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، ممَّا أزَّم الأوضاع في هذه البلدان أكثر فأكثر؛ نجح النظام المغربي في كسر حراك 20 فبراير دون استعمال العنف نسبيًّا، وخرج من مأزق الربيع العربي مثل الشعرة من العجين، إذا صح القول.

بل أصبحت «التجربة المغربية» علامة مسجَّلة عند الكثير من المتابعين والباحثين السياسيين، بوصفها حالة إصلاحية نادرة بادرت بها السلطة بعد ضغط الشارع، وأنقذتها من «إعصار» الربيع العربي بأقل الأضرار.

لكن الكثير من الناشطين داخل المغرب لا يقتسمون النظرة الإيجابية نفسها تجاه تعامل النظام المغربي مع حراك 20 فبراير؛ بل يرون أن السلطة التفَّت على مطالب الشارع ونجحت في كسب الوقت من أجل تجاوز سياق الربيع العربي الملتهب؛ لتنقلب فعليًّا على وعود الإصلاح، وتستعمل الإسلاميين «مُضادًا للصدمات» في وجه الشارع، ثم تستغلَّ وجودهم في السلطة لتمرير القرارات والقوانين التي لا تحظى بالشعبية، والتي لم تكن السلطة قادرة على تمريرها قبل 2011. 

Embed from Getty Images

الوزير الأول عبد الإله بن كيران والملك محمد السادس

يذكرُ الناشط في حركة 20 فبراير، في حديثه مع «ساسة بوست» على سبيل المثال، قوانين مثل التقاعد النسبي، أو تقنين زراعة القنب الهندي (الكيف)، أو التطبيع مع إسرائيل، بوصفها أمثلة لقوانين كانت السلطة عاجزة عن تمريرها قبل حكومة الإسلاميين، خوفًا من الغضب الشعبي.

بالإضافة إلى رفض «العدالة والتنمية» المصادقة على قوانين كان من شأنها تقليص هيمنة «المخزن» على السلطة وتوسيع الديمقراطية، من بينها وضعية الوُلاة (المحافظين) الذين يعيِّنهم الملك في المحافظات، والذين يملكون أغلب صلاحيات الحكم، عكس رؤساء البلديات المنتخبين. 

لكن مُحدِّثنا يشير إلى نجاح حراك 20 فبراير في إجهاض مشروع «حزب الأصالة والمعاصرة» التابع للقصر الملكي، والذي كان يُخطط له أن يكون مشروع «الحزب الواحد» الشبيه بأحزاب البعث أو الحزب الوطني في عهد حسني مبارك، حيث يهيمن بشكل كامل على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، بدعم وتمويل من القصر. 

بين الثكنة والقصر.. تشابهات النظامين الجزائري والمغربي أوسع مما يبدو

لكن كيف يمكن المقارنة بين نظاميْن سياسيَّين شديدا التباين؛ إذ يسود المغربَ نظام ملكي، يلعب فيه الملك الدور شبه الحصري في صناعة القرار ويحظى بصلاحيات مُطلقة عمليًّا بوصفه رئيس الدولة بحكم الدستور، وحتى بمكانة دينية استثنائية حدَّ التقديس بسبب صفته «أميرًا للمؤمنين». بينما يعدُّ النظام الجزائري جمهورية يُختار رئيسه بالانتخاب، ويحظى بصلاحيات واسعة بحُكم الدستور على الأقل نظريًّا، في حين يرى باحثون أن للجيش الجزائري الدور المحوري في النظام.

فيصفه هواري عدّي البروفيسور في علم الاجتماع بجامعة ليون الفرنسية في ورقة بحثية بـ«الحزب السياسي» أو «الجيش المسيَّس»؛ والذي يملك حصريًّا صلاحية اختيار الرؤساء كما حدث مع جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على كرسي الرئاسة، أو حتى صلاحية عزلهم. 

Embed from Getty Images

الملك المغربي الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد 

يشير عدّي إلى أن الجيش الجزائري قد لعب دورًا محوريًّا في الحياة السياسية منذ استقلال البلاد في 1962 من خلال عوامل رئيسية: هي الشرعية التاريخية بصفته سليلًا لجيش التحرير الجزائري الذي أتى بالاستقلال بعد حرب تحريرية ضد فرنسا، ومن خلال الشخصية الكاريزمية للرئيس السابق، هواري بومدين، الذي كان وزيرًا للدفاع، وبروباجندا الجيش التي روَّجت لسياسة القضاء على الفقر.

لكن هذا التأثير فقد بريقه مع مرور السنوات ووفاة هواري بومدين ومجيء رئيس لا يحمل الكاريزما نفسها ممثلًا في الشاذلي بن جديد، والذي تحوَّل الجيش في عهده إلى أوليجارشيا عسكرية.

لا توجد أبحاث كثيرة بأقلام جزائرية عن الدور الذي يلعبه الجيش في الحياة السياسية، ولعلَّ ذلك بسبب تقيُّد الباحثين عادة بالوثائق الرسمية أو القوانين أو مواد الدستور للاستدلال، والتي يبدو فيها الجيش محايدًا سياسيًّا ومتمسِّكًا فقط بمهامه الدستورية المتمثلة في الدفاع عن وحدة التراب الوطني وحماية الحدود.

لكن البروفيسور عدّي يؤكد أن فترة التسعينيات غيَّرت هذا الواقع وجعلت الباحثين يتجهون أكثر لدراسة الدور السياسي للجيش: «في الجزائر هنالك «جيش سياسي»، لأن الجيش نفسه هو من يعيِّن الرئيس وأعضاء الحكومة، كما أن الجيش يتدخل في المجال السياسي من خلال الأجهزة الخاصة المتمثِّلة في «المخابرات» (الأمن العسكري)».

ويضيف عدّي أن النظام السياسي عمل على تقليص نفوذ الجيش في السياسة، لكن أزمة 1992 بعد الانقلاب العسكري ووقف المسار الديمقراطي وبداية الحرب مع الإسلاميين، جعلت هذا الدور السياسي أكثر بروزًا، فقد ظهر أن الجيش هو اللاعب الرئيسي الوحيد في الميدان السياسي.

في حديث مع محمد الأمين إسماعيل، الناشط بالحراك الجزائري، يؤكِّد التشابه الشديد بين النظامين الجزائري والمغربي، ربما ليس في الجانب البنيوي كون الأول جمهوريًّا والثاني ملكيًّا، ولكن هناك تطابقًا في الجانب الموضوعي وآليات اشتغال كلا النظامين.

فكلٌّ من القصر الملكي المغربي والجيش الجزائريِّ يمسكان بزمام السلطة الفعلية في الدولتيْن. وفي الوقت الذي من المفترض أن تبقى هاتان المؤسستان بعيدًا عن التجاذبات السياسية، بوصفهما مصدرًا للإجماع الوطني ولحماية وحدة المجتمع والدولة؛ فإنهما فعليًّا تحتكران السلطة وتسيطران على الساحة السياسية، دون أيَّة رقابة أو مُساءلة أو شفافية. 

الأمازيغية والحساسيات الجهوية - 20 فبراير و22 فيفري.. هل يُنهي النظام الجزائري الحراكَ على الطريقة المغربية؟ - ساسة بوست

الحراك الشعبي الجزائري

وفي الوقت الذي يعتمد «المخزن» المغربي في الحفاظ على شرعيته على عوامل تاريخية ودينية وبتوزيع الريع، فإن الجيش الجزائري أيضًا يستند إلى الشرعية التاريخية النابعة من حرب التحرير، بالإضافة إلى خطابه الذي يستهدف العاطفة الوطنية، واضطلاعه ببعض المهام الاجتماعية في المناطق النائية، مثل توفير المستشفيات الميدانية في المناطق النائية أو فتح الطرقات في المناطق المعزولة.

لتبقى الفروقات فقط على مستوى المرئيات، ففي حين يركِّز القصر الملكي على مظاهر الطاعة والأبَّهة والتقاليد السلطانية في عيد العرش وغيرها؛ يستخدم الجيش الجزائري مشاهد الثورة التحريرية وتضحيات الشهداء والمجاهدين ليربط بين الحرب التحريرية والجيش المعاصر، ويكرِّس بذلك شرعيته الثورية، ويبرِّر تمسُّكه بالسلطة، ليعتبر نفسه «العمود الفقري للدولة» كما صرَّح الرئيس تبُّون. 

يتَّفق مع هذا الطرح، ناشط مغربي في حركة 20 فبراير، ويؤكد أن هناك تشابهًا كبيرًا بين النظامين اللذيْن يعملان بالآلية نفسها، خصوصًا وأن الشعبين ينتميان لمنطقة جغرافية واحدة، ومرَّا بالتجربة التاريخية المتمثِّلة في مكافحة الاستعمار ويملكان تشكيلات سياسية متشابهة.

ويرى أن إستراتيجية تعامل النظام الجزائري مع الحراك تشبه تلك التي استعملها النظام المغربي في التجاوب مع حركة 20 فبراير، بالأساس من خلال التعامل مع الحراك بالأدوات الناعمة والابتعاد عن المواجهة المباشرة العنيفة، بتفجيره من الداخل، والإعلان عن تغيير دستوري محدود تتحكَّم السلطة في كل مدخلاته، وانتخابات برلمانية مبكِّرة.

20 فبراير و22 فيفري.. هل تكون النهاية واحدة؟ 

اتجهت حركة 20 فبراير المغربية منذ الأيام الأولى إلى هيكلة نفسها في أُطر تنظيمية واضحة، مع تفادي محاولات الزعامة الفردية أو الجماعية؛ وجرى إنشاء جمعية عامة للحركة تضم مختلف الفصائل المكوِّنة لها، وتكون هي مركز صنع القرار والتوافق حوله، كما ضمَّت أربع لجان: اللوجيستيك، والشعارات، والتعبئة، والتواصل. 

في المقابل جرى نقاش طويل منذ بداية الحراك في الجزائر حول قضية التأطير وتنظيم الحراك وضرورة بروز قيادة واضحة له، لكن هذه النقاشات كانت كثيرًا ما تنتهي إلى عدم إحراز أيِّ تقدُّم فيها؛ بل إن الصوت الغالب كان مُعارضًا لقضيَّة التمثيل خشية الاختراق من طرف السلطة أو بسبب إشكالية تمثيل جميع الفئات والمكوِّنات الأيديولوجية والجهوية داخله.

صحيح أن عدم تأطير الحراك الجزائري واتِّسامه بالعفوية وانعدام أي إطار واضح أو جهة ناطقة باسمه، كان في بداياته يشكِّل عامل قوَّة كبيرًا، خصوصًا في الفترة التي كانت موجة الحراك تشهد مشاركة مليونية في كل محافظات الجزائر تقريبًا، وهو ما قطع الطريق أمام المساومات مع السلطة أو الوصول إلى حلٍّ وسط يستطيع من خلاله النظام التقاط أنفاسه أو كسر راديكالية المطالب؛ وبالتالي أدَّى في النهاية إلى إجبار الرئيس بوتفليقة على الاستقالة.

لكن نقطة القوَّة هذه تحوَّلت فيما بعد إلى «لعنة» بالنسبة للحراك، الذي أصبح بالنسبة للكثيرين غير واضح المطالب، أو لا يملك خريطة طريق محدَّدة، خصوصًا بعد نجاح السلطة في فرض الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، ووصول عبد المجيد تبون إلى سدَّة الرئاسة. 

وتظهر التقاطعات بين تعامل النظامين مع الحراك الشعبي، واستفادة النظام الجزائري من «التجربة المغربية» من خلال انتهاجه الخطوات نفسها تقريبًا؛ إذ عمل على تفجير الحراك من الداخل باستخدام الاستقطاب الأيديولوجي، بين التيَّارين الرئيسيَّين المكوِّنين للحراك: وهما الإسلاميون والطرف العلماني والحركة البربرية من جهة أخرى؛ فعمل سنة 2019 على استهداف الطرف الثاني من خلال إثارة مشكلة «الراية الأمازيغية» واللعب على وتر الهويَّة، ومغازلة التيار العروبي الإسلامي، ودفعه إلى مغادرة الحراك.

Embed from Getty Images

صنعت الراية الأمازيغية جدلًا داخل الحراك الجزائري في سنة 2019

أما في 2021، وبعد عودة الحراك إثر سنة من توقُّفه بسبب جائحة كورونا، وتغيُّر موازين القوى بين العصب الحاكمة بعد الرحيل المفاجئ لقائد الجيش السابق، الفريق أحمد قايد صالح، تغيَّرت إستراتيجية النظام، وأصبح الهجوم هذه المرة ضد التيار الإسلامي، واتهامه بالظلامية والعنف، واستهداف حركات محسوبة على الإسلاميين، من بينها بقايا «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، وحركة رشاد

أيضًا عمل النظام على التسويق لتعديل دستوري محدود واتجه إلى تكليف لجنة قانونية بهذه التعديلات مع استشارة شكلية للأحزاب بدلًا من إشراك المجتمع في النقاش حول الدستور، تمامًا كما فعل النظام المغربي في 2011. كما اتجه النظام الجزائري إلى الإعلان عن انتخابات برلمانية، واستقطاب بعض أحزاب المعارضة للمشاركة فيها، على غرار «حركة مجتمع السلم» (إخوان الجزائر) و«جبهة القوى الاشتراكية» اليسارية. 

صحيح أن الناشط السابق في حركة 20 فبراير المغربية، يرى أنها اختفت من المشهد، لكنه يرى أن مناضليها لا يزالون ينشطون بوسائل أخرى، من خلال الانضمام إلى أحزاب وتنظيمات وجمعيات جديدة، كما تظهر آثارها في شكل حراك عمَّالي وفئوي أو مناطقي، على غرار حراك الريف سنة 2016؛ فكيف ستكون نهاية الحراك الجزائري؟ وهل ستؤدي أساليب النظام الجزائري الشبيهة بأساليب الجار المغرب، إلى النتائج نفسها؟

عربي

منذ شهرين
عبر «قانون انتخاب جديد».. هل تنقذ الانتخابات التشريعية المقبلة النظام الجزائري؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد