منذ تبادلت تركيا ومصر الممثلين الدبلوماسيين عام 1925، تأرجحت العلاقات بين الفتور والدفء. كانت البداية على مستوى القائم بالأعمال، ثم تطورت إلى مستوى السفراء في عام 1948، لولا أن العلاقات الوثيقة التي جمعت بين عائلة محمد علي باشا، والسفارة التركية في القاهرة، أثارت غضب الضباط الأحرار الذين أطاحوا الحكم الملكي في مصر عام 1952.

شهد عام 1953 المحطة التاريخية الأبرز في العلاقات بين البلدين؛ إذ حجَّمت الشكوك العلاقة بين القاهرة، وبريطانيا، وتركيا بعد إعلان الجمهورية في مصر. تُوِّج ذلك في العام التالي بطرد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر السفير التركي في القاهرة، خلوصي فؤاد توغاي، بسبب مواقف تركية اعتبرتها القاهرة معادية للعرب.

لم يكن غريبًا بعدها التزام تركيا الصمت حيال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أو أن يتبنى عبد الناصر سياسة دعم اليونان في نزاعها مع تركيا حول قبرص، ثم استمر تدهور العلاقات خلال الستينيات بعد أن رحبت أنقرة بانهيار الوحدة بين مصر، وسوريا في عام 1961.

كانت القاهرة ودمشق قد أعلنتا الوحدة يوم 22 فبراير (شباط) 1958، بعد توقيع ميثاق الجمهورية المتحدة. واختير عبد الناصر رئيسًا، والقاهرة عاصمة للجمهورية الجديدة، التي انتهت بعد الانقلاب العسكري في دمشق يوم 28 سبتمبر (أيلول) 1961.

للمرة الثانية في عهد عبد الناصر، طردت القاهرة السفير التركي؛ بسبب إصرار تركيا على أن مصر، التي احتفظت باسم الجمهورية العربية المتحدة، دولة منفصلة عن سوريا. ولم يذوب الجليد بين البلدين إلا في عام 1988، عندما طلبت مصر من اللجنة التركية- المصرية تطوير مقترحات لتحقيق المصلحة المشتركة بين البلدين.

السفارة التركية في القاهرة

تطورت العلاقات وتوطدت أكثر في التسعينيات، خاصة بعد زيارة رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان مصر في عام 1996، إذ سعى إلى تكوين مجموعة اقتصادية إسلامية، تضم مصر إلى عضويتها. وبالفعل شكلت مجموعة الدول الثماني، ووافقت مصر على الانضمام إليها، وعقدت قمتها الأولى في إسطنبول خلال يونيو (حزيران) 1997.

واصلت العلاقات التركية- المصرية صعودها في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي زار تركيا في عام 2009. ثم وصل الودّ إلى ذروته بعد فوز الرئيس محمد مرسي في انتخابات 2012. في ذلك العام، زار مرسي تركيا ليوم واحد في يوليو (تموز)، وزار رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني).

في أعقاب إطاحة الرئيس مرسي في يوليو 2013، تدهورت العلاقات بين البلدين مرة أخرى على خلفية الدعم التركي لجماعة الإخوان المسلمين، ما أدى إلى مغادرة السفير التركي القاهرة للمرة الثالثة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

مليارات التبادل التجاري تُخرِج لسانها للتصريحات النارية

بعيدًا عن ضجيج التصريحات العدائية المتبادلة بين تركيا ومصر، تصافح ممثلو هيئات دبلوماسية وسفراء ورجال أعمال ومثقفون من البلدين في أحد فنادق القاهرة قبل أسبوع، وتحلَّقوا على مأدبة إفطار نظمتها جمعية رجال الأعمال الأتراك- المصريين، ومركز الثقافة التركي «يونس إمرة».

لم يكن الطعام هو المشترك الوحيد، بل أعلن القائم بالأعمال التركي في مصر، مصطفى كمال الدين آريغور، أن القاهرة وأنقرة حققتا رقمًا قياسيًّا في حجم التجارة البينية عام 2018، بلغ 5.24 مليار دولار. وكأن كل دولار من هذه المليارات كان يخرج لسانه لكل تصريحٍ سياسيّ ناريّ أطلقه مسؤولو البلدين تجاه نظرائه على الجانب الآخر خلال تلك الفترة.

هكذا تؤكل الكتف.. بهذه الطرق أصبح السيسي صديق ترامب المخلص!

تضاعف حجم الصادرات بين البلدين خلال آخر 12 عامًا إلى ثلاثة أضعاف ونصف، منذ دخول اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين حيز التنفيذ في 2007. فبلغ حجم الصادرات التركية إلى مصر 3.05 مليار دولار في 2018، أي بزيادة تقدر بنحو 29.4% مقارنة بعام 2017. ووصل حجم الواردات التركية من مصر في 2018 إلى 2.19 مليار دولار، بزيادة نسبتها 9.68% مقارنة بالعام السابق، استنادًا إلى بيانات «هيئة الإحصاء التركية».

حتى على المستوى الثقافي؛ «يوجد في مصر ما يقرب من 20 قسمًا للغة التركية في الجامعات، تضم آلاف الطلاب المصريين»، بحسب أمين بويراز، مدير مركز «يونس إمرة» في القاهرة، الذي «منذ أن بدأ نشاطه في مصر عام 2010، علَّم آلاف الطلاب المصريين اللغة التركية، وزار المئات منهم تركيا». وبلغ عدد الزوار المصريين إلى تركيا 100,971 في عام 2017.

آليات التعاون: استيراد وتصدير و«شريك تجاري رئيسي في أفريقيا»

صحيحٌ أن العلاقات الدبلوماسية بين تركيا، ومصر خُفِّضَت إلى مستوى القائم بالأعمال منذ عام 2013، لكن «وزيري خارجية البلدين يجريان اتصالات في مناسبات مختلفة، وتعمل سفارة تركيا في القاهرة، والقنصلية العامة في الإسكندرية، والسفارة المصرية في أنقرة، والقنصلية العامة في إسطنبول»، حسبما يؤكد موقع وزارة الخارجية التركية.

وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، يعتزُّ الموقع الرسمي بشهادةٍ مفادها أن «مصر هي شريكنا التجاري الرئيسي في القارة الأفريقية. ويحافظ رجال الأعمال الأتراك والمصريون على اتصال وثيق، ويستمرون في إجراء الزيارات المتبادلة. وهناك قرابة 3500 مواطن تركي في مصر. إضافة إلى ذلك، يستمر مركز (يونس إمرة) الثقافي التركي في القاهرة بالعمل منذ عام 2010 على أساس اتفاقية ثنائية».

إعلان تركيا للحداد تضامنًا مع ضحايا الهجمة المسلحة على مسجد الروضة في سيناء، نوفمبر 2017

تتركز عناصر التصدير التركية الرئيسية إلى مصر حول المشتقات البترولية، والألياف والمنتجات النسيجية، والحديد والصلب، والمنتجات المعدنية، ومركبات النقل البري. أما عناصر الاستيراد الرئيسية من مصر فهي: المنتجات البلاستيكية، والأسمدة، والألياف والمنتجات النسيجية، والمشتقات النفطية، والمواد الكيميائية العضوية.

صحيحٌ أيضًا أن آليات التعاون الثنائي الأربعة المنشورة على موقع وزارة الخارجية التركية مجمدة منذ 2012-2013؛ عندما عُقد آخر اجتماع للجنة المشتركة في 5- 6 مارس (آذار) 2012، وآخر اجتماع للجنة المفاوضات التجارية رفيعة المستوى في 16 نوفمبر 2012، وآخر اجتماع لمنتدى الأعمال في 30 سبتمبر 2012، في أنقرة، وآخر اجتماع لمجلس الأعمال في 10 مايو 2013، في القاهرة. بيدَ أن المليارات لم تتوقف عن التدفق بين البلدين حتى في أحلك الظروف وأكثرها توترًا.

الرحلات الجوية.. تُقَرِّب ما باعدته السياسة

يتمتع قطاع الطيران بين تركيا، ومصر بأفضل حالاته أيضًا، وتعتبر إسطنبول أفضل محور للرحلات المصرية، بحسب الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية التركية بلال إكشي. إذ استأنفت الخطوط الجوية التركية أولى رحلاتها إلى مطار شرم الشيخ في 11 سبتمبر 2016، بعد توقف دام 11 شهرًا، عقب سقوط طائرة ركاب روسية فوق شبه جزيرة سيناء في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2015.

في يونيو 2018، وقعت شركة «النيل» للطيران المصرية اتفاقية شراكة «الرمز المشترك»، مع شركة طيران «بيجاسوس» التركية، التي تتيح للمسافرين «خيارات سفر أكثر بين مصر وتركيا، بأفضل الأسعار، ورحلات أسبوعية متعددة، ومواعيد رحلات مناسبة».

لم تكتفِ أنقرة بالرحلات التركية التي تطير إلى أربع مدن مصرية -القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ والغردقة- 44 مرة أسبوعيًّا، بل أعلنت في 2018 خططًا لإضافة المزيد من الرحلات الجوية، واتخذت إجراءات عملية لفتح خط طيران خامس لتسيير أربع رحلات أسبوعية إلى مدينة الأقصر جنوب مصر بدءًا من سبتمبر القادم، في ظل توقعات بزيادة عدد المسافرين عبر البلدين خلال العام الجاري 2019، بعدما زاد عددهم بالفعل بنسبة 20% عام 2018، مقارنة بعام 2017.

«دبلوماسية الكوبرا».. السم الذي فتح قناة للتواصل بين الخصمين

اكتسبت العلاقات التركية المصرية زخمًا لأسباب غير تقليدية؛ وذلك عندما تسمم عارف غفوري، المشهور في أوساط الجمهور التركي بألعابه السحرية، نتيجة عضة من كوبرا مصرية يستخدمها في عروضه؛ ما وضعه على حافة الموت إن لم يتلقّ مضادًا للسم لا يتوافر إلا في مصر وفرنسا.

اتصل المسؤولون الأتراك في البداية بفرنسا، فقال «معهد باستير الفرنسي» إنهم لم ينتجوا الترياق منذ ثلاث سنوات. ولأن المهلة المتاحة كانت لا تتجاوز 24 ساعة، قبل أن يصاب جسده بأضرار خطيرة، وقع الاختيار على مصر لتكون بلد العلاج. وبالفعل رتب أقرباؤه طائرة إسعاف، لكنها لم تستطع مغادرة أنطاليا لأن مصر لم تصدر تأشيرة دخول لعارف على خلفية الخلاف مع تركيا.

كثفت السفارة التركية في القاهرة جهودها، وأقنعت السلطات المصرية باستثناء عارف، وفي نهاية المطاف توصل الجانبان إلى اتفاق لإنقاذ حياة الساحر، ما فتح باب التكهنات بشأن إمكانية أن ينتهي حادث التسمم بتسهيل سبل التقارب بين البلدين.

لكن لن يكون هذا مفاجئًا بالنسبة للسياسة التركية المعتادة على هذا الطراز من الطرق الدبلوماسية غير التقليدية في علاقاتها الخارجية. فأحد أفضل الأمثلة على ذلك؛ التواصل الحميمي الذي دشنه وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ونظيره الألماني زيجمار غابرييل، بينما كانت العلاقات بين تركيا وألمانيا متوترة للغاية.

ظهرت العلاقة الوثيقة التي تربط بين جاويش أوغلو، وغابرييل في صورة التقطت داخل منزل الأخير في مسقط رأسه جوسلار، وسط ألمانيا. ظهر غابرييل في الصورة وهو يصب الشاي في كوب جاويش أوغلو من إبريق شاي تقليدي يشيع استخدامه في البيوت التركية.

انعكس هذا الجو الدافئ في إعلان كبار الدبلوماسيين الألمان والأتراك اتفاقهم على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، خطوة لتطبيع العلاقات المتوترة، مع الاعتراف بوجود خلافات.

نقطة الانهيار المحتملة وحدود الصراع الممكنة

في الوقت الحالي، يبدو احتمال نشوب صراع بين تركيا ومصر منخفضًا. لكن سالم كهرمان يرى في مقال نشره موقع «أحوال تركية» أن «السبب الأكثر ترجيحًا لنقطة الانهيار في العلاقات هو اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر واليونان، التي كانت المحادثات تتقدم فيها بشكل مطرد خلال العام الماضي. فإذا وافقت مصر على قبول المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها اليونان، والتي تضم جزرًا مثل كاستيلوريزو وكريت، فهذا يعني أن القاهرة لا تعترف بولاية تركيا على مناطق واسعة تقول إنها تقع في جرفها القاري».

حتى إذا تفاقمت الأمور، ووصلت إلى مستوى التصعيد العسكري بين تركيا وقبرص، فإن مصر ستوفر الدعم العسكري لقبرص، بموجب الاتفاق الأمني الموقع في عام 2015، «لكنها لن تدخل مباشرة في أي صراع عسكري مع تركيا؛ بحكم سياستها واستراتيجيتها العسكرية»، حسبما يرجح محمود جمال، الباحث في الشؤون العسكرية المصرية.

وإن كانت البروفيسور نيرفانا محمود، المحللة السياسية المصرية، تعتقد أن «هناك فرصة للنزاع؛ إذا نظرت تركيا إلى مصر باعتبارها هدفًا أسهل، بسبب عضوية قبرص في الاتحاد الأوروبي.. أي هجوم على قبرص سيكون قانونًا هجومًا على الاتحاد الأوروبي. هذه ليست السبعينيات».

وكشف تقرير أصدره «معهد الإعلام الأمريكي» عن ضغوط قوية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تركيا لتغيير سياستها تجاه الإخوان المسلمين وأعضاء الجماعة الموجودين داخل أراضيها. وأشار التقرير إلى حادث تسليم تركيا مواطنًا مصريًّا مطلوبًا إلى بلاده باعتباره مؤشرًا على أن تركيا ربما سئمت من استضافة الجماعة، ما يعني أن الصفقة المزعومة بين أنقرة، وواشنطن يمكن أن تغير موقف تركيا من جماعة الإخوان المسلمين والفصائل التي خرجت من عباءتها في المنطقة.

السفير التركي يغادر السفارة التركية والقاهرة في 2013

لأسباب مشابهة، يستمر حجم التجارة بين تركيا وإسرائيل في التضخم، حتى أصبحت إسرائيل الآن أحد أفضل 10 أسواق تصدير للمنتجات التركية، وتحل الخطوط الجوية التركية مباشرة بعد شركة «طيران العال» الوطنية الإسرائيلية، ثاني أكثر شركة طيران شعبية في تل أبيب، كما أن إسرائيل هي أكبر مشترٍ للنفط الأذربيجاني والكردي العراقي في العالم، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى التسهيلات التركية، حسبما يرصد أيكان إرديمير وديفيد ماي في موقع «ذا بريف».

وبالرغم من طلب تركيا من مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على السيسي كما فعلت في أغسطس (آب) 2013، وضغط مصر ضد ترشيح تركيا للحصول على مقعد في مجلس الأمن مثلما حدث في 2014، وكذلك تصريح أردوغان بعدم قبول نظام السيسي، ووصفه بـ«الطاغية غير الشرعي»، والتنافس الإقليمي بين البلدين واشتعال الصراعات واحتدام الحروب بالوكالة في أنحاء المنطقة، إلا أن كل هذا وأكثر لم يستطِع حتى الآن على الأقل، وقف تدفق مليارات الدولارات إلى جيوب رجال الأعمال في كلا البلدين.

حتى لو استبعد سونر چاغاپتاي ومارك سيفرز «أن تتعافى العلاقات بين مصر وتركيا في المستقبل القريب، طالما أن أردوغان والسيسي في السلطة، بل من المحتمل أن تزيد المنافسة الإقليمية بين السلطتين من تغذية النزاعات القائمة».

«بلومبرج»: كيف تغيِّر تركيا شكل الشرق الأوسط وماذا يمكن أن تفعل أمريكا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد