في الوقت الذي كان العالم العربي يُنشد فيه الحرية ويتطلّع إلى الديمقراطية مع مطلع سنة 2011، أو ما بات يُعرف بالربيع العربي، كانت طائرات فرنسا تُحلق بكثافةٍ في سماء العاصمة الإيفوارية أبيدجان، مُطلقةً صواريخها لتدمر مستودعات الأسلحة حول المدينة؛ ومُحولة سماء البلاد الهادئة إلى عرض مرعبٍ للألعاب النارية، شبيهٍ بالعرض الذي تلا إعلان هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أو خلع الرئيس المصري محمد حسني مبارك.

كانت الأسباب المباشرة لتدخل فرنسا العسكري في ساحل العاج؛ هو لجوء الرئيس لوران غباغبو إلى المجلس الدستوري من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها منافسه، الحسن واتارا، الذي يحظى بعلاقات جيدة مع فرنسا، والذي اعتُرف به رئيسًا شرعيًّا للبلاد، وتجسيدًا لمبدأ أن فرنسا لا يجب أن تتخلى عن أصدقائها.

لم تكن «عملية أبيدجان» تلك خارجة عن سياق النشاط الفرنسي الداعم والمدبّر للانقلابات في أفريقيا؛ للحفاظ على مصالحها، فبعد تسع سنواتٍ على عملية أبيدجان، ثار الشعب الجزائري ضدّ ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتمكّن من عزله؛ لتدخل البلاد بعدها في أزمة سياسية نتيجة إلغاء الانتخابات. وعلى الرغم من عدم وجود بوادر رسميةٍ للتدخل الفرنسي في الأزمة الجزائرية، فإنّ التحذير من أي دورٍ فرنسي كان الهاجس الأوّل لمعظم الجزائريين طيلة فترة الحراك الشعبي التي تدخل شهرها السادس.

هواجس الجزائريين من الدور الفرنسي في أزمة بلدهم، عبّرت عنها قيادة الجيش باتهاماتٍ ضمنية لفرنسا بمحاولة زعزعة استقرار الجزائر، وعبّرت عنها الشعارات واللافتات المرفوعة في الحراك، والمهاجمة لفرنسا، والتي يتسابق الجزائريون في رفعها كلّ جمعة.

مع تزايد المطالبات لتنحي القيادة الحالية للجيش من أطرافٍ محسوبة على التيار الفرنكفوني بالجزائر، والتي كان آخرها سلسلة التغريدات التي نشرها وزير الدفاع الأسبق خالد نزار؛ ارتفعت مخاوف الجزائريين من احتمال دعم فرنسا لانقلابٍ في الجزائر، خصوصًا بعد العلاقات غير الوديّة التي صارت واضحة للعيان، بين الجيش الجزائري والمصالح الفرنسية في الجزائر، والتي رسمها الهجوم غير المسبوق من الإعلام والبرلمان الفرنسي على الجيش الجزائري.

كيف تحكَّمَ رجال العصابات في مصائر البشر؟ (1/2) بوب دينارد: “كلب الحرب”

«تدربت في فرنسا» الفيلق الفرنسي الأجنبي عرّاب الانقلابات الأفريقية

طيلة أكثر من نصف قرن، شهدت أفريقيا أكثر عددٍ من الانقلابات على مستوى العالم، زادت على 80 انقلابًا، واتهمت فرنسا بالوقوف وراء عدّة انقلاباتٍ منها، حتى وضح المراقبون أنّ لا دولة أفريقية لم تتعرض أو تخطّط فرنسا لانقلاب بها؛ وذلك للدور التاريخي لفرنسا في معظم دول القارة الأفريقية التي جعلتها تتورط في اغتيال، أو إطاحة 22 رئيسًا أو رئيس وزراء أفريقيًّا لضمان مصالحها.

تورط في هذه الانقلابات مجموعات استخباراتية فرنسية، شكلت خصيصًا منذ عهد الرئيس الفرنسي شارل ديغول. كما كان للجنود الأفارقة دورٌ بارزٌ في هذه الانقلابات، في فترة الحروب الفرنسية في الجزائر وفيتنام، دون أن نغفل عن الضباط الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الفرنسية في سبعينيات القرن الماضي. 

ومن أبرز الانقلابات التي كانت اليد الفرنسية حاضرة في إدارتها، الانقلاب الذي شهدته أفريقيا الوسطى في الفاتح من يناير (كانون الثاني) سنة 1966، حين نفذ جان بيدل بوكاسا، العضو السابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي، انقلابًا ضد ديفيد داكو، أول رئيس منتخب لجمهورية أفريقيا الوسطى بدعمٍ مباشر من الإليزيه.

وبعد ثلاثة أيامٍ فقط من ذلك الانقلاب، قام أبو بكر سانجو ليه لاميزانا، وهو أيضًا عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي بانقلابٍ على موريس ياموجو، أول رئيس منتخب لجمهورية فولتا العليا – بوركينا فاسو الآن- وبدعمٍ أيضًا من فرنسا. ولم يكن حال توغو بعيدًا عن المخططات الفرنسية الانقلابية، إذ كانت السفارة الفرنسية وراء التخطيط لقتل الرئيس التوغولي أولمبيو على يد النقيب السابق في الفيلق الفرنسي الأجنبي إيتيان جيسيبي.

مالي هي الأخرى شهدت عدّة انقلاباتٍ وقفت وراءها باريس بيدٍ أو بأخرى، كان أبرزها الانقلاب الذي قاده موسى تراوي أحد ملازمي الفيلق الفرنسي الأجنبي سنة 1968.

فرنسا كانت وراء أغلب الانقلابات الأفريقية

على جانب آخر، لم يكن «الفيلق الأجنبي الفرنسي» الوحيد الذي يخرّج قادة الانقلابات في أفريقيا؛ ففي السادس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) 1972، نفّذ ماثيو كيريكو الذي كان يعمل حارسًا أمنيًّا للرئيس هوبرت ماجا، أوّل رئيس منتخب لجمهورية بنين، انقلابًا ضد الرئيس، بعد أن درس في الكليات العسكرية الفرنسية في الفترة من 1968 حتى عام 1970، وبعد أن تلقى الضوء الأخضر من السلطات الفرنسية لمسك زمام السلطة، ويمكن القول إنه خلال العقدين السابقين وقفت فرنسا وراء معظم الانقلابات الأفريقية، كان أبرزها انقلاب أبيدجان، ومالي.

وكغيرها من الدول الأفريقية، لم تسلم الجزائر من الانقلابات المدعومة من فرنسا؛ فبعد انقلاب الرئيس الراحل هواري بومدين على الرئيس الراحل أحمد بن بلّة؛ ولى بومدين الضباط الجزائريين الفارين من الجيش الفرنسي، ممن يطلق عليهم وصف «ضباط فرنسا» مناصب عليا في الجيش الجزائري.

وفي 12 يناير 1992، وبعد حصول الإسلاميين على أغلبية البرلمان في الانتخابات التي جرت نهاية 1991 -وهي النتائج التي رفضتها فرنسا وعدتها تهديدًا لمستقبل مصالحها في الجزائر- انقلب الجيش الجزائري بقيادة وزير الدفاع خالد نزار (أحد الضباط العاملين في الجيش الفرنسي والذي تربطه علاقات متينة مع فرنسا) على الإرادة الشعبية، وألغى الانتخابات، وأدخل البلاد في حربٍ أهلية لمدّة 10 سنوات، واتهم المراقبون فرنسا بالوقوف وراء هذا الانقلاب ودعمه. 

«متعاطف مع الإسلاميين».. النظرة الفرنسية للجيش الجزائري

حين قرّرت فرنسا شنّ حربها على الإسلاميين المتشددين في مالي؛ كانت تضع في  حسبانها أنّ الجيش الجزائري سيكون داعمًا قويًا وحاسمًا لها في الحرب، بحكم تمرّسه وتعوّده على التعامل مع المناخ الصحراوي الصعب، بحكم أنّ الجيش الجزائري يرابط منذ اندلاع الحرب في ليبيا على طول الحدود، كما أنّه خاض معارك شرسة في الصحراء الجزائرية مع التنظيمات المسلحة؛ غير أنّ جواب قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح على دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لخوض الحرب في مالي كانت سلبية، مؤكدة على العقيدة العسكرية للجيش الجزائري التي لا تسمح له بالقتال خارج الحدود.

أصيبت فرنسا بخيبة أملٍ من قرار عدم مشاركة القوات الجزائرية الحرب في مالي، وعلى الرغم من قرار بوتفليقة السماح للطائرات الفرنسية باختراق الأجواء الجزائرية في طريقها إلى مالي، فإنّ صورة الجيش الجزائري في الدوائر الفرنسية بدأت تأخذ بُعدًا سوداويًا من خلال التقارير والنقاشات داخل قبّة البرلمان الفرنسي، والتي كان أبرزها السؤال الذي وجهه البرلماني الفرنسي جان لاسال خلال مساءلته للحكومة الفرنسية حول سياستها تجاه الجزائر.

البرلماني الفرنسي قال آنذاك: «صعود جيل جديد من الضباط والجنرالات في المؤسسة العسكرية الجزائرية، بتكوين وتأطير وطني وإسلامي، يهدد المصالح الفرنسية في الجزائر، لا سيما في الجوانب الثقافية والاقتصادية والسياسية»، مبرزًا أن بلاده مطالبة بالتركيز على تداعيات الوضع على الاهتمامات المشتركة، لاسيما تلك المتعلقة بالهجرة والجالية والجوار الجغرافي.

وإذا ما أردنا تقييم الفترة التي سبقت ثورة الجزائريين ضدّ نظام بوتفليقة، فسنجدّ أنّ المصالح الفرنسية في الجزائر بلغت أوّجها خلال تلك الفترة، وأخذت العلاقات بين البلدين في التطوّر إلى مستوى غير مسبوق.

لكن على الجانب الآخر، يمكن الجزم بأنّ نظرة فرنسا إلى الجيش الجزائري لم تأخذ طابعها الحالي، والذي وسمه قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح بالعداء؛ إلّا بعد قرار  الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة تعيين الفريق أحمد قايد صالح قائدًا للأركان سنة 2004؛ إذ تشير تقارير إعلامية فرنسية إلى أنّ الفترة التي سبقت تعيين القايد صالح قائدًا للأركان كانت الفترة الذهبية لضباط فرنسا بالجزائر، وهي الفترة التي شهدت حربًا على الإسلاميين في الجزائر. 

بجلوس قايد صالح – الذي يعرف عنه عداؤه لفرنسا- على رأس قيادة الأركان بدأت العلاقات بين الجيش الجزائري وفرنسا في  التدهور؛ بدايةً من هجمات تيقنتورين الشهيرة التي وقعت في يناير 2013، والتي يتهم فيها بعض المحللين القريبين من المؤسسة العسكرية، والذين لهم دراية بالأحداث، فرنسا بتدبيرها، وشن الإعلام الفرنسي هجومًا لاذعًا على الجيش الجزائري بعد قراره استعمال القوة في سبيل صدّ هجمات تيقنتورين الدامية، التي استهدفت عمالًا أجانب في الجنوب الشرقي للجزائر.

هذه الخطوة التي شهدت انتقادات فرنسية كبيرة وصلت حدّ فتح السلطات الفرنسية التحقيق حول الحادثة، وصولًا إلى رفض الجيش الجزائري المشاركة في القوة الأفريقية التي كانت تعتزم باريس تشكيلها في الساحل والصحراء الكبرى، تحت مسمى قوات ميدان، انتهاءً إلى قرار الجيش الجزائري استعمال اللغة الإنجليزية في مراسلاته ومعاملاته، ورفض قيادة الأركان الجزائرية إقامة قاعدةٍ عسكريةٍ فرنسيةٍ بمدينة تمنراست بأقصى الجنوب الجزائري. 

ومنذ نهاية التسعينات بدأ الجيش الجزائري تقليص اعتماده على السلاح الفرنسي تدريجيًّا؛ إذ تشير تقارير إعلامية إلى أنّه منذ سنة 2014 بدأت الجزائر في الاعتماد الكلي على الأسلحة الروسية والأمريكية والألمانية على حساب الأسلحة الفرنسية، التي وصفتها التقارير ذاتها بأنها الأسوأ في سوق السلاح، في وقتٍ أشار فيه العميد المتقاعد والقريب من القيادة الحالية للأركان، محمد العربي شريف، أنّ سبب العداء بين الجيش الجزائري وفرنسا يعود إلى رفض الفريق أحمد قايد صالح، شراء معدات عسكرية فرنسية.

تقارير إعلامية نقلت عن مسؤول بارز في الخارجية الفرنسية، في أبريل (نيسان) الماضي – على خلفية اتهام القايد صالح لفرنسا بزعزعة استقرار الجزائر- إاترافه بأنّ باريس فقدت زمام السيطرة حقًا على ما يحدث في الجزائر الآن، وأنّ الدور البارز الذي يلعبه قائد أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، زاد من تعقيد المعادلة السياسية الجزائرية في عيون مسؤولي قصر الإليزيه. 

الرجل الأخطر في الجزائر.. الفريق أحمد قايد صالح الذي يتتبع الجميع خطواته

الحراك الشعبي.. «الثورة التحريرية الثانية» للجيش الجزائري

مثلما فوجئ نظام بوتفليقة، تفاجأت السلطات الفرنسية بالحراك الشعبي الجزائري ضد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، ثم نظامه فيما بعد، برغم عشرات التقارير الإعلامية الفرنسية التي حذّرت من قرب انفجار الأوضاع في الجزائر. وهذا ما فسّرته تغريدة الرئيس إيمانويل ماكرون بعد إعلان بوتفليقة عدوله عن الترشّح في مارس (آذار) الماضي بالقول: «أحيي قرار الرئيس بوتفليقة الذي يفتح صفحة جديدة في التاريخ الجزائري» كما دعا ماكرون لفترة انتقالية «بمهلة معقولة»، وهو التصريح الذي خلّف انتقادات كبيرة من الجزائريين ترجمته شعارات الجمعة الرابعة.

وأمام الرفض الشعبي الذي تلقاه موقف ماكرون من التطورات في الجزائر؛ خرج الجيش الجزائري إلى الواجهة معلنًا ضرورة تطبيق الدستور، ومكثفًا الضغط على بوتفليقة لدفعه للاستقالة بناءً على «المادة 102ّ» من الدستور، وهي الخرجة التي أدت إلى انزعاجٍ فرنسي اجتمع على إثره ماكرون مع وزير خارجيته السابق، ألان جوبي، الذي عبّر عن خشيته من أنّ الحراك سيقوي من مكانة قيادة الأركان، التي لا ترّحب عادة بفرنسا ومصالحها في الجزائر.

الرئيس الفرنسي

وأمام هذا التطوّر باتت المصالح الفرنسية بالجزائر في خطر حسب المراقبين، كون الدوائر القريبة من  الرئيس، والتي تُتهم بتلقي الدعم من فرنسا، كانت تسعى لكسب الوقت لتجهيز مرشحٍ لها؛ وهو ما فسّرت به قيادة الأركان الاجتماع الشهير الذي جمع  السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق، ومدير المخابرات الأسبق الفريق محمد مدين، وبعض الشخصيات، كما رجّحت مصادر إعلامية مشاركة فرنسية في الاجتماع الذي كان يهدف – حسب التهم التي يتابع عليها الحاضرون لهذا الاجتماع- إلى قلب نظام الحكم وإلى التآمر ضدّ الجيش. 

كان ذلك الاجتماع بمثابة إعلان الحرب من الجيش الجزائري على المصالح الفرنسية بالجزائر، أعقبه فتح العدالة الجزائرية بإيعازٍ من المؤسسة العسكري، ملفاتٍ فساد تورطت فيها شخصياتٌ قريبة من فرنسا، كان أبرزها الملياردير يسعد ربراب الذي يقبع في السجن منذ أربعة أشهر، كما أدى اعتقال الفريق أحمد مدين، والسعيد بوتفليقة، والبشير طرطاق إلى انتقاداتٍ من الصحافة الفرنسية لعملية التطهير التي يقوم بها الجيش. 

تحوّلت تلك الانتقادات إلى هجماتٍ إعلامية؛ فلم تخلُ تقارير وسائل الإعلام الفرنسية من التطرق إلى الوضع الجزائري، إذ وصفت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية قائد الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، برجل بوتفليقة الذي يسعى إلى حماية رأسه بقطع رؤوس حاشية بوتفليقة، كما اتهمت صحيفة «لوبينيون» الإجراءات التي يقوم بها الجيش الجزائري في إطار مكافحة الفساد، والتي شملت أبرز رجال الأعمال في البلاد بأنها محاربة للأوليغارشية، هدفها فقط إلهاء الجزائريين عن رحيل القايد صالح.

يأتي ذلك في الوقت الذي ذهبت فيه صحيفة «موند أفريك» إلى الحديث عن انقسامات داخل الجيش الجزائري، ووقّع أكثر من ألف شخصية فرنسية نداء يطالب الجيش الجزائري بالإفراج الفوري عن الأمينة العامة لـ«حزب العمال» لويزة حنون، المعتقلة على ذمة الاجتماع السري المشبوه، في محاولة للضغط على المؤسسة العسكرية عبر التلويح بورقة «تدويل» قضية حنون.

وعلى الرغم من الصمت الدولي إزاء قرار المجلس الدستوري إلغاء الانتخابات الرئاسية، التي كان من المزمع تنظيمها في شهر يوليو (تموز) الماضي، خرج وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لو دريان، أمام نواب البرلمان الفرنسي بالقول إنّ المجلس الدستوري استقبل ترشيحين للانتخابات، مع ذلك ألغيت هذه الانتخابات، وأعرب لودريان عن شكوكه حول قدرة الجيش الجزائري على الاستمرار في عملية الانتقال الديمقراطي.

وبعد أن هدّد قائد الجيش الجزائري بمعاقبة كلّ من يرفع راية غير الراية الوطنية في المسيرات السلمية؛ وهو الأمر الذي هاجمه الكثير من المنتمين إلى التيار الفرنكوفوني بالجزائر؛ تصاعدت دعوات اليمين المتطرف في فرنسا لمنع الجزائريين من رفع العلم الجزائري أثناء حراكهم الأسبوعي، أو احتفالاتهم المواكبة لانتصارات المنتخب الجزائري في كأس أفريقيا، وهو الأمر الذي فُهم في الجزائر على كونه ردًّا على القيادة العسكرية التي منعت رفع الراية الأمازيغية.

تجدر الإشارة إلى أنّ قائد الأركان الجزائري إتهم فرنسا في أبريل الماضي، بمحاولة زعزعة استقرار الجزائر وهي الاتهامات التي ردّت عليها السفارة الفرنسية بالجزائر بالقول، إن فرنسا تحترم سيادة الجزائر، وسيادة شعبها الصديق. وقالت السفارة في بيان إنها «لا تتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وليست لديها أي نية في ذلك».

«حزب فرنسا» الاستعمار الفرنسي الجديد للجزائر

«حزب فرنسا» أو من يعرفون بـ«الضباط الجانفيين»، نسبة إلى شهر جانفي أي يناير، وهم الضباط المتهمون بالفرار من الجيش الفرنسي للالتحاق بالثورة التحريرية قصد اختراقها، في ما عرف تاريخيًّا بخطة «ديجول»، ويقدّر المؤرخون عددهم بـ 520 ضابطًا، وقد قادوا انقلابًا على الرئيس الشاذلي بن جديد في 12 من يناير عام  1992، وأبرز هؤلاء نجد الجنرال خالد نزار وزير الدفاع في الفترة ما بين عامي 1990 و1993، ومحمد العماري قائد الأركان في الفترة ما بين عامي 1990 و 2004، ومحمد مدين الشهير باسم الجنرال توفيق قائد المخابرات بين عامي 1990 و2015؛ والعربي بلخير وزير الداخلية في الفترة ما بين 1991 و 1992. 

بقيت قصة هؤلاء الضباط طيّ الكتمان إلى أن فجّر الوزير الأول الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي حقيقة «حزب فرنسا» في الجزائر، ومدى تغلغله في مراكز القرار، ودوره البارز في العديد من الأحداث التي عرفتها الجزائر منذ استقلالها لغاية اليوم، وذلك من خلال تأليفه لكتاب «في أصل المأساة الجزائرية.. شهادة عن حزب فرنسا الحاكم 1958- 1999»

وفي حديثه مع «ساسة بوست» يشير المؤرخ محمد الأمين بلغيث، إلى أنّ «بعض هؤلاء الضباط الفارين قدّموا لفرنسا، منذ الاستقلال إلى غاية اليوم، ما عجزت عن تحقيقه في مرحلة الاستعمار كلّها»، ويضيف بلغيث أنّ «فرنسا بعد أن فشلت في مواجهة الثورة الجزائرية عسكريًّا، اهتدت إلى حل آخر وضعه شارل ديجول، يقضي بالانتقال من فكرة الجزائر الفرنسية، أي استعمار الجزائر عن طريق الجزائريين أنفسهم».

وعلى الرغم من تخلص الجيش الجزائري من المحسوبين على «حزب  فرنسا»، في إطار العمليات التي وصفها قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح بعمليات التطهير، التي أعقبت إقالة الجنرال محمد مدين في سبتمبر (أيلول) 2015، فإنّ الكثير من المراقبين يتحدثون الآن عن أذرع سياسية وثقافية لـ«حزب فرنسا» بالجزائر، متمثلةً في التيار الفرنكوفوني في الجزائر، والذي بات المدافع الأوّل عن فرنسا ومصالحها في الجزائر. 

ومنذ بدء الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) الماضي، رفع المتظاهرون الجزائريون لافتات مهاجمة لـ«حزب فرنسا» في الجزائر، وتوالت الاتهامات لعدة شخصياتٍ من نظام بوتفليقة، كان أبرزها اتهام الأمين العام لـ«حزب جبهة التحرير الوطني» عمار سعيداني، للجنرال توفيق، بأنه رأس حربة ضباط فرنسا بالجزائر، من جهته وصف أستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة الجزائر» الدكتور سليم قلالة، رافضي الانتخابات بأنهم «حزب فرنسا الجديد بالجزائر» مبرزًا أن «حزب فرنسا» من المستحيل أن يفوز في أي انتخابات «نزيهة» تجرى في البلاد.

«مصالحها في خطر» هل تقود فرنسا انقلابًا بالجزائر؟

إذا بحثنا عن خاسر في الجزائر من انتفاضة الشعب الجزائري في فبراير الماضي؛ فلن يكون حسب الكثير من الجزائريين من هو أكثر خسارة من فرنسا؛ التي خسرت بتولي الجيش الجزائري زمام الحكم في البلاد، جزءًا من مصالحها، بدايةً بإعلان وزارة التعليم العالي توجهها لاعتماد اللغة الإنجليزية لغةً للتدريس، علاوة إلى ما أشارت إليه تقارير إعلامية فرنسية عن نيّة الجيش الجزائري قطع الطريق أمام شركة «توتال» الفرنسية، للاستحواذ على ثلث نفط البلاد.

بجانب الدعوات التي يحملها الحراك الشعبي المطالبة بضرورة القطيعة مع فرنسا ومصالحها، إلى أهمّ محور وهو انهيار النظام السابق، الذي كان يعد أكثر الأنظمة التي تعاقبت على حكم الجزائر تبعيةً وحفاظًا على المصالح الفرنسية بالجزائر. وأمام هذا الوضع رفعت مطالب مناوئة للقيادة العسكرية، المتهمة الأولى في الوضع الحالي، وهي المطالبات التي تناولتها الصحافة الفرنسية بتغطية واسعة، إذ يوجد على الأراضي الفرنسية غالبية المهاجمين للجيش الجزائري وقيادته.

ومن بين الدعوات إلى الانقلاب، والتي طفت على السطح هذه الأيام، دعوات الجنرال المتقاعد ووزير الدفاع الأسبق خالد نزار، التي طالب فيها بوضع حدٍّ للقيادة الحالية للجيش، والتي – حسب نزار- اختطفت الحراك، كذلك هدّد نزار برفع دعاوي دولية ضدّ قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح بسبب دوره في الحرب الأهلية إبان قيادته للقوات البرية، وقوبلت هذه الدعوات برفضٍ وتوجسٍ الجزائريين؛ إذ بات شبح الانقلاب من جراء تزايد هذه الدعوات يخيّم على تفكير الجزائريين.

متظاهرون غاضبون يرفعون لافتة النظام إرحل

متظاهرون غاضبون يرفعون لافتة النظام ارحل

وفي حديثه مع «ساسة بوست» أبرز الناشط السياسي والقيادي في «حركة عزم الجزائرية»، الأستاذ فاتح ماضي أنّ: «اسم خالد نزار قد اقترن في أذهان الشعب بالنفوذ الفرنسي، فقد أصبح أحد رموزه. لذلك من الطبيعي أن تصريحاته تصبّ في دلو الحملة الفرنسية على قيادة المؤسسة العسكرية».

مضيفًا: «من المؤكد أن فرنسا لن تتنازل عن الجزائر ببساطة؛ وذلك بسبب مكانة الجزائر الاستراتيجية وما لها من ثروات، بالإضافة إلى رصيدها التاريخي الذي يؤرق فرنسا. فلو رجعنا بالتاريخ لقرنين فقط لوقفنا على الوجه الحقيقي للدولة الجزائرية بعزها، وقوتها، ونفوذها، ومكانتها»، مشيرًا في الأخير إلى أنّ التدخل الفرنسي في الجزائر سيترنّح من تضييق اقتصادي إلى مواجهة مباشرة تحت أي غطاء أو ذريعة، على حد قوله.

من جهته يرى المحلل السياسي والمدوّن المهتم بالقضايا العسكرية أمين وناس في تصريحه لـ«ساسة بوست»، أنّ تصريحات خالد نزار المهددة بالانقلاب، وحتى فتح ملف «العشرية السوداء» تشير إلى أنّ «معسكر النفوذ الفرنسي يعيش أتعس أيامه وربما آخرها؛ فقد فقدوا كل بوصلة وكل إحداثيات مراكز القوة، فأغلبهم في السجون، أو محالين إلى التقاعد، أو هاربون في فرنسا».

مبرزًا أنه «من الطبيعي جدًّا أن تدرك الدوائر الفرنسية جيدًا طبيعة الصراع وتوجهات القيادة العسكرية الحالية بأنها معادية لمصالحها، لحد الآن فرنسا لا تنال صفقة سلاح واحدة، الجيش يركز بقوة في تعاملاته العسكرية مع الدول  العظمى».

وعن سيناريو الانقلاب بدعمٍّ فرنسي، يشير وناس إلى أنّ: «فرنسا لها مراصدها التي تشير إلى صدام محتمل مع الجزائر؛بسبب توجهات القيادة العسكرية الحالية، من الطبيعي أن تحاول زعزعة استقرار الجيش وتسهيل عملية انقلاب تتخلص به من النواة الصلبة الحالية. لكن كل المؤشرات توحي بالعكس، فمؤسسة الجيش اليوم لم تعرف تماسكًا في نواتها الصلبة، ولذلك احتمال الانقلاب يملك نسبة شبه منعدمة حاليًا بمثل هذه المعطيات».

«فعلتها من قبل».. فهل تسعى الإمارات والسعودية إلى إفشال الحراك الشعبي بالجزائر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد