قبل يومين ذهب وزير شؤون النازحين اللبناني صالح الغريب (المقرب من الزعيم الدرزي المؤيد للنظام السوري طلال أرسلان) في جولة إلى منطقة الشحار الغربي قرب مدينة عالية بجبل لبنان. وقبل وصوله إلى حيث أراد، اشتبك موكبه مع حشد من مناصري «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ما أسفر عن مقتل اثنين من مرافقي الوزير. بيد أن هذه العملية التي شكلت أول تهديد أمني للحكومة الحالية؛ لم يكن المقصود فيها الغريب لشخصه، بقدر ما كانت اعتراضًا على زيارة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إلى المنطقة ذات النفوذ القوى لوليد جنبلاط، زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي»، المراهن دومًا على سقوط النظام السوري، و«العدو اللدود» لباسيل.

يمضي جبران باسيل منظمًا كربطة العنق خاصته نحو تحقيق هدف معين، وهو الوصول إلى كرسي الحكم في لبنان، تارة بإثارته النعرات الطائفية لجلب رضا اليمين اللبناني المتطرف، وتارة بافتعال الاستفزاز الميداني مثل ذهابه إلى المنطقة السابقة وهي منطقة مسيحية تقع في محيط درزي لا يقبله.

لكن هل يحقق جبران أهدافه أم يذهب بلبنان إلى معركة كبيرة قد تصل لحد اندلاع حرب أهلية؟ سؤال يجيب عنه لـ«ساسة بوست» ثلاثة محللين سياسيين لبنانيين.

ما الذي يحدث في لبنان الآن؟

يضعنا المحلل السياسي اللبناني أحمد الأيوبي أمام ما يحدث في لبنان الآن، فيقول إن: «هناك مساع لتغيير النظام السياسي وضرب الدستور بحكم الأمر الواقع والممارسات بعد فشل فكرة المؤتمر التأسيسي خلال الفترات الماضية، بمعني أن «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» الذي يمثل وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل يلتقيان على محاربة اتفاق الطائف (تم إقراره عام 1989 منهيًا الحرب الأهلية اللبنانية بعد أكثر من 15 عامًا على اندلاعها) ورفض نتائجه التي تجسدت في الدستور اللبناني».

ويوضح الأيوبي أن كل ما يجري الآن من محاولات تسعير نار الخلافات الطائفية بقيادة باسيل هي عبارة عن مسارين متوازيين متكاملين، المسار الأولى سياسي؛ يتم من خلال فرض وقائع تضرب صلاحيات رئيس الحكومة، مثل حصر التعينات في جلسات يرأسها رئيس الجمهورية، ومنع رئيس الحكومة من ممارسة صلاحياته بخصوص التعينات وإدارة الحكم.

ومسار آخر ميداني يتجسد في استهداف «رجالات الطائف»، على رأسهم زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، الذي يمثل عقبة في وجه تغير النظام السياسي، أولًا بوصفه زعيم طائفة لها تاريخ متجذر في لبنان وهي الطائفة الدرزية، ثانيًا لحيثيته السياسية التي لا يستطيع أحد تجاوزها بأي شكل. إذ يتم استهداف جنبلاط بإرادة مشتركة من «حزب الله» والنظام السوري وباسيل بشكل مباشر. كذلك هناك استهداف لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الذي تم استهدافه لحد اتهام باسيل له بأنه «بلطجي» وسط تشجيع ضمني من «حزب الله»، مما يدل على أن المطلوب هو التصفية السياسية لقيادات اتفاق الطائف.

بيد أن الأكاديمي والمحلل السياسي اللبناني وليد فخر الدين الذي يصف استفزاز باسيل في حادثة الذهاب لمنطقة الجبل آنفة الذكر، بأنه منظم وليس عبثيًّا كما يعتقد البعض، يؤكد أن لبنان: «يعيش مرحلة حرجة جدًا سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، فالمحرك الأساسي للسياسة اللبنانية هو ميليشيا «حزب الله» التي أخذت بعض القرارات، ومنها تصفية كل من هو معاد لنظام الأسد في لبنان».

وينفي فخر الدين خلال تصريحه لـ«ساسة بوست» أن تذهب الأمور في لبنان الآن نحو الانفجار الكبير، لكون الهدف الآن هو محاولة حصار وليد جنبلاط وما يمثل من موقف معاد للسياسية الإيرانية في لبنان، ويستدرك قائلًا: «ذاهبون نحو توتر كبير، وإنهاء لكل مؤسسات الشرعية اللبنانية»، مضيفًا: «باسيل يتمتع بدعم قوي من حماه (والد زوجته) رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، والدعم الأكبر هو دعم «حزب الله» له، الذي يعتبر أن تحريك الشارع اللبناني قد يفيد إيران في أي صراع  محتمل مع دول المنطقة».

إجراءات تقشفية وإضرابات.. هل يقف لبنان على حافة الإفلاس؟

هوس الزعامة المسيحية يسيطر على باسيل

يجمع المراقبون للوضع اللبناني أن وزير الخارجية جبران باسيل أصابه هوس الزعامة المسيحية التاريخية، فهو يريد أن يكون أقوى من قائد مليشيا القوات اللبنانية السابق بشير الجميّل، ويريد أن يكون عهد «حماه» ميشال عون  مقدمة لوصوله للسلطة. لذلك يعتبر أن أفضل طريقة لترسيخ وضعه زعيمًا مسيحيًّا لبنانيًّا؛ هي إثارة النعرات الطائفية وإدارة الحروب السياسية وخلق الاستفزازات الميدانية الداخلية.

وليد جنبلاط يحيط به نواب لبنانيون

يرى الأكاديمي والمحلل السياسي اللبناني وليد فخر الدين أن باسيل يسعى إلى تصدر زعامة الساحة المسيحية في لبنان، وأن يصبح المرشح الوحيد ذي الثقل المسيحي لرئاسة الجمهورية عند انتهاء ولاية ميشال عون، وأنه يُصعد لوضع خطاب متناسق مع خطاب اليمين اللبناني المتطرف، القائم على الحقد والكره لكل الأجانب في لبنان وفي مقدمتهم اللاجئون السوريون والفلسطينيون.

ويتابع لـ«ساسة بوست»: «لذلك هو يهاجم كل من يقف في طريقه سواء في الساحة المسيحية أو ما تبقى من قوى «14 آذار» أو غيرها، ويهاجم بشكل أساسي «العدو التاريخي» وليد جنبلاط. بل إن باسيل لا يستثني حتى حلفاء سوريا في لبنان «حركة أمل» وغيرها باعتبار أن هذا الهجوم يكسب تأييد بعض اليمين المسيحي اللبناني».

أما المحلل السياسي اللبناني نضال السبع، فيشير إلى أن باسيل يحاول استحضار خطاب بشير الجميّل، وهو خطاب من الممكن أن يكون مناسبًا لزمن الحرب، حين كان بعض المسيحيين المتشددين المنخرطين في الحرب يصفقون للجميّل.

مضيفًا: «لكن حتى حالة الجميّل داخل المجتمع المسيحي اللبناني؛ ليست حالة عامة، بل حالة صغيرة داخل الطائفة المارونية، فهناك أقطاب آخرون يرفضون هذا الخطاب مثل آل فرنجية والعديد من العائلات المارونية»، كما أن خطاب باسيل الذي يقصيه عن باقي الطوائف الأخرى -بحسب السبع- هو خطاب مخالف لما أعلن عنه الرئيس عون عندما أطلق خطابًا وطنيًّا داخل التيار الوطني الحر يضم كل الطوائف اللبنانية.

وينوه السبع خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن: «باسيل لديه قناعة أن الخطاب المتشدد المسيحي تجاه الآخر من الممكن أن يجلب له الأصوات، وهو يستلهم شخصية الجميّل ونفس الخطاب الذي كان يطرحه ضد الفلسطينيين والسوريين وضد الآخر المسلم، لتكوين رمزية داخل المجتمع المسيحي الضيق، ولكن هذا الخطاب لا يوجد مبرر أن يطرح في زمن السلم، هذا الخطاب على المدى المستقبلي سيضعف حتمًا التيار الحر الذي يمثله باسيل، لأنه عمليًا يتبنى أطروحات غير مقبولة لبنانيًا».

هل يصل جبران باسيل إلى كرسي الحكم في بعبدا؟

تعمد «الحزب التقدمي الاشتراكي» والقوات اللبنانية (حلفاء الحرب كما يسمون في لبنان) رفع أعلامهم في كل المناطق التي زارها باسيل في الجبل اللبناني، الأمر الذي كان بمثابة رسالة واضحة أنهم يرفضون أن يكونوا جزءًا من السياسة الذي يخوضها وزير الخارجية اللبناني.

باسيل مع بطريرك أنطاكية بشارة بطرس الراعي

يتفق المحلل السياسي وليد فخر الدين مع ما سبق ذكره، ويتوسع نحو التأكيد أن باسيل أصبح يشكل خطرًا على اللبنانيين كافة بتبنيه خطاب الكراهية والعنصرية، فمحاولة حصار اللاجئين السوريين في لبنان ستؤدي إلى انفجار محتمل وتأزيم مع كافة الفرق اللبنانية، كما أن هناك فريقًا واسعًا من اللبنانيين يعتقد أن باسيل يهدد أسس السلم الأهلي في لبنان الذي عانى البلد كثيرًا من أجل تحقيقه.

فيما يرى المحلل السياسي اللبناني نضال السبع أنه حتى محاولات باسيل لخوض معركة رئاسة الجمهورية من خلال الخطاب الطائفي ومنافسة سمير جعجع (أبرز المشاركين في الحرب الأهلية اللبنانية) هو أمر لن يحقق أهداف باسيل، مستدركًا: «حتى هذه اللحظة فجعجع الذي كان يقود القوات اللبنانية، وكان أحد أركان الحرب، ومقربًا من الجميّل، لا نراه يتبنى هذا الخطاب أو يتحدث عنه بالمطلق. وإنما يتحدث عن خطاب الإجماع الوطني اللبناني، لأن مرحلة الحرب غير مرحلة السلم، واعتماد أي طرف في خطابه على طائفته لن يوصله لأي مركز متقدم في لبنان».

وبالعودة إلى المحلل  فخر الدين الذي يعتقد أن من يملك خلق نوع من التوزان الداخلي في لبنان هو رئيس الحكومة سعد الحريري، يقول «يستطيع الحريري التحرك لحل الأزمة الحالية، لكن أعتقد أنه إذا بدأ في المواجهة فستكون التكلفة كبيرة في ظل الوضع الحالي، إذ سيكون هو المستهدف الثاني بعد وليد جنبلاط وسمير جعجع وبشكل أخف بقية القوى الموجودة».

ويضيف: «لبنان بحاجة لوجود موقف دولي واضح من باسيل الذي يتجاوز الخطوط الدولية، فهو يتفق مع الأوروبي أو الأمريكي على شيء ويمارس خطابًا آخر مغايرًا لما اتفق عليه، كأن يتلقى الدعم في مؤتمر سيدر الذي عقد باريس على خلفية كون لبنان دولة داعمة للاجئين، ثم يهاجم هو علنًا وجود اللاجئين».

لكن ما هو مصير لبنان في حال وصل جبران باسيل لكرسي الحكم؟ يجيبنا عن هذا التساؤل المحلل السياسي اللبناني أحمد الأيوبي بالقول: «وصول شخص مستفز لشريحة كبيرة من اللبنانيين مثل باسيل للحكم حتى لو تمتع بأغلبية نيابية، سيعني عهدًا مضطربًا تمامًا كعهد إيميل لحود (رئيس الجمهورية اللبنانية من 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998 إلى 23 نوفمبر 2007)، وهو ما يعرض لبنان لخطر الانزلاق المأساوي نحو الانهيار الاقتصادي الذي يهدد لبنان حاليًا، إذ لا يتمتع لبنان بأي حصانة مالية».

مترجم: كيف ينتهي صراع النفوذ السعودي- الإيراني المشتعل في لبنان؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد