أنباء تشير إلى سعي سعد الحريري للعودة لمنصبه، وأنباء أخرى عن محاولات أخيه بهاء للحصول على دور سياسي، فهل نشهد عودة أحد أفراد عائلة الحريري لرئاسة الحكومة اللبنانية؟

بعد هدنة إجبارية فرضها انتشار وباء الكورونا، الذي ألزم الجميع بالبقاء في المنازل، عادت الاحتجاجات والاعتصامات لكافة المدن اللبنانية من جديد تحت وطأة الظروف الاقتصادية، بعدما فقدت الليرة نحو 70٪ من قيمتها منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، واتفق اللبنانيون على تجاهل الفيروس بعدما أصبح الجوع وباءً أشد فتكًا.

هتافات إسقاط الحكومة اللبنانية، وتجميد المفاوضات الجارية مع صندوق النقد للحصول على قرض ينعش الاقتصاد المتأزم على خلفية تجدد الاحتجاجات، أعاد البعض للتفكير في إعادة سعد الحريري، رئيس الوزراء المستقيل، لمنصبه من جديد، باعتباره المخرج الأكثر أمانًا للبنان من الأزمة الحالية.

ما هي احتمالية عودة «الشيخ سعد»، كما يعرف في لبنان، لمنصبه؟ أو حتى وصول فرد آخر من أسرة آل الحريري للمنصب؟ وما الذي يجعل البعض يعتقد أن هذه الأسرة قد تمنع انهيار البلاد اقتصاديًا؟ نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في السطور التالية.

رجل «التربية والتعليم» يقف عاجزًا أمام مطالب متظاهري لبنان

تصاعد الغضب من جديد في شوارع لبنان، وعادت الاحتجاجات لكافة مدنها، بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وتردي الأحوال المعيشية، إثر تهاوي العملة المحلية إلى 5 آلاف ليرة مقابل الدولار.

هي الأسباب ذاتها التي دفعت اللبنانين للاحتجاج، أول مرة، في 17 أكتوبر الماضي، والتي استمرت حتى بعد اختيار حسان دياب لمنصب رئيس الوزراء. لكن شاب الاحتجاجات هذه المرة قطع للطرقات بالإطارات المشتعلة، وبعض أعمال الشغب في وسط بيروت، ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بإسقاط السلطة الحالية، التي اتهموها بتجويع الناس.

الربيع العربي

منذ 8 شهور
بين التدخلات الخارجية والطوائف الداخلية.. تعرف إلى خريطة الحكم في لبنان

غير أن السلطة ممثلة في حسان دياب، رئيس الوزراء، لم تحمل جديدًا في تجاوبها مع مطالب المتظاهرين غير الدعوة لمزيد من الصبر؛ «لأن المعركة مع الفاسدين صعبة، وهؤلاء لن يستسلموا بسهولة»، ووعدت بالكشف عبر الوثائق عن هذا الفساد والمختبئين في زواياه قريبًا.

حسان دياب الرجل ذو الخلفية الأكاديمية، والمدعوم من حزب الله، الذي جاء بديلًا لسعد الحريري المُستقيل من منصبه، بعد اعتذارات من ثلاثة مرشحين سبقوه، يقف عاجزًا أمام أزمات بلاده التي تتفاقهم، ولا يملك سوى اتهام المعارضة بالتحريض على الاحتجاجات ومحاولة الانقلاب عليه، دون أن يكون محددًا في من هُم هؤلاء الذي يقصدهم.

شغل دياب منصب وزير للتربية والتعليم العالي بين عامي 2011 و2014 خلال حكومة نجيب ميقاتي، وقال في حوار سابق عام 2011 مع «الأخبار»: «التربية مجالي واختصاصي، لا لأني أستاذ جامعي فحسب، بل لأنني أشغل هذا المنصب بالذات، ولدي فكرة واضحة عن المطلوب وما هي المشاكل».

يٌضاعف من صعوبة مهمة الرجل، الذي عمل أستاذًا جامعيًا في الجامعة الأمريكية اللبنانية، غياب الخلفية السياسية عنه، التي تجعله غير قادر على التجاوب مع أزمات بلاده التي يشكل الجانب السياسي بعدًا أساسيًا فيها، وبالأخص القدرة على جلب دعم خارجي من دول الخليج التي لم توافق عليه منذ بداية تعيينه.

في مؤشر على فشل الرجل المتوقع من دول الخليج، نقل عبدالرحمن الراشد، الكاتب السعودي، والمُقرب من الأسرة الحاكمة، عن مصادر دولية: «يقول أحد المعنيين بالشأن اللبناني، دوليًا هناك 9 مليار دولار تنتظره، يمكن أن يحصل عليها لبنان فورًا إن وافق على إصلاحات حكومية، تشمل تحرير الجمارك والمطار والموانئ من سلطة الحزب، وكذلك عشرات الوزارات والخدمات التي أصبحت موردًا ماليًا للميليشيات، وليس للحكومة. هل يستطيع؟ على الأرجح لا».

سبب آخر يراكم صعوبة مهمة دياب، ويجعلها مستحيلة، هي غياب الدعم الكامل من الطائفة السنية، التي رأته «منشقًا» عنها، عقب قبوله منصب رئيس الوزراء، إلى جانب تشكك صحيفة «الأخبار» المقربة من «حزب الله»، الداعم الرئيس له، في قدرته على النجاح في هذا المنصب.

هل سيعود «الزعيم السني الأقوى» لمنصبه؟

يطرح تأزم الوضع الداخلي في لبنان، وصعوبة مهام حسان دياب، الذي يراه البعض في الدول الخليجية الداعمة للبنان ماليًا، بأنه من «سنَّة حزب الله»، تساؤلات حول احتمالية عودة سعد الحريري لمنصبه الذي ورثه عن والده، خصوصًا مع تزايد المطالبات بعودته من جانب الطائفة السنية في لبنان.

لا يزال الحريري يتمسك بعدد من الأوراق الرابحة التي تؤهله للعودة لرئاسة الحكومة اللبنانية، الذي استقال منه بعد «انتفاضة أكتوبر» دعمًا لمطالب المتظاهرين.

أبرز هذه النقاط هو تمسك مفتي الجمهورية اللبنانية باختياره ممثلًا للطائفة السنية، كما نقل عنه سمير الخطيب، المُرشح السابق للمنصب عقب لقائه، والذي ذكر أن «صاحب السماحة هو من داعمي الرئيس سعد الحريري الذي يبذل جهودًا للنهوض بلبنان، ويدعم دوره العربي والدولي الذي يصب في هذا الإطار».

الورقة الثانية هي قدرة الحريري على توفير الدعم المالي الخارجي – خاصة من دول الخليج – لتجاوز الأزمة الاقتصادية، وهو ما أشار له بشكل غير مباشر في كلمته بمناسبة مرور 15 عامًا على اغتيال والده، قائلًا: «لبنان لا يمكن أن يستمر اقتصاديًا بمعزل عن دعم الدول الصديقة والمانحة والمؤسسات المالية الدولية، وفي ظل غياب الثقة مع الدول العربية وفي مقدمتها مصر، والسعودية والإمارات، والكويت، وباقي دول الخليج العربي».

من جانبه يقول وسام جاد، الباحث الاقتصادي وعضو الحزب الشيوعي اللبناني، لـ«ساسة بوست» إن العائق الوحيد المحتمل أمام عودة سعد الحريري لمنصبه الجديد، هو صعوبة قبول ميشال عون و«حزب الله» لعودته، بعد رفضه الضغوط التي مورست عليه من جانبهم للبقاء وعدم الاستقالة خلال «انتفاضة تشرين»؛ فهم يعتبرون استقالته «طعنة في ظهرهم»، وأوضح جاد أن من خلال معرفته بكيفية تفكير عون وتعامل الحزب مع هذه حالات، فمسألة عودة الحريري أمر مستبعد، في المرحلة الحالية على الأقل.

ولهذا يتوقع جاد أنه ربما يأتي شخص آخر انتقالي قبل العودة للحريري، مثل نجيب ميقاتي، حال تمسك الخارج بالحريري الابن، مؤكدة في الوقت ذاته أن الشارع، مع الانهيار الكبير في الوضع المعيشي، قد يخرج عن السيطرة ولا يترك فرصة لأية صفقة.

لكن جاد يستدرك قائلًا: «إن القضية الوحيدة التي قد تغير الأزمة كاملة، وتفرض اعتبارات جديدة في معادلة الحُكم، هي الانتخابات الأمريكية المُقبلة، وتحديدًا في حال صعود جون بايدن، واتباع إدارته إستراتيجية للتخفيف من العقوبات المفروضة على حزب الله، ودعم صعود رجل سني آخر خلاف الحريري».

يتفق مع الرأي السابق، مُطيعة هلاك، الصحافية اللبنانية المُقيمة في طرابلس، التي تستبعد عودة الحريري في المرحلة الحالية، لكنها تؤكد، في الوقت ذاته، أنها ستتم على الأقل في القريب المنظور.

وتُضيف هلاك في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن هناك مطالبات في الشارع السنّي بعودته بما أنه الزعيم السنّي الأقوى، حتى مع تراجع قوته السياسية والمالية التي كان يتمتع بها والده، موضحًا أن الخارج والخليج يتعاملون مع لبنان على أنه تحت سيطرة «حزب الله»، وبالتالي لا يمكنهم فرض ما يريدون.

عربي

منذ 4 أسابيع
مترجم: ظهور الأخ الأكبر.. لماذا عاد بهاء الحريري للساحة اللبنانية الآن؟

وتتابع هلاك أنه اذا كان لا بد عن الإطاحة بحكومة حسان دياب فسيكون الأخير هو «كبش المحرقة». وتؤكد الصحافية اللبنانية أن المعادلة التي رسخت بعد عودة عون من المنفى وتحالفه مع «حزب الله»، هو أن تكون المناصب الثلاثة الكبرى للأقوى في كل طائفة: عون وحزبه هم الأقوى عند المسيحيين، الحريري الأقوى عند السنّة، ثنائي حزب الله ونبيه بري هو الأقوى عند الشيعة. وأكدت هلاك أن نقض الحريري لهذا الاتفاق عبر استقالته في انتفاضة 17 أكتوبر يمثل خرقًا لهذه التسوية.

يعزز صحة رواية فرص عودة الحريري للمنصب من جديد، الاتصالات الدولية التي بدأها مع عدد من المسؤولين الدولين أبرزهم السلطات الفرنسية التي زارها؛ للحصول على ضمانات تتيح له الدفع بالبلاد للعبور من هذه الأزمة المالية حال عودته للمنصب من جديد.

غير أن مسألة تأخير عودة الحريري لحين ترتيب الأوضاع، كما رجح جاد، تتفق مع المعلومات التي نقلها مصدر مُطلع لموقع «عربي بوست» حول نصح المسؤولين الفرنسيين له بالتريث لحين نضوج شكل المرحلة القادمة، بعد أزمة كورونا والانتخابات الأمريكية.

بهاء الحريري.. بديل سعد الذي يبحث عن دور سياسي

أعادت الاحتجاجات في الشارع اللبناني وجهًا غائبًا عن الساحة السياسة، هو بهاء الحريري، شقيق رئيس الوزراء المُستقيل، الذي ظل حضوره متوسطًا في السنوات الماضية، يقفز في المشهد حال تعثر فرص بقاء شقيقه، أو تأزم وضع بلاده الداخلي.

بهاء، الشقيق الأكبر لسعد، الذي ذاع صيته في مجال الثروة والأعمال التجارية أكثر من ميدان السياسة، فظهر اسمه في صفحات المال بين الأكثر ثراء في السعودية والعالم العربي بمليارات الدولارات التي تتوزع في قطاعات استثمارية تمتد من المحيط إلى الخليج.

كانت المرة الأولى لظهور بهاء في ميدان السياسة مرشحًا لخلافة شقيقه سعد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد احتجاز الأخير من جانب السعودية، التي طرحت اسم بهاء بديلًا لشقيقه، وحاولت استدعاء عدد من أفراد أسرته لمبايعة بهاء، لكنهم رفضوا.

أمام الضغوط الدولية على الرياض للإفراج عن سعد، ورفض أسرته مبايعة بهاء، وتمسك التيار السني بسعد، تخلت السعودية عن بهاء «الأكثر تشددًا» من شقيقه الأصغر، والذي كان يستعد لاقتناص الفرصة.

بعد هذه المحاولة التي لم تكتمل في الدفع ببهاء، عاد الأخير لعالم الأعمال من جديد، متحينًا فرصة أخرى لخلافة شقيقه الأكبر، حتى تهيأت الظروف في المرحلة الحيالة، عقب استقالة شقيقه، وفشل حسان دياب في مهامه حتى الآن، وسط مطالب بعودة آل الحريري للمنصب.

كان الظهور هذه المرة من خلال منتديات عقدتها مجموعات موالية لبهاء، روجت لأحقية خلافته لسعد في منصب رئيس الوزراء، كالمنتدى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، المدعوم ماديًا من بهاء، الذي قال: إن بهاء «لديه مشروع سياسي، مشددًا على تشدده في التعامل مع «حزب الله» وكافة القطاعات الموالية له، خلافًا لنهج شقيقه الذي ابتع خطًا دبلوماسيًا مع قادة التنظيم».

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
النيوليبرالية.. السر وراء أزمات لبنان الاقتصادية التي بدأها رفيق الحريري

تأكدت هذه المحاولات مع ما نشره جيري ماهر، مستشار بهاء الإعلامي السابق، في صحيفة «العرب نيوز» السعودية، وقال: إن «بهاء قد يكون هو المنقذ لبلاده من الأزمة التي تعيشها»، معتبرًا أن بهاء يتفوق على كافة منافسيه في تشدده مع الفاسدين وعلاقتهم مع حزب الله.

وتخلَّلت العلاقة بين بهاء الشقيق الأكبر وسعد خلافاتٌ كُبرى، كان أبرز مظاهرها فض الشراكة التجارية بينهما، وبيع بهاء حصّته في الشركات التابعة لشقيقه سعد، وتأسيسه إمبراطوريته المالية الخاصة به، إلى جانب انتقاد أداء شقيقه سعد دومًا عند الدول الخليجية، والجهر باستيائه من سياسته المهادنة مع «حزب الله».

من جانبها ترى هلاك، أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية في لبنان أن «بهاء الحريري بدأ يظهر جدّيًا راغبًا في تأدية دور ما، موضحًا أن المشكلة في بهاء أننا (اللبنانيون) لا نعرفه، ولا أحد يعرف توجهاته وعلاقاته، وليس جزءًا من العملية السياسية، ومن الصعب القبول به من جانب الطائفة السنية على خلاف شقيقه. وأوضحت أن علاقة بهاء مع سعد سيئة، ويعتبر أنه ربما خطف منه الفرصة بعد اغتيال والدهما.

المصادر

تحميل المزيد