سمعنا كل هذا من قبل؛ العراق على شفا التفكك، التوتر الطائفي والعنف في ازدياد مطرد، تنظيم القاعدة يعيث فسادًا في الأرض عبر البلاد والأكراد يهددون بالانفصال، والبنية السياسية في زمن ما بعد صدام لم تجلب الديمقراطية، ولكنها أتت برجل استبدادي آخر هو نوري المالكي، فبينما يخرج العراق من انتخابات جديدة ويجري الإعداد لبدء عملية معقدة لبناء ائتلاف، يتم إعادة تدوير كل هذه المزاعم من جديد.

ولكن هذه المرة، ثمة أكثر من سبب يدعو للقلق، فخلال الولاية الثانية للمالكي في السلطة، ظهر اتجاهيان جليان يمنحان تلك المزاعم أبعادًا جديدة: فتراجع مستويات الثقة والتعاون بين النخبة السياسية، وتدهور الوضع الأمني، يقترب كلاهما بسرعة من الخطوط الحمراء الحرجة، ولكن حال عودته إلى السلطة – وهو ما يبدو في هذه المرحلة احتمالاً واضحًا – يمكن أن يثير ذلك أزمة سياسية كبيرة ويزيد من مستوى العنف، وفي سيناريو أسوأ، فقد يؤدي ذلك إلى تفكك البلاد في نهاية المطاف.

الاتجاه الأول الخاص بانهيار الثقة السياسية وعدم الرغبة في التعاون مع المالكي مجددًا، بُحث بشكل تفصيلي خلال المناقشة الأخيرة رفيعة المستوى التي عقدها معهد الشرق الأوسط في أربيل، وعلى خلفية استيائهم من أجندة الإصلاح المتوقفة وفشل المفاوضات بشأن قانون النفط والغاز، فإن السياسيين من مختلف المشارب يزداد نفورهم بسبب إصرار المالكي على مركزية السلطة، وحجب التعيينات في الوزارات الرئيسية وتوطيد سيطرته الشخصية على الدولة المثقلة بالديون.

وبينما لا يزال كل من زعماء السنة والأكراد على استعداد للاتفاق مع نظرائهم الشيعة بشكل عام، فهم لا يعتقدون أنه بوسعهم الاتفاق مع المالكي، وكانت النتيجة انخفاض شرعية الدولة في المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية، وفتح الباب أمام رجال القبائل السنية وعناصر القاعدة الذين هم على صلة بالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) للاستيلاء والسيطرة على أراضي الدولة، كما دفع أيضًا إلى قيام الأكراد بتحركات سياسية عالية المخاطر؛ حيث وقعوا عقود تصدير النفط بشكل مستقل عن الحكومة المركزية وعانوا من تخفيضات مؤلمة في الميزانية.

عراقيل أمام الاستقلال؟

كثيرًا ما حذر رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، من صنع عراقيل أمام الاستقلال، ولكن عادة ما تعتبر تلك التصريحات مخادعة لأن التكاليف السياسية والاقتصادية التي سوف يدفعها الأكراد في منطقة تعارض في الغالب مثل هذه الخطوة ستكون باهظة.

ولكن إذا كان الأكراد يفترضون أن ولاية أخرى للمالكي ستؤدي إلى تفكك العراق على أي حال، فقد يعتقدون أن خسائرهم ستكون أقل إن امتلكوا زمام الأمور وتحركوا في هذا الاتجاه عاجلاً وليس آجلاً.

كما حذر الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، من ثورة شعبية إذا تم إعادة انتخاب المالكي؛ حيث ذكرت تقارير أن رجال دين شيعة في مدينة النجف الأشرف يشعرون أنهم بلغوا طريقًا مسدودًا في التعامل معه، وكان آية الله السيستاني قد كسر صمته مؤخرًا وحذر من أنه قد يجري تزوير الانتخابات في إشارة ضمنية إلى المرجعيات الدينية الشيعية بعدم إعادة انتخاب المالكي، وهكذا تبدو جميع الأطراف المعنية في العراق أنها خلصت إلى أن أربع سنوات أخرى من السياسات الاستبدادية للمالكي من شأنها أن تضعف المسار الديمقراطي في البلاد.

ورغم كل ما سبق فقد يحقق المالكي النصر في الانتخابات، فمزايا شغل الوظائف الحكومية من قبل فاسدين، تكفل له السيطرة الكاملة على قوات الأمن وامتياز الوصول إلى خزائن الدولة، مما يرجح الكفة بشدة لصالحه، علاوة على ذلك، فإن ارتفاع مستوى انعدام الأمن والطائفية في عهده تسبب في انهيار التحالفات الانتخابية الشاملة السابقة، مما أدى إلى تفكك المشهد السياسي وصعوبة بناء كتلة تصويتية يمكنها الإطاحة به، ويمكن حينها أن يقدم المالكي نفسه على أنه علاج لمشكلة انفصال الأكراد والتطرف السني الذي فعل هو الكثير لتأجيجه.

وعلى أقل تقدير، فإن عملية تفكيك الائتلاف الحاكم المقبل من المرجح أن تستغرق مدة طويلة جدًّا وستكون مثيرة للجدل، وسوف تضمن فترة طويلة من الضبابية السياسية في العراق في لحظة تحتاج فيها الأزمة في سوريا المجاورة عكس ذلك تمامًا.

إن تمدد الأزمة السورية يزيد من حدة الاتجاه السلبي الثاني الذي يهدد العراق، وهو تدهور الأوضاع الأمنية، فقد تضاعف عدد الضحايا في العام الماضي ويبلغ الآن حاجز 1000 قتيل في الشهر، وهو أعلى معدل شهدته البلاد منذ الأيام الأخيرة من الحرب الطائفية التي اندلعت في أواخر عام 2007، كما أن إنشاء قاعدة إقليمية آمنة لتنظيم داعش في دير الزور والرقة ومدن حلب في سوريا ينعكس في صورة تمدد وجود ذلك التنظيم في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين على الجانب العراقي من الحدود.

توسع الأزمة السورية وانتقالها إلى العراق

لم يسيطر تنظيم داعش على مدينة الفلوجة السنية الرئيسية خلال الأشهر الأربعة الماضية فقط، ولكنه الآن يضع نصب عينيه السيطرة على المنشآت النفطية الواقعة بالقرب من مدينة كركوك، والتي كانت محور سلسلة من النزاعات الإقليمية التي استمرت زمنًا طويلاً بين الأكراد وبغداد، وأي تزايد في حدة التوترات بين الأكراد والعرب تؤدي إلى اشتباكات بينهما، يمكن أن يزيد من فرص اختراق التنظيم للمنطقة، وهذا قد يساعد على تعميق حدة التصدعات العرقية والطائفية في البلاد بما يقوض سلامتها.

في نهاية المطاف، قد يكون للقوى الخارجية – إيران تحديدًا – القول الحاسم في ما إذا كان العراق لا يزال ينحدر بشكل خطير في ظل حكومة المالكي، أو النضال مرة أخرى نحو مسار السياسة الشاملة، لقد كان تدخل طهران في عام 2010 حاسمًا لانتخاب المالكي لولاية ثانية. ولكن الإشارات الأخيرة من داخل إيران، إلى جانب الاستياء في النجف ومعسكر الصدر، يوحي بأنها قد تكون مترددة بشأن دعمه لولاية ثالثة.

منذ بداية عام 2003، كانت إيران حريصة على “دعم كل الأحصنة المشاركة في السباق” من العراقيين الشيعة، ولذلك فلديها خيارات لاستبدال المالكي إذا رأت أن سياساته تنطوي على مخاطرة كبيرة جدًّا على المصالح الأساسية المتمثلة في الاستقرار والسلامة الإقليمية، ومنع عودة العراق كقوة عسكرية إقليمية.

ولكن مع ذلك، فإنه لا يمكن الجزم بأن الحرب الأهلية السورية لا تظهر أي علامة على قرب انتهائها والعودة إلى الوضع السابق كدولة سورية موحدة، كما أن تشرذم التيارات السياسية الحاصل في العراق يمكن أن يساعد على دفعها من على حافة الهاوية السياسية التي تقف عندها الآن.

إلا أنه بإلقاء نظرة على الوضع الحالي في سوريا فمن الواضح أن حاملي البنادق على الأرض يخلقون وضعًا مقلقًا مشابهًا لذلك. وفي حين أنه يمكن القول بأن سوريا تقترب من نقطة اللاعودة، فإن العراق لم يصل إلى تلك المرحلة حتى الآن. ولكن نتائج هذه الانتخابات قد تحدد ذلك، فقد صرح رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني بأن “العراق يتفكك”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد