يتبنى أردان وغيره من المسؤولين الإسرائيليين اغتيال الفلسطينيين فكرًا ومنهجًا منظمًا تعاقبت الحكومات الإسرائيلية على انتهاجه، فهؤلاء رأوا أن الاغتيالات والتصفية الجسدية للفلسطينيين وسيلة فاعلة وأكثر دقة من غيرها.

«أين من وعد باغتيال هنية؟» وجه هذا السؤال وزير الاستخبارات الإسرائيلية، يسرائيل كاتس بحدة وغضب إلى وزير جيش الاحتلال أفيغدور ليبرمان، فخلقت مشادة كلامية كبيرة في اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون الأمنية «الكابينيت» الذي عقد في الأيام القليلة الماضية لمناقشة الأوضاع مع غزة.

ورفع هذا الجدال بين كاتس وليبرمان، الذي توعد باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» إسماعيل هنية، فور تسلمه وزارة جيش الاحتلال، من وتيرة التهديد بالعودة إلى اغتيال قادة جناح المقاومة في غزة ردًّا على مسيرات العودة وما تبعها من تطورات عسكرية، ففيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود قائمة بالقادة المرشحين للاغتيال، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن كون هذه العودة بديلًا عن شن عملية عسكرية واسعة ضد القطاع.

لماذا يعود خيار الاغتيالات إلى الصدارة؟

«إن 86% من الإسرائيليين يؤيدون عودة سياسة الاغتيالات ضد قادة حماس بداعي استعادة الردع، فيما رفض 14% منهم ذلك؛ كونه سيزيد الأمور سوءًا»، هذا ما خرج به استطلاع للرأي يظهر أن غالبية الإسرائيليين يريدون العودة لسياسة الاغتيالات.

القيادي في حماس خليل الحية خلال مشاركته في فعالية مسيرات العودة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

تلك ليست رغبة قطاع كبير من الجمهور الإسرائيلي فقط، إذ تؤكد المصادر الإسرائيلية أن الرغبة لدى حكومة الاحتلال بالعودة لسياسة الاغتيالات بدأت مع انطلاق مسيرات العودة في 30 من مارس (آذار) الماضي، ووصلت إلى مرحلة متقدمة، وتذكر صحيفة «هآرتس» العبرية أن هناك عزمًا لدى الحكومة الإسرائيلية للعودة لسياسية الاغتيالات، دون الخضوع لعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة.

وذكرت الصحيفة أن: «إسرائيل تتجه نحو التخلي عن وسيلة الحرب، واتباع سياسة اغتيالات قيادات حركة حماس،
فالتجهيزات للعملية بدأت بعد إعلان الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الإسرائيلي العام الشاباك، تفضيلهما عودة سياسة الاغتيالات لقادة الحركة على عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، قد تشتمل على اجتياح بري»، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في الأجهزة الأمنية لإسرائيل، قولهم إنّ: «خطط العودة إلى سياسة التصفيات والاغتيالات، قطعت مراحل متقدمة في حال قرر المستوى السياسي الإسرائيلي تنفيذه».

رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية (المصدر: رويترز)

وفي 20 مايو (أيار) الماضي، نشر موقع «ريشت» العبري قائمة محدثة بأسماء مطلوبين من القادة العسكريين لحماس، وذكر الموقع أن على رأس هذه القائمة التي تحتوي على المرشحين للاغتيال، القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، إذ بقي الضيف بالرغم من إصابته خلال محاولات اغتياله السابقة المرجعية العسكرية الأولى في كتائب القسام، فيما جاء في المرتبة الثانية نائب الضيف مروان عيسى الذي تقول إسرائيل إنه القائد الفعلي للقسام، ومنشأ وحدات كوماندوز للكتائب، وجاء الاسم الثالث لمسؤول لواء شمال القطاع في القسام أحمد الغندور، الذي تعده إسرائيل مسؤولًا عن أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، أما الرجل الرابع على القائمة، فهو قائد لواء القسام بوسط القطاع أيمن نوفل، الذي جرى تصنيفه على أنه المسؤول عن العمليات القتالية والتخطيط بوسط القطاع، وتضم القائمة أسماء أخرى متعددة.

هل تنجح سياسة الاغتيالات في تحقيق أهداف إسرائيل؟

قادة حماس الذين نقول باستمرار إنهم مسؤولون عن قطاع غزة، يجب أن يخافوا على حياتهم، يجب على إسرائيل أن تعود لسياسة الاغتيالات في قطاع غزة الليلة. *وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، في مقابلة له مع القناة الإسرائيلية الثانية.

قيادات من حماس (المصدر: رويترز)

يتبنى أردان وغيره من المسؤولين الإسرائيليين الاغتيال فكرًا ومنهجًا منظمًا تعاقبت الحكومات الإسرائيلية على انتهاجه، فهؤلاء رأوا أن الاغتيالات والتصفية الجسدية للفلسطينيين وسيلة فاعلة وأكثر دقة من غيرها، بل وصل الأمر برئيس إسرائيل السابق موشيه كتساف لتأكيد أن اغتيال كوادر فلسطينية يندرج في إطار الدفاع عن النفس، فسياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل قائمة على التخلص من الخصوم وتحقيق الردع والانتقام، وكذلك كسب الداخل الإسرائيلي عبر إعادة الثقة بالمؤسسة السياسية والأمنية.

وقد عكفت إسرائيل على استخدام التصفيات والاغتيالات بناء على مبدأ «كي الوعي» لدى الفلسطينيين بأنهم لن يحققوا شيئًا من جراء مقاومتهم، لكن هذه الرؤية الإسرائيلية لم تحقق أهدافها، بل كانت عمليات الاغتيال تظهر عادة في نظر العديد من المراقبين مدى يأس وتخبط المؤسسة الإسرائيلية وضعفها في مواجهة المقاومة الفلسطينية المتصاعدة، إذ أخفقت أساليب القمع والتنكيل، والعقاب الجماعي، والاغتيالات في قمع الاحتجاجات الفلسطينية، وفيما تريد الآن إسرائيل العودة لسياسية الاغتيالات، دون الخضوع لعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، فإن عملية اغتيال واحدة كفيلة بفتح معركة لا يعرف أحد متى تتوقف.

على سبيل المثال، خلال فترة أسر الجندي جلعاد شاليط امتنعت إسرائيل عن الاغتيالات المركّزة، خوفًا من الإضرار بشاليط، لكن في يناير (كانون الثاني) 2012، وحين كان شاليط في بيته إثر خروج في عملية تبادل أسرى مع حركة حماس، لم تتردد إسرائيل في اغتيال القائد العام لحماس أحمد الجعبري بصاروخ موجه، لكن هذا الاغتيال أدى إلى اندلاع عدوان ضخم عام 2014 على قطاع غزة.

تجربة أخرى يمكن التدليل بها على أن الاغتيالات سياسة تؤدي إلى نتائج أكثر خطورة، تعود إلى حقبة التسعينيات، حين قام القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان بمبادرة عام 1996، تقضي بالاتفاق مع حماس على وقف العمليات الانتحارية داخل إسرائيل، ودمج مسلحيها في أجهزة السلطة مقابل التزام الاحتلال بوقف الاغتيالات والملاحقات، إلا أن عدم أخذ إسرائيل بتحذير دحلان من المس بالمهندس يحيى عياش واغتياله في منتصف يناير 1996، أضاع عليها فرصة تحسين واقع اتفاق أوسلو ومجمل العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، فقد رفض جهاز الأمن العام (الشاباك) تحاشي اغتيال عياش من أجل التغطية على فشله إثر اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين.

صورة للقيادي العسكري محمد الضيف ينشرها الإعلام الإسرائيلي

إذن، طريق العودة للاغتيالات ليس مفروشًا بالورود، فجهاز الشاباك يدرك أن العودة للاغتيالات له ثمن لدى المقاومة الفلسطينية، فمن السهل في حال اغتيال أحد من قادة حماس أن ترد الحركة بمهاجمة مستوطنات غلاف غزة، وأن تفتح جبهة عسكرية جديدة في ظل عدم اهتمام الاحتلال بعملية عسكرية موسعة في قطاع غزة، حتى نهاية عام 2019، ولذلك ذكرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية: «أن العودة إلى سياسة الاغتيالات ضد قادة حماس هي عمل خطير وغير مسؤول وسيجرنا إلى حمام دم أكبر، سياسة الاغتيالات سوف تدفن أي فرصة للتسوية وستقود المنطقة إلى حرب أخرى ستدمر كل الجهود»، وتابعت الصحيفة: «لو كان أسلوب الاغتيالات هو العمل الصحيح لكانت حماس قد اختفت منذ زمن بعيد عن العالم وسجلت في كتب التاريخ، في الواقع لم تقم الاغتيالات بإخفاء أو ردع المنظمات، بل تسببت بعكس ذلك وولدت ورثة جددًا لقادة المنظمات كانوا أكثر تطرفًا وحبًا للانتقام».

تاريخ إسرائيل مع سياسة الاغتيالات

يمكنا القول إن دولة الاحتلال اعتمدت على سياسة الاغتيالات قبل تأسيسها، ففي عام 1944 اغتالت السياسي البريطاني والتر إدوارد غينيس «بارون موين الأول» الذي كان مناهضًا للهجرة اليهودية إلى فلسطين آنذاك في حقبة الأربعينيات.

سيارة القيادي بحماس أحمد الجعبري خلال اغتياله (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

لكن في ما يخص الفلسطينيين، يقول الكاتب الفلسطيني حافظ البرغوثي، إنه يمكن تقسيم سياسة الاغتيالات الإسرائيلية إلى ثلاث مراحل أساسية، المرحلة الأولى: «بدأت بعد انطلاق حركة الكفاح الفلسطيني المسلح عام 1965، والتي استهدفت القيادات الفلسطينية التي تواجدت في لبنان والأردن على طول فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وحتى توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، عام 1993»، أما المرحلة الثانية: «كانت بعد توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، وتركزت ضد قيادات حركة حماس بعد موجة من العمليات التفجيرية داخل إسرائيل، مثل اغتيال يحيى عياش قائد كتائب القسام السابق، وعادل وعماد عوض الله».

ويضيف البرغوثي عن المرحلة الثالثة بأنها جاءت: «بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وفيها تم اغتيال المئات من القيادات العسكرية والناشطين الفلسطينيين، من أبرزهم قائد الجبهة الشعبية السابق، أبو علي مصطفى، الذي اغتيل بصاروخ موجه في مكتبه برام الله عام 2001، واغتيال رائد الكرمي قائد كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح»، وشملت هذ المرحلة اغتيالات متعددة استهدفت قادة حماس.

ويتدخل جهاز الأمن العام (الشاباك) وجيش الاحتلال في عمليات الاغتيال دون الأخذ بالحسبان انعكاسات هذه العمليات ونتائجها، إذ يذكر مؤلفو كتاب «بوميرانغ» أو السهم المرتد أن: «عملية اتخاذ القرار في القيادة العسكرية الإسرائيلية لتنفيذ اغتيال قيادات فلسطينية تمت دون الرجوع للقيادة السياسية».

وذكر الكتاب أن: «الجيش نفّذ اغتيالات لقيادات من حماس والجهاد الإسلامي دون أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية، وكانت الحكومة الإسرائيلية قد رحبّت بالعمليات ولم يشر أحد من أعضائها لخلل ما في عملية اتخاذ القرار، فهناك تيار في قيادة الجيش تصرف وفق مزاجه ومعتقداته دون اعتبار أن هناك سلطة تنفيذية مسؤولة عن الجيش».

الجعبري (المصدر: أ ف ب)

وتدرك فصائل المقاومة الفلسطينية خطورة الاغتيالات، لكونها تستنزف الكادر الأفضل في المقاومة الذي يخطط عملياته النوعية وينفذها، فالمستهدفون في العادة هم ممن تراكمت لديهم الخبرة في العمل العسكري، وأصبحوا ذوي تجربة غنية في العمل العسكري، ولذلك لا تتوانى فصائل المقاومة في اتخاذ تهديدات إسرائيل على محمل الجد في سبيل المحافظة على كادرها العسكري والسياسي.

وهي تعتمد على وسائل حماية متعددة تطورها باستمرار، كما أن لعمليات الاغتيال أثرًا نفسيًّا على المجتمع الفلسطيني، فهي عمليات تحقق شرخًا بين المقاومة والشعب، حين يذهب العديد من المدنيين ضحايا في هذه الاغتيالات، كما حدث في حادثة اغتيال القيادي في حماس صلاح شحادة، حيث دمر مربع سكني كامل في حي الدرج «شرق غزة»، ناهيك عن البلبلة التي تحدث من جراء وقوف عملاء فلسطينيين خلف عمليات الاغتيال، وما يتبعها من انتقام لفصائل المقاومة على هذه العمليات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد