أصبح العاهل الأردني، الملك عبد الله بن الحسين الثاني، أول زعيم عربي يتحدث معه الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تليفونيًا، ليعيد الأخير الملك عبد الله إلى دائرة الضوء من جديد بعدما خفتت مهامه في الشرق الأوسط خلال حقبة دونالد ترامب، في ضوء الخلافات القائمة بينهما حول عدد من القضايا، وتحديدًا رفضه تمرير خطة السلام الأمريكية التي عُرفت اصطلاحًا «بصفقة القرن».

جدير بالذكر أن الملك عبد الله لعب أدوارًا رئيسة في وساطات غير معلنة في كثير من قضايا الشرق الأوسط خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي كان بايدن نائبًا في إدارته، بوصفه وسيطًا موثوقًا فيه، سواء من أمريكا، أو من الدول العربية.

يحاول التقرير التالي التعرف على مهام الملك عبد الله خلال ولاية أوباما في أبرز الوساطات السرية، وما هي العوامل التي قد تعزز عودة هذا الأدوار خلال ولاية جو بايدن، خصوصًا مع مواقف ملك الأردن التي لم تنحز لطرف على حساب طرف في النزاعات والخلافات التي شهدتها المنطقة العربية.

كيف كان الملك عبد الله وسيطًا موثوقًا في عهد أوباما؟

خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، تحول الملك عبد الله إلى وسيط موثوق فيه في قضايا الشرق الأوسط الكُبرى، التي لعب خلالها الأخير مهمة نقل الرسائل والطلبات بين واشنطن والعواصم العربية، التي تشهد فتورًا في علاقاتها مع العاصمة الأمريكية، كما برزت الأردن باعتبارها البوابة «الأنسب» لتمرير مشاريع وخطط واشنطن للشرق الأوسط والمنطقة العربية.

شهدت على هذه الوساطات التي برز فيها العاهل الأردني حديث أوباما دومًا عن الأخير باعتباره «صديقًا وشقيقًا وحليفًا مهمًا وصلبًا للولايات المتحدة الأمريكية»، وعقد لقاءات معه كانت الأطول زمنيًا من بين كافة اجتمعاته مع القادة العرب.

كانت أبرز محطات هذه الوساطة عام 2014 حين نقلت واشنطن عبر الملك عبد الله مطالبها إلى مصر لرفع القيود المفروضة على إقرار المساعدات العسكرية للقاهرة، مقابل إقالة مسؤولين كبار كشرط لعودة العلاقات بشكل إيجابي.

فخلال لقاء سريع بمطار القاهرة جمع في 30 نوفمبر (تشرين الأول) الماضي الرئيس عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني، نقل الأخير مطالب البيت الأبيض الذي كان قد زاره قبل هذا اللقاء بخمسة أيام، والتي تمثلت في إبعاد عناصر رأت أنها «تلعب أدوارًا سلبية»، أبرزهم رئيس المخابرات العامة اللواء فريد التهامي الذي كان الدبلوماسيون الغربيون يصفونه بأنه «الأكثر تشددًا».

لم تمر بضعة أيام على هذه الزيارة السريعة، حتى صدر قرار بإقالة التهامي تحت مسوغ «أسباب صحية»، تبعتها زيارة سريعة للسيسي إلى الأردن، نقل خلالها الرئيس المصري شكره للعاهل الأردني، بعدما أفرجت واشنطن عن طائرات الأباتشي للقاهرة.

كما لعب الأردن خلال ولاية أوباما الوسيط الرئيس في خطة جون كيري للسلام، باعتباره «حليفًا قويًا وخبيرًا بالمسألتين السورية والفلسطينية»، حتى أصبح العاهل الأردنى مفوضًا من الدول العربية للحديث باسمهم إلى الرئيس أوباما في القضايا الكُبرى.

مظهر مهم للعلاقة المستقرة بين العاهل الأردني وأوباما هو ثناء الأخير دومًا على الإصلاحات السياسية التي شهدها الأردن، وتجنب الحديث عن أي انتهاكات حقوقية وقعت كما فعل مع دول عربية كثيرة، بغرض الحفاظ على تماسك الحليف الأردني.

كان الشاهد على هذا الدور البارز اجتماع ملك الأردن مع وزراء خارجية الدول العربية كي ينقل «نقاطًا للتحدث» إلى الرئيس الأمريكى بما ترغب الدول العربية فى رؤيته من تغيير في السياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

في المقابل.. البراجماتية هي ما أبقت علاقة عمان مع واشنطن خلال عهد ترامب

على خلاف التطور الذي شهدته علاقة العاهل الأردني مع أوباما، وارتقاء الملك عبد الله إلى وسيط موثوق به في قضايا الشرق الأوسط، شهدت علاقة الملك عبد الله مع ترامب غيابًا للتوافق المماثل مع أوباما.

كانت أبرز مؤشرات غياب هذا التوافق بين الجانبين حين أمر العاهل الأردني وزير خارجيته بإطلاق هجوم واسع على خطة السلام الأمريكية، التي روجت لها واشنطن وحلفاؤها في الخليج. مشهد آخر مماثل للموقف السابق هو تجاهل العاهل الأردني للضغوط الخليجية، وبالأخص السعودية التي تحدثت عنها وسائل إعلام مختلفة، لعدم حضور مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، موجهًا خطاب.ًا صارمًا انتقد قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها للقدس.

وبعدما كانت المملكة وسيط الدول العربية والخليجية في قضايا السلام، فقد الملك عبد الله هذا الدور، بعد رفضه تمرير الخطة، وأدار جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، مفاوضات مباشرة مع دول تتمتع أمريكا بعلاقات وثيقة مع حكامها كالإمارات والسعودية.

ومرة أخرى تجاهل الأردن التهديدات الأمريكية، في 21 ديسمبر العام الماضي، حين صوت لصالح فلسطين معارضًا للخطة السلام الأمريكية في الأمم المتحدة، في مشهد أعاد للذاكرة موقف الملك الراحل حسين الأول حين رفض عام 1990 الانضمام إلى تحالف بقيادة الولايات المتحدة لإجبار صدام حسين على الخروج من الكويت.

مظهر آخر لهذا التوتر هو ما كشفته المحادثات السرية بين ترامب والملك عبد الله في لقاءاتهم الثنائية خلافًا لنصوص البيانات الرسمية الاحتفائية بعلاقة البلدين، إذ أظهرت التسريبات خلافًا واسعًا بين الرجلين، لم يتمكنا من حسمه حتى الأيام الأخيرة لترامب.

غياب التوافق الكامل كان مؤشره الأبرز سعي الملك عبد الله لنسج صلات مع المؤسسات الأمريكية التي كانت تهاجم ترامب، مثل الكونجرس ومجلس الشيوخ، وقد توجت هذه العلاقات بزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى الأردن برفقة وفد رفيع لمناقشة الوضع في سوريا، وهي الزيارة التي وصفها ترامب في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» قائلًا: «تقود بيلوسي الآن وفدًا من تسعة أشخاص، بينهم الفاسد آدم شيف، إلى الأردن للتحقق من الوضع في سوريا.. يجب عليها أن تعرف لماذا رسم أوباما الخط الأحمر في الرمال».

وبحسب تحليل صادر عن معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن، فقد حاول ملك الأردن «البراجماتي» تجنب وصول العلاقة مع واشنطن إلى مرحلة الصدام، وأكد معدو التحليل أن الملك عبد الله كان حريصًا في إدارة خلافاته مع واشنطن خلال ولاية ترامب بغرض تأمين هدف تدفق المساعدات الأمريكية على مدى السنوات الخمس المقبلة على الأقل في حال استمر ترامب في الحكم.

ما هي نقاط تفوق ملك الأردن التي تعيده إلى الصدارة في ولاية بايدن؟

كأول زعيم عربي يتصل ببايدن منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، أعاد ملك الأردن بهذا الاتصال الحديث عن احتمالات استعادته من جديد لدوره كوسيط موثوق فيه من واشنطن، بعدما خفت هذا الدور نسبيًا خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تنتهي فترة ولايته في يناير (كانون الثاني) المُقبل، وتعد المملكة واحدة من أكبر المستفيدين من التمويل العسكري الأمريكي؛ إذ تحصل الأردن بشكل متزايد على المساعدات الأمريكية – التي تصل إلى حوالي 1.3 مليار دولار سنويًا.

كما تتمركز صواريخ باتريوت أمريكية في الأردن ويوجد هناك مئات المدربين من الجيش الأمريكي منذ بداية الصراع السوري في 2011 وأنفقت واشنطن ملايين الدولارات لإقامة نظام دفاعي دقيق على الحدود، ويتمتع العاهل الأردني بنقاط تفوق تجعله مرشحًا لاستعادة أدواره السابقة خلال ولاية أوباما، أبرزها هي أن مستشاري الأخير لشؤون الشرق الأوسط هم أنفسهم المعنيون بسياسة بايدن الخارجية، وبالأخص أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الجديد الذي كان في السابق مستشارًا لأوباما في البيت الأبيض.

وتكررت لقاءات العاهل الأردني مع جو بايدن خلال عمله كنائب للرئيس الأمريكي، إذ اعتاد الأخير التنسيق معه دومًا في قضايا الشرق الأوسط كالأزمة السورية، والقضية الفلسطينية، وملف اللاجئين. كما تُشكل الصداقة الشخصية بين العاهل الأردني وبايدن عاملًا أساسيًا في عودة الأول للصدارة من جديد في الشرق الأوسط؛ إذ تجمعهما علاقة «جيدة»، منذ أن كان بايدن عضوًا في مجلس الشيوخ على المستوى الشخصي، وزار الأخير الأردن أكثر من مرة للقاء الملك عبد الله.

من جانبه قال خيري مخزومي، الباحث السياسي المُقيم بواشنطن، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» إن ملك الأردن هو شخص محبوب بين أوساط دوائر الحكم في واشنطن على اختلافها، ويحظى بحضور مؤثر في الأوساط الأكاديمية والمراكز البحثية، لأسباب ترتبط بعلاقة أبيه السابقة مع واشنطن، فضلًا عن كونه قائدًا عربيًا يختلف عن جميع القادة الحاليين في المنطقة العربية، كحاكم «مثقف ولديه لباقة وكاريزما».
وأضاف المخزومي أن هذه النقاط تجعل من الملك عبد الله رجلًا مؤثرًا عند واشنطن والإدارة الجديدة، مؤكدًا أن هذا التأثير يكتسبه من إدارته لملفين، هما: ملف اللاجئين (فلسطينين أو سوريين)، والقضية الفلسطينية التي تعد مصدرًا رئيسًا لشرعية العاهل الأردني باعتباره «حاميًا للمناطق المقدسة».

وتابع المخزومي أن الأردن خلال ولاية بايدن تملك أوراقًا مؤثرة في علاقاتها مع واشنطن تجعل تصدرها أمرًا قائمًا، ويقول إن «الأردن يستطيع أن يقدم الكثير في ملف اللاجئين، تعيش وتعتاش على ملف اللاجئين، وهي القضية التي لا توجد دول عربية تستطيع إدارتها، فضلًا عن دوره الرئيس في القضية الفلسطينية وعلاقته الجيدة مع السلطة الحالية».

وبحسب زيد عيادات، مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، فإن خبرة بايدن كنائب للرئيس الأسبق باراك أوباما في الشرق الأوسط، تجعله مدركًا الأهمية الكبيرة للأردن في الاقليم ودوره الإستراتيجي في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بقضية السلام.

عربي

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: لماذا على أمريكا أن تفكر الآن في حقبة ما بعد الملك عبد الله؟

وأضاف عيادات في تصريحات لموقع «هلا أخبار» الأردني أن بايدن سيعمل على تعزيز الدور الأردني في المنطقة وأهميته في استقرار المنطقة، مقارنة مع ما كان عليه خلال إدارة ترامب، متوقعًا تحسن المساعدات الأمريكية التي ستمنح للمملكة خلال عهد بايدن، مقارنة بالسنوات السابقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد