«مهمة روسيا هي مساعدة الليبيين على التغلب على خلافاتهم الحالية، والتوصل إلى اتفاق مستقر للمصالحة بين الجانبين» * تصريح رسمي روسي

التصريح السابق أعلنه وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف في أبريل (نيسان) 2019 تعقيبًا على الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، حيث اعتادت روسيا أن تظهر كوسيط محايد في الصراع الليبي، فلم تعلن انحيازها لأي طرف من أطراف هذا الصراع، وهي لا تزال تصر على هذا الموقف برغم ظهور العديد من الأدلة التي تثبت أن الحليف القديم لنظام معمّر القذافي يدعم حفتر في الكواليس.

الروس يلعبون أدوارًا أكبر في قيادة العمليات بروسيا

يمكن القول إن دعم موسكو لحفتر برز بشكل استعراضي في يناير (كانون الثاني) 2017، حين رست حاملة الطائرات الروسية «الأميرال كوزنيتسوف»، قبالة ميناء طبرق (شرقي ليبيا)، فاجتمع حفتر مع رئيس أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف لمناقشة مطالب حفتر بتزويد قواته أسلحة روسية نوعية.

وهو اللقاء الذي جاء تتويجًا لزيارات حفتر الثلاثة لروسيا التي كان أولها عام 2016، ثم ظهر الدعم الدبلوماسي من موسكو لحفتر بوضوح. ففي 7 أبريل 2019، منعت روسيا مجلس الأمن الدولي من إصدار بيان يمنع حفتر من التقدم نحو طرابلس، وطالبت بأن يحث بيان مجلس الأمن جميع القوات في ليبيا على وقف القتال.

لكن يمكن تجاوز التحركات الروسية السابقة، والتثبت بأمور أكثر وضوحًا، مثل الكشف عن إرسال روسيا عشرات من أفراد القوات الخاصة لتدريب قوات حفتر وإمدادها بالأسلحة في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وهو ما تأكد بالدلائل المعلنة في 19 من سبتمبر (أيلول) الحالي، حين أعلنت قوات حكومة الوفاق لأول مرة عن قتلها سبعة مرتزقة ينتمون إلى شركة «فاجنر» الروسية الأمنية الخاصة جنوب العاصمة طرابلس.

فقد أثبتت الدلائل أن مشاركة مرتزقة «فاجنر» في القتال ضد حكومة الوفاق يتجاوز مسألة تدريب قوات حفتر وتزويدها بأسلحة متوسطة وثقيلة، فهؤلاء المرتزقة أصبحوا يلعبون أدوارًا أكبر في قيادة العمليات ضد حكومة الوفاق، وقد أكدت الوفاق «عثورَها على وثائق وخطط عسكرية مكتوبة باللغة الروسية بخط اليد، إضافة إلى ظهور صور شخصية وهواتف نقالة وبطاقات ائتمان لمرتزقة من شركة «فاجنر» الأمنية الروسية».

ويذكر تقرير موقع «بلومبيرج» المنشور في 25 سبتمبر الحالي أن «أكثر من 100 فرد من المرتزقة من مجموعة «فاجنر» التي يقودها يفغيني بريجوزين وصلوا إلى قاعدة أمامية في ليبيا خلال الأسبوع الأول من سبتمبر 2019، وذلك من أجل دعم المستبد المتمركز في شرق البلاد خليفة حفتر في هجومه على طرابلس»، ويضيف التقرير أن «تلك الشركة التي لا تخضع أبدًا للمساءلة تستخدمها موسكو أحيانًا في تزويد قوات المشير حفتر في ليبيا بقطع مدفعية ودبابات وطائرات بلا طيار وذخائر، فالمتعاقدون مع «فاجنر» يقاتلون في ليبيا، وبعضهم قُتلوا أثناء المعارك هناك».

من أشكال الدعم الروسي المختلفة كذلك لحفتر، دعمه إعلاميًا، إذ دشن مالك «فاغنر» حملة أطلق عليها اسم «الشركة» تنفذ خطة إعلامية للتعامل مع الملف الليبي، تقوم تلك الخطة على الاعتماد على دعاية مدفوعة الأجر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تهدف إلى زيادة شعبية قوات حفتر، وكذلك تقديم خدمات الاستشارات السياسية لحفتر.

أوراق جديدة قد تقلب المعادلة.. آخر تطورات الوضع العسكري في ليبيا

لماذا تدخل الروس في ليبيا من الأساس؟

يرجح الصحافي والمحلل السياسي أحمد كامل أن الروس تدخلوا في ليبيا انتقامًا لخداعهم في ليبيا من قبل أمريكا وفرنسا والدول الغربية، منذ تمت الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي لمنع هجوم القذافي على بنغازي، وهو قرار رقم 1973 الذي فرض حظرًا جويًا على ليبيا عام 2011 إثر اندلاع الثورة الليبية، فما حدث لاحقًا أن أقدمت واشنطن وفرنسا على عمل عسكري في الأراضي الليبية، بينما استبعدت روسيا من ذلك، وعقب بالقول: «يريدون الانتقام».

حفتر خلال زيارة لروسيا

ويضيف كامل كذلك لـ«ساسة بوست»، بأن «التخبط في السياسة الأمريكية منذ مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سمح للروس بتحقيق أشياء لم يكن يحلمون بها مثل توسيع تدخلهم في سوريا، فتدخلهم في ليبيا الآن هو فرصة لهم لتأكيد العودة الروسية إلى الساحة الدولية»، ويستبعد كامل أن تصل الأمور في التدخل الروسي في لييبا كما حصل في سوريا، ويرجح ذلك إلى كون ليبيا غنية بالنفط بعكس سوريا التي تفتقر إلى النفط، فالدول الغربية دائمًا تعنى بالدول النفطية، خاصة أن ليبيا قريبة جدًا لأوروبا، ويختم بالقول: «المساحة التي ستترك لروسيا في ليبيا لن تكون كبيرة مقارنة بالمساحة التي سُمح بها للروس في سوريا».

من جانبه، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي عادل عبد الكافي أن التدخل الروسي عبر شركة «فاجنر» جاء لدعم ومساندة مليشيات حفتر، بعد الخسائر الكبيرة في العناصر والآليات التي تكبدها على يد قوات الوفاق والقوة المساندة والضربات الجوية للسلاح الجوي الليبي، التي تفشل حتى الآن اقتحام العاصمة طرابلس من قبل حفتر، ويضيف: «هناك معلومات تتحدث عن وجود قوات روسية في قاعدة الوطية وتفعيل صفقات الأسلحة المبرمة عهد القذافي بالمليارات».

ويوضح عبد الكافي الذي يشير إلى أن المرتزقة الروس لم يحدثوا فارقًا إلى الآن في سير العمليات العسكرية، حيث قتل منهم وتراجع البعض إلى ترهونة والجفرة؛ إن مرتزقة «فاجنر» سبق لهم التدخل في سوريا، وإنهم بمثابة الذراع الخلفي لروسيا، ويشاركون في القتال وفي تهريب البشر وبيع النفط وتجارة المخدرات والعمل مع التنظيمات الإرهابية، معقبًا لـ«ساسة بوست»: «يشكل هؤلاء خطورة على النفط الليبي والهجرة غير الشرعية وتنامي «داعش» في ليبيا، وقد يكون حفتر وعدهم بالنفط الليبي والموارد الطبيعة واقامة قاعدة عسكرية روسية على الأراضي الليبية».

ورقة نفوذ سياسي واقتصادي لروسيا

يسيطر رجل الحرب القوي حفتر على العديد من المناطق المنتجة للنفط في ليبيا، وهو ما يعني بالنسبة لموسكو أنه يملك المال، ذاك المال الذي دفع روسيا لانتهاك القرار الدولي بحظر بيع الأسلحة لليبيا، وهي تحاول بذلك أن تعوض خسارتها لمليارات الدولارات من صفقات السلاح التي كانت تعقدها مع حليفها السابق القذافي.

مقاتل ليبي

يعتقد المحلل السياسي الليبي محمد أحمد جبريل أن هناك العديد من المعطيات الجديدة التي تشير لتوسع وتكثيف التدخل الروسي في ليبيا، وأهمها يتجسد في وجود عناصر شركة «فاجنر» الذين يقاتلون في صفوف قوات حفتر، فهؤلاء حسب جبريل جاءوا؛ لأن الحليف التي تعول عليه موسكو في ليبيا أصبح في مأزق بعد الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق وقواتها على الصعيد السياسي والعسكري، فقد أدركت موسكو أنها إن لم تتدارك حفتر وتخلق توازنًا في القوى، فالمشروع الروسي في ليبيا سيؤول للفشل.

ويوضح جبريل خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن روسيا ترى في الملف الليبي ما هو أكثر من كونه مكسبًا اقتصاديًا، فهي تريد أن يكون لها موطئ قدم في ليبيا حتى تكون ورقة ضغط على الغرب، وحتى يعود النفوذ الروسي من جديد مهيمنًا على المنطقة، وكذلك لتفعيل عقود قد ظفرت بها في عهد القذافي تصل قيمتها لعدة مليارات دولار، متابعًا: «تعول موسكو على حفتر وتقدم له الدعم لأنها ترى فيه أنه الشريك والحليف الأكبر لها الذي يمثل أيديولوجية الكرملين بعد القذافي ويمثل الشخصية العسكرية لقيادة البلاد».

وحول خطورة هذا التدخل؛ يرى جبريل أنه لا يقتصر فقط على سيطرة روسيا على ثروات الليبيين، بل في كون موسكو لا تؤمن إلا بالأنظمة العسكرية الديكتاتورية «وهو ما يعيد للأذهان ليس فقط الوجود الاستعماري، بل يشكل أيضًا خطرًا يتربص بأوروبا لما تشكله روسيا من تهديد لاستعمال الأراضي الليبية للضغط على أوروبا في ملف الهجرة والإمدادات الغاز والنفط».

مترجم: النفوذ الروسي يتصاعد في ليبيا.. كيف سترد أمريكا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد