يتواجد الآن موظفو قطاع غزة التابعين للسلطة الفلسطينية برام الله في حالٍ لا يحسدون عليه؛ فهم يترقَّبون تنفيذًا فعليًا لتصريح الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» قبل يومين بحصولهم على الراتب الشهري المعيشي لهم. فقد شهد العام الأخير خصوماتٍ وقطع مال من آلاف الأسر التي تقتات على هذا الراتب؛ وذلك نتيجة الخلافات السياسة الداخلية؛ فقد كان ينعم الموظفون في الضفة الغربية بتلقِّي رواتبهم بشكلٍ اعتيادي، بينما يحل الموعد على موظفي قطاع غزة وهم في خوفٍ، بين الخصومات، أو عدم تلقِّى الراتب كلية، وفيما يمكننا إيضاح الدوافع وراء هذا التراجع في التقرير التالي، نتساءل: هل تنتهى سياسة استخدام «عصا الرواتب» في المعركة السياسية الداخلية المستمرة منذ 2006؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤل.

عباس و«مجزرة الرواتب»

إن الحكومة لم تتمكن من دفع رواتب الموظفين في قطاع غزة الشهر الماضي لأسبابٍ فنية، وليس عقابًا كما يدّعي البعض. لا أقبل كلمة إجراءات عقابية أو عقوبات، فلا يوجد من يُعاقب شعبه، وإنما هي إجراءات فنية. *هذا ما قاله رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس»، فجر الجمعة الماضي خلال كلمة الختام في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني.

خرجت هذه التصريحات حين نام الغزيون على توقُّع المزيد من العقوبات ضدَّهم تنفيذًا لتهديدات «عباس» السابقة قبيل انعقاد هذا المجلس، وتابع عباس القول: «تأخرنا الشهر الماضي عن صرف الرواتب، ولكن من غدٍ ستُصرف الرواتب، ولكن عليكم التحدُّث عن أسباب الانقسام، ويجب أن يكون لدينا الجرأة لنقول من هو المخطئ»، لقد انتهت جلسات المجلس الذي أغفل تضمين قرار رفع الإجراءات العقابية عن غزة، واعتماد خطة إنقاذ وطنية شاملة للقطاع، وهلل الموظفون في قطاع غزة لهذا الخبر السعيد بالنسبة لهم.

 

 

وللوقوف على سلسلة الإجراءات العقوبية التي اتخذها «عباس» بالفعل، وأهمَّها قطع الرواتب، نبدأ بقرارات نهاية مارس (آذار) الماضي، حين أعلن الرجل عن فرض إجراءاتٍ مالية، وقانونيَّة عقابية، ضدَّ قطاع غزة، عقب تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني «رامي الحمد الله» خلال زيارته لقطاع غزة، ففي خطابه مساء الاثنين 19 مارس 2018، قال «عباس»: «بصفتي رئيسًا للشعب الفلسطيني قررت اتخاذ الإجراءات الوطنية والقانونية والمالية كافة من أجل المحافظة على المشروع الوطني»، مطالبًا «حماس» بتسليم قطاع غزة لحكومة الوفاق بشكلٍ كامل.

وفي أبريل (نيسان) 2017، اتخذ الرجل قرارًا بخصم 30% من رواتب موظفي قطاع غزة، وإحالة نحو 20 ألف موظف عسكري للتقاعد الإجباري المبكِّر، كما قطع رواتب 37 نائبًا من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني بغزة؛ وذلك ردًا على تشكيل حركة حماس لجنةً لإدارة شؤون القطاع، وهي اللجنة التي تمّ حلَّها فيما بعد في إطار اتفاق المصالحة، وكانت السلطة قبل هذه الخصومات تدفع نحو 50 مليون دولار رواتب لنحو 50 ألفًا من موظفيها بغزة.

Embed from Getty Images

الرئيس الفلسطيني محمود عباس

وبالرغم من أنّ القرار لم يشمل الموظّفين في الضفة الغربية، إلا أن السلطة تحجَّجت بأنَّ هذا القرار بسبب سياسة التقشف الناجمة عن تراجع التمويل لها؛ فقال الناطق باسم الحكومة «يوسف المحمود»: إن «الحكومة بدأت بالفعل في تطبيق سياسة تقشف طالت قطاعاتها منذ العام 2016 ،وما زالت مستمرة في 2017؛ بسبب انخفاض المساعدات المالية الخارجية الحاد الذي وصل إلى 70%».

ما هي دوافع تراجع «عباس» عن العقاب بالرواتب؟

قبيل العقوبات الأخيرة على موظفي قطاع غزة، كانت السلطة في رام الله تدفع رواتب حوالى 80 ألف موظف في قطاع غزة (50 ألف موظف حسب بعض المصادر)، معظمهم لا يعملون منذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة في 2007. يقول الكاتب الفلسطيني «طلال عوكل»: «إنّ الناس، وبسبب ما اتخذ من إجراءات ضد قطاع غزة لا تصدق أي تصريحات، وهم مستعدون فقط للثقة والاقتناع بالممارسة العملية حين ترفع العقوبات ويستقرون نفسيًا»، وتابع القول: «ننتظر تنفيذ هذه القرارات، لكن ما هو المنطقي أن تتوقف هذه الإجراءات أولًا، فإذا كان هدفها الضغط على حركة حماس من أجل الاستجابة لشروط المصالحة، يتضح بعد أكثر من عام أن المتضرر هو المواطن الفلسطيني؛ فالعقوبات التي اتخذت لم تحقق الهدف: وهو أن تسلم حركة حماس السلطة بشروط محمود عباس».

ويعتقد «عوكل» بوجود ضغوط عديدة أوروبية ومصرية، وربما إسرائيلية، تسببت في تصريحات عباس الأخيرة، ويمضي بالقول لـ«ساسة بوست»: «هناك اهتمام كبير بالمأساة التي يعيشها سكان قطاع غزة، وبالتالي هذه الضغوط شكلت عاملًا مهمًا للتراجع عن الإجراءات، فإقصاء 2 مليون مواطن في غزة تسبب في أضرار شديدة نتيجة استمرار العقوبات، وكذلك سجلت مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من التسهيل في إنجاح صفقة القرن».

فيما يؤكد المحلل السياسي «أكرم عطا الله» أن تأثيرات المجلس المركزي، وما مورس فيه من ضغوط من قبل القوى والفصائل للمشاركين بالمؤتمر من أبناء غزة، هي السبب في تراجع عباس، لكن «عطا الله» يعتقد أن هناك دوافع أخرى، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «ربما الاتحاد الأوروبي استشعر بالحالة الإنسانية لقطاع غزة، فأجرى أيضًا ضغوط على السلطة؛ لكون الوضع الإنساني بشكل عام تدحرج نحو الهاوية في قطاع غزة، فحرك تلك الأطراف بدءً من شباب قطاع غزة الذين شاركوا في المجلس الوطني، وصولًا للضغوط الدولية أو الأهداف الدولية لتراجع عباس عن قراراته».

لماذا اقترحت إسرائيل دفع رواتب موظفي غزة؟

«إن إسرائيل لن توافق أن تنفجر الخلافات الداخلية بين فتح وحماس في وجه إسرائيل»، هكذا رد وزير المالية الإسرائيلي «موشيه كحلون» على عضو اللجنة المركزية لحركة فتح «حسين الشيخ» حين أخبره سرًا بأن السلطة الفلسطينية تنوي التوقف عن دفع رواتب موظفيها في قطاع غزة ابتداء من أبريل الماضي.

خلال الاحتجاجات على أزمة الرواتب (المصدر : رويترز)

وفيما صُدقت المصادر الإسرائيلية، وذهب النفي الفلسطيني، بصحة هذا التسريب أدراج الرياح، جددت دولة الاحتلال تحذيرها على المستوى السياسي والأمني من انفجار وشيك للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة؛ كونها متخوفة من أنها ستكون الهدف الأول لأي انفجار من قطاع غزة، فردًا على موقف السلطة باستخدامها عصا الرواتب لعقاب عزة، كان أحدث اقتراح هو ما قدمه وزير الطاقة والموارد المائية الإسرائيلي «يوفال شتاينتس» بدعوة حكومته لدفع هذه الرواتب لموظفي غزة، فقال: «على إسرائيل أن تقتطع من الأموال التي اقتطعتها من أموال الضرائب التي تنقل للسلطة، وتمررها للموظفين في غزة من أجل تخفيف الضغوط المالية هنا».

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس «هاني البسوس» أن الإجراءات التي فرضتها السلطة الفلسطينية على غزة، ومن ضمنها وقف المخصصات المالية للموظفين، كانت تهدف إلى دفع السكان بغزة للخروج ضد حركة حماس في قطاع غزة، وعقَّب بالقول: «لكن يبدو أن شيئًا لم يتغير في القطاع سوى تردي الأوضاع الإنسانية، وجعل سكان غزة يعيشون حالة اقتصادية صعبة وأوضاعًا إنسانية كارثية».

مظاهرة ضد قطع الرواتب بغزة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وتابع «البسوس» الذي استبعد التراجع الكلِّي عن هذه العقوبات: «كانت التوقعات بأن العقوبات ستجعل الناس تخرج ضد حركة حماس، لكن ما حدث هو أن الناس خرجت في مسيرات كبيرة (مسيرات العودة) ضد الاحتلال الإسرائيلي، لذلك فالآن الأصعب هو خروج الناس في تلك المسيرات لإحراج إسرائيل، والمطلوب هو وقف مسيرات العودة لما سببته من إحراج سياسي لإسرائيل خلال الأسابيع الماضية»، ويختم بالقول لـ«ساسة بوست»: «أنا تابعت حجم الانتقادات الدولية حتى على فضائيات مثل «سي إن إن»، وبالتالي التخفيف على الناس في قطاع غزة ووقف الإجراءات العقابية من الممكن أن يؤدِّي إلى تخفيف أو وقف الحراك الشعبي، وهذا الاتجاه تضغط إليه إسرائيل ومصر».

عقابٌ مستمر منذ عام 2006

بدأت السلطة الفلسطينية باستخدام الرواتب وسيلةً لتحقيق مآرب سياسية، عقب تحقيق حركة حماس فوزًا كبيرًا في انتخابات السلطة الوطنية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية في يناير (كانون الثاني) 2006، حين أزاحت بهذا الفوز حركة فتح التي تقود السلطة الفلسطينية منذ تشكيلها عام 1994 عن الحكم لأول مرة.

فما أن بدأت حماس تتسلَّم زمام الأمور السياسية، ومنها إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، حتى قُطعت الرواتب عن موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة مدة ستة أشهر بذريعة الخلافات السياسية بين الطرفين، وخاض الموظفين احتجاجًا على ذلك، وقاموا بإضرابٍ مفتوح بعد أن أضحى قطاع غزة على حافة الانهيار الاقتصادي، لكن بعد ذلك طلب «عباس» من الأجهزة الأمنية التابعة له التوقُّف عن الذهاب للعمل إذا أرادوا استمرار الحصول على رواتبهم من خزينة السلطة، وبالفعل استجابت الغالبية العظمى لهذا القرار، حيث قدر عدد الموظفين آنذاك 165 ألف شخص (بينهم 70 ألف في الأجهزة الأمنية).

ويهدف «عباس» من خلال استخدام «عصا الرواتب» الثقيلة الضغط على حماس عبر تحميلها الأعباء الاقتصادية والمعيشية في غزة، إذ إن منع الرواتب يحرم القطاع من سيولة نقدية ليست قليلة، وكذلك بهدف تحريض السكان على صب جام غضبهم على حماس، ورغم عدم نجاعة هذه الطريقة كما يقول المحللون السياسيون، إلا أنه استمر في استخدامها؛ وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني المعيشي لحدٍ غير مسبوقٍ في القطاع، وأضحى الموظفون العموميون في وضع نفسي واجتماعي صعب.

وقد تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بغزة، وتراجعت السيولة المالية؛ لاعتماد حركة السوق بشكل أساسي على رواتب موظفي السلطة، فمجرد خصم أكثر من ثلث هذه الرواتب – بواقع 20 مليون دولار شهريًا – أصاب اقتصاد غزة في مقتل، وزادت نسبة البطالة من 41% في الربع الأول من 2017؛ لتصل إلى 43.6% نهاية العام، وترتفع هذه النسبة بين فئة الشباب والخريجين؛ لتصل إلى نحو 60% يشكلون أكثر من ربع مليون غزي، بينما حُرم أكثر من 70% من الأسر الأمن الغذائي، ووقع 80% من سكان غزة تحت خط الفقر.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!