يحمل الثامن من مايو (أيّار) للجزائر ككل عام، ذكرى أبشع جرائم الاحتلال الفرنسي والتي راح ضحيتها فقط في تلك المجازر زهاء 45 ألف شهيد، بعد مظاهرات حاشدة للمطالبة بالاستقلال عام 1945، وقد شاءت الصدف أن تأتي تلك الذكرى الأليمة على الجزائريين مع يوم انتخاب الفرنسيين إيمانويل ماكرون، وهو أوّل رئيس في تاريخ بلاده يصف الاستعمار الفرنسي للجزائر بالجريمة ضد الإنسانية، والذي دعا قبل انتخابه إلى تقديم الاعتذار للجزائر عن تلك الحقبة، وقد أثارت تصريحات ماكرون حينها زوبعة واستياء اليمين المتطرف في فرنسا، إلّا أن استطلاعًا للرأي أجراه معهد إيفوب الفرنسي للدراسات، أظهر أن 52% من الفرنسيين مؤيدون لتصريحات ماكرون.

تحلّ اليوم الذكرى الخامسة والخمسون لاستقلال الجزائر، ذكرى يسترجع فيها الجزائريون بطولاتهم ومقاومتهم ويسترجعون أيضًا آلامهم وفجعتهم في المجازر الكبرى المرتكبة آنذاك من طرف فرنسا، ليعود بعدها الحديث عن الاعتذار الفرنسي عن الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر.

اقرأ أيضًا: أشياء قد لا تعرفها عن الثورة الجزائرية

الاحتلال الفرنسي للجزائر

بدأت فرنسا بالتطلّع نحو استعمار الجزائر وضمّها تحت جناحها منذ عهد نابليون بونابرت، واتخذت من الحادثة المشهورة باسم «حادثة المروحة» سببًا للتحجُّج بها لإيقاع الجزائر تحت الاستعمار، فشنّت فرنسا هجماتها العسكرية انطلاقًا من ميناء طولون يوم 25 مايو (أيار) 1830م بقيادة وزير الحرب المارشال دي بورمون ومشاركة 37 ألفًا و600 جندي في الحملة، ومع حلول الرابع عشر من شهر يونيو (حزيران) 1830، تمكّنت الحملة الفرنسية من الوصول إلى منطقة سيدي فرج، وأحكم الاحتلال قبضته على البلاد ليبدأ في ارتكاب مجازره، وبدأ بإخضاع الجزائريين بقانون الأهالي، ولم تسلم المؤسسات التعليمية والوقفية والدينيّة في الجزائر من الهجوم الفرنسي الشرس الذي ألحق الضرر والدمار بالميزانية التعليمية، وأوقف التعليم في البلاد، بالإضافة إلى انتهاج سياسة تهجير العلماء، كما انتهجت فرنسا أسلوب التجهيل بحقّ الجزائريين لإخضاعهم وتسهيل انقيادهم للثقافة الغربية ومبادئ حضارتها.

لم يستسلم الجزائريون للمستعمر، فقاد الجزائريون ثورات شعبية جابت أنحاء البلاد منذ بدء الاستعمار الفرنسي، ما حال دون تقدّم الاحتلال، ومن أكثر الثورات الشعبيّة شهرةً هي ثورة أحمد باي بن محمد الشريف التي قادها أهالي شرق الجزائر، وثورة الأمير عبد القادر في غرب الجزائر، كما خرجت سائر القبائل في ثورة فاطمة نسومر، فكانت فرنسا تخمد ثورةً لتشتعل شرارة ثورة أخرى حتّى حلول 1954، الذي شهد انطلاقة ثورة التحرير الجزائرية والتي حقّقت تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي.

اقرأ أيضًا: هل صدقت أن الجزائر قد استُعمرت بسبب ضربة مروحة؟

معاهدة الاستسلام تنص على احترام فرنسا لحقوق الجزائريين وحمايتهم

وُقّعت هذه المعاهدة بين القائد العام للجيش الفرنسي الكونت دي بورمون والداي حسين ونصت على ما يلي:
«يسلم حصن القصبة، وكل الحصون التابعة للجزائر، وميناء هذه المدينة إلى الجيش الفرنسي صباح اليوم على الساعة العاشرة، ويتعهد القائد العام للجيش الفرنسي تجاه الداي حسين بحريّة ممارسة الشعائر الإسلامية، وبألا يلحق أي مساس بحرية السكان من مختلف الطبقات، ولا بدينهم، ولا أملاكهم، ولا تجارتهم وصناعتهم، وستكون نساؤهم محل احترام والقائد العام يلتزم على ذلك بشرفه».

وفي يوم السادس من يوليو (تموز) 1830، دخل الجنود الفرنسيون مدينة الجزائر من الباب الجديد بأعلى المدينة وأنزلت أعلام دولة الداي من جميع القلاع والأبراج، وارتفعت في مكانها رايات الاحتلال الفرنسي، وأقيمت صلاة للمسيحيين وخطب فيها كبير قساوسة الحملة، فقال مخاطبًا قائد الحملة الفرنسية: «لقد فتحت بابًا للمسيحية على شاطئ إفريقيا».

منذ احتلالها للجزائر عام 1830، ورغم توقيعها على تلك المعاهدة التي تلزم بموجبها باحترام حقوق الجزائريين وحماية ممتلكاتهم العامة والخاصة وديانتهم وحرماتهم، لم تتوان قوات الاحتلال الفرنسي ممثلة في الجيش والميليشيات المسلحة في ارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعب الجزائري.

جرائم فرنسا في الجزائر

نفذت السلطات الاستعمارية الفرنسية المدنية والعسكرية، إبان فترة احتلالها للجزائر مخططًا لإبادة الجزائريين، وعمدت إلى استخدام كل الإجراءات الممكنة والمتوفرة لديها لتطبيقه، ولم تستثن في سياستها القمعية والعقابية أي أحد، بل توسعت لتشمل من دون تمييز المدنيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ، وارتكبت فرنسا على إثرها مئات المجازر الجماعية، وحالات التقتيل الفردي والجماعي العشوائي، وفي هذا الإطار استعانت القوات الفرنسية بعدة وسائل وقوانين عقابية تتعارض مع القوانين الدولية وحتى الفرنسية أطلقت عليها السلطات السياسية الاستعمارية اسم القوانين الخاصة؛ وكان أهمّها قانون الأهالي.

تعددت الجرائم الفرنسية في الجزائر منذ دخولها سنة 1830، وقد أرخ لها المؤرخون بالتفصيل، ونذكر منها إبادة سكان البليدة 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1832، وإبادة قبيلة العوفية بوادي الحراش، ومصادرة ممتلكاتها في الخامس من أبريل (نيسان) 1832، وإبادة واحة الزعاطشة
بمحافظة بسكرة في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1849، وإبادة قبيلة أولاد رياح بجبال الونشريس في يناير (كانون الثاني) 1845.

اقرأ أيضًا: 5 قوانين تكشف وجه الاستعمار الفرنسي للجزائر

مجازر الثامن من مايو 1945.. إبادة شعب

خرج الشعب الجزائري إلى الشارع في مظاهرات سلمية فرحًا بانتهاء الحرب العالمية، ومطالبًا فرنسا بالوفاء بوعودها وذلك بمنحهم حق تقرير المصير بعد التضحيات التي تكبدتها الجزائر لإنقاذ فرنسا من براثن النازية، ولما حاولت الشرطة الفرنسية تفرقة المتظاهرين، حدثت مواجهات بين رجال الشرطة والمواطنين المتظاهرين في بعض مدن الشرق، تدخلت على إثرها القوات الفرنسية مستعملة السلاح الناري والعصي، إضافة إلى القوات العسكرية من المشاة والطائرات التي قصفت المدن والقرى لعدة أيام حيث بلغ عدد القتلى في تلك المجزرة 45 ألف قتيل في ثمانية أيام، في إبادة ربما لم يشهد التاريخ مثلها.

في تلك الإبادة، جمعت القوات العسكرية المواطنين المتظاهرين وأوقفتهم في صف واحد ثم تم رميهم بالرصاص، ثم ردمت جثثهم في مقابر جماعية، وقامت السلطات في قالمة بحرق جثث المتظاهرين بعد أن قتلتهم رميًا بالرصاص، ووصلت رائحة الاحتراق إلى المناطق المجاورة، كما قامت بإلقاء القبض على العديد من المتظاهرين فزجت ببعضهم في السجن ولم يطلق سراحهم إلا يوم الاستقلال ومنهم من أعدم والكثير منهم نفتهم إلى دول بعيدة مثل نيوزيلندا، وكانت الخسائر التي تركتها فرنسا تفوق الـ45 ألف قتيل من المواطنين العزل.

مجزرة نهر السين

الأراضي الجزائرية لم تكن وحدها شاهدة على جرائم فرنسا ضد الشعب الجزائري، بل تشهد عليها أيضًا الأراضي الفرنسية عندما سقت أراضي عاصمتها باريس بدماء 300 قتيل، بعدما قامت بتاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961 بمجزرة في حق متظاهرين جزائريين خرجوا من أجل المطالبة باستقلال الجزائر، فقامت قوات الأمن بالتعدي العنيف بالضرب والتعذيب على المتظاهرين ومن ثم رميهم بنهر السين وكانت نتيجتها 300 قتيل و400 مفقود، قتلوا بالغابات ومنهم من تم حرقه لأسباب عنصرية، وأكثر من تسعة آلاف تم تعذيبهم داخل السجون لمدة 15 يومًا.

التعذيب في السجون والمعتقلات

قام الجنود العسكريون باستخدام وسائل تعذيب غاية في القسوة خاصة ضد المجاهدين الذين يتم القبض عليهم أو ضد أهاليهم وأقربائهم، ومن بين الطرق التي كان يلجأ إليها الجنود الفرنسيون من أجل استنطاق المجاهدين؛ الصدم بالتيار الكهربائي حيث توضع أقدام المعذب في الماء ويصعق بالكهرباء، وتوضع الأقطاب بأذنيه أيضًا ويجد الضباط والجنود المشرفون على التعذيب متعة كبيرة وهم يضحكون ويسخرون من السجين رجلًا كان أو امرأة، كما كان الجنود يستخدمون طريقة أخرى أخطر من سابقتها والمتمثلة في الحرق بواسطة آلة الحملاج أو المشعل المستعمل في تلحيم المعادن فيحرق جسم السجين لتترك آثارًا وحروقًا بكامل الجسم. ناهيك عن وسائل وطرق أخرى أكثر وحشية كالكي بالسجائر وقلع الأظفار واستعمال الكلاب المدربة.

تفجيرات رقان النووية.. شهادة آنية على بشاعة الاستعمار

13 أبريل (نيسان) 1960، تاريخ يتذكره الجزائريون بكثير من الألم عندما تم إطلاق سلسلة التفجيرات النووية التي قام بها الاستعمار الفرنسي في الصحراء الجزائرية، وفي منطقة رڤان بالضبط، محاولة منه للالتحاق بركب الدول المتقدمة في المجال النووي في الستينيات من القرن الماضي، على حساب إحدى مستعمراته آنذاك، وكانت بذلك الجزائر ضحية هذه التفجيرات، التي تبقى انعكاساتها السلبية جلية على البيئة والإنسان والحيوان والنبات حتى الآن، بسبب انتشار الإشعاعات النووية، التي يبقى مفعولها مؤثرًا على مدى عشرات السنين، حسب ما تؤكده الدراسات في هذا المجال.

صورة توضح بشاعة جرائم فرنسا ضد الجزائريين.. مصدر الصورة (Pinterest).

وحرصت فرنسا في تنفيذ مسلسلها النووي، على تسمية كل تجربة بأسماء ألوان العلم الفرنسي، ففي صبيحة يوم 13 فبراير (شباط) من سنة 1960، فجرت القنبلة الأولى تحت اسم اليربوع الأزرق، بطاقةِ تفجيرٍ بلغت 60 كيلوطن، بمنطقة حموديا الواقعة على بعد (60) كلم عن مدينة رڤان، ويقال إنها تعادل في قوتها ثلاث مرات قوة القنبلة النووية التي رمى بها الأمريكان مدينة هيروشيما، تلتها بعد ذلك تفجير قنبلة اليربوع الأبيض، بطاقة 10 كيلوطن، والثالثة سميت باليربوع الأحمر، والرابعة بطاقة تفجيرية قدرها 10 كيلوطن، سميت باليربوع الأخضر.

اقرأ أيضًا: 5 أضعاف تفجير هيروشيما.. ماذا تعرف عن تجربة فرنسا النووية في الجزائر؟

جماجم الجزائريين في المتاحف الفرنسية

تلك الجماجم أحيت «جرائم» لم تُدفن ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وطالت مناطق بالجزائر هجر بعضها وأُبيد سكانها لتنقطع سلالة المقاومين؛ فلم يعد لهم أحفاد يتوارثون تاريخهم سوى باحثين من منطقة «ليشانة»، مهد ثورة الزعاطشة الشعبية عام 1849.

جماجم شهداء جزائريين في متحف فرنسي مصدر الصورة (جورنال دي ديمانش).

قناة «فرانس 24» كانت قد بثت تقريرًا كشفت فيه عن 18 ألف جمجمة محفوظة بمتحف «الإنسان» في باريس؛ منها 500 فقط جرى التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائدًا من المقاومة الجزائرية قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن الـ19.

ولم يُكشف بدايةً سر هذه الجماجم سوى في مارس (آذار) 2011، على يد علي فريد بالقاضي، الباحث الجزائري المقيم في فرنسا. وفي العام نفسه، صدرت عريضة تطالب باسترجاعها؛ غير أن المطلب لم يلق رواجًا كبيرًا، وفي مايو (أيّار) الماضي، تمكن إبراهيم سنوسي، الأستاذ الجزائري في جامعة سيرجي بونتواز الفرنسية، من جمع قرابة 30 ألف توقيع لاسترجاع بلاده لهذه الجماجم.

تقرير فرانس 24 عن الجماجم الجزائرية في متحف باريس.

حملة «مانسيتش» للتذكير بجرائم فرنسا في الجزائر

شعار حملة أنا منسيتش مصدر الصورة (الشروق).

احتفلت مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالجزائريين بحملة عريضة تحت عنوان «أنا ما نسيتش»، بالموازاة مع الاحتفالات المخلدة للذكرى الـ55 للاستقلال، ويحاول النشطاء من خلال الحملة الوطنية التذكير بالماضي الاستعماري الوحشي للمستعمر الفرنسي الذي تتصالح معه السلطة من وجهة نظرهم، بينما ترفض باريس الاعتذار عن جرائمها في الجزائر.

بدورهم يطالب العديد من الفرنسيين دولتهم بالاعتذار للجزائر عما اقترفته من جرائم، حيث قدم 78 نائبًا فرنسيًا اقتراح قانون يقر علنًا بمسؤولية فرنسا في المجازر التي ارتكبت في حق الجزائريين بباريس وضواحيها في 17 أكتوبر (تشرين الثاني) 1961، لدى الجمعية الفرنسية، ويتكون مشروع القانون من مادة واحدة: «تعترف فرنسا علنًا بمسؤوليتها في المجزرة التي نجمت عن القمع الذي مارسته الشرطة الفرنسية في 17 أكتوبر (تشرين الثاني) 1961 بباريس في حق متظاهرين جزائريين كانوا يطالبون باستقلال وطنهم».

وأظهر سبر آراء أجراه معهد «إيفوب» الفرنسي، على ألف عينة ما فوق الـ18 سنة، بخصوص ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، أن 52% من الفرنسيين يؤيدون فكرة تقديم حكومتهم اعتذارًا رسميًا عن الجرائم التي ارتكبت خلال فترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وتعتبر هذه المرة الأولى التي تكون فيها أغلبية الفرنسيين مع تقديم حكومة بلادهم اعتذارات على جرائم القتل والتعذيب التي ارتكبت خلال فترة الاستعمار الفرنسي.

لماذا ترفض فرنسا الاعتذار للجزائر؟

عندما زار الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الجزائر صيف عام 2007 سألته الصحافة هناك عن السر في رفض فرنسا الاعتذار للجزائر عما ارتكبته فيها من فظاعات طيلة أكثر من 130 سنة من الاستعمار الاستيطاني، وعن الغاية من إلحاحه توقيع «معاهدة صداقة» مع الجزائر دونما اكتراث بمطالبة هذه الأخيرة بالاعتذار.
رد بالمباشر الصريح – وهو ببلد المليون شهيد -: «الصفحات القاتمة، وكذلك الآلام وأوجه الظلم، كانت كثيرة خلال السنوات الـ132 التي قضتها فرنسا في الجزائر، أنا مع الاعتراف بالوقائع، ولست مع الندم، الندامة مفهوم ديني، ولا مكانة لها في العلاقات بين الدول، لم آت هنا لجرح المشاعر، ولا لطلب الصفح، فتلك أحداث تاريخية، والتاريخ جزء من الماضي. أما الآن، فلنبنِ المستقبل». في إشارة واضحة منه إلى مشروع «الاتحاد المتوسطي» الذي نادى به خلال حملته الانتخابية، وسارع إلى محاولة تجسيده بزيارة إحدى كبريات دول جنوب المتوسط، محذرًا في سياقه من «اتخاذ أحداث الماضي ذريعة لإعاقة تنمية العلاقات بين البلدين».

اقرأ أيضًا: فرنسا والجزائر.. بين ضريبة التاريخ وحتمية التّعاون

قانون 23 فبراير (شباط) الفرنسي لـ«تمجيد الاستعمار»

قانون أصدرته الأغلبية المحافظة في البرلمان الفرنسي الممثلة لحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» في 23 فبراير (شباط) عام 2005 لنشر القيم الإيجابية التي حملها الاستعمار الفرنسي؛ وخاصة في المستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا، وفرض على المدارس الثانوية الفرنسية ضرورة تدريس تلك القيم والمعاني الإيجابية للطلاب، وأصدر خصيصى لتمجيد الأقدام السوداء والمذابح الفرنسية.

وفي أحد المحافل الدولية، رفض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، التوقيع على «معاهدة الصداقة» مع فرنسا بسبب هذا القانون موضحًا أن القانون يهدف لتزييف الحقائق التاريخية وإنكار الجرائم الشنعاء للمستعمر الفرنسي في القرن الماضي.

وقد خلق القانون – ولا سيما في بعض فقراته – ضجة عارمة ومعارضة في البرلمان من اليساريين،. واعتبره اليساريون بمثابة إنكار للجرائم العنصرية للاستعمار، كما انتقدوه باعتباره إحياءً لفكرة «اللوبي الاستعماري»، وهو مصطلح استخدم في أواخر القرن الـ19 في فرنسا للدلالة على الذين أيدوا ودعموا الاستعمار الفرنسي.

اقرأ أيضًا: «الأقدام السوداء».. إرثٌ مسموم بين فرنسا والجزائر

ما مصير مقترح قانون تجريم الاستعمار؟

مع حلول ذكرى الاستقلال، تعود ملفات عدة إلى دائرة النقاش الوطني ويتجدد معها الجدل، كما هو الحال مع مقترح قانون تجريم الاستعمار، الذي تقدم به مجموعة من نواب المجلس الشعبي الوطني نهاية سنة 2009، ونال وقتها إجماع كل الأطياف السياسية موالاةً ومعارضة، غير أن يدًا خفية عطلته ووضعته في أدراج البرلمان.

ووقع على مقترح القانون، 154 نائبًا برلمانيًا من كل التيارات السياسية، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى البرلمان الجزائري منذ تأسيسه، ويهدف المقترح إلى تجريم ما اقترفه الاستعمار من أعمال شنيعة في حق الجزائريين، ومطالبة فرنسا بالاعتذار والتعويض المادي والمعنوي على جرائمها، ثم تأسيس محكمة جنائية خاصة بهذه الانتهاكات، ناهيك عن رهن مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية بمدى اعترافها بجرائمها، بيد أن المقترح لم يعرف طريقه القانونية وفقًا للإجراءات المعمول بها في البرلمان، وتوقف مساره عند طاولة اجتماع الحكومة التي كان يرأسها وقتذاك أحمد أويحي.

ماكارون ينسف قانون تمجيد الاستعمار

«صفعة قوية»، تلك التي وجّهها إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي حين كان مرشّحًا للانتخابات الرئاسية لبلاده بوصفه 132 عامًا من استعمارها للجزائر بـ«الجريمة ضدّ الإنسانية»، تصريح ناري وغير مسبوق من مسؤول رفيع في التاريخ المعاصر لفرنسا، كان بمثابة الصاعقة التي زلزت المشهد السياسي الفرنسي، أثارت جنون اليمين وأقصى اليمين على وجه التحديد، وأحدثت ضجّة وجدلًا صاخبًا حول موضوع يعتبر من «تابوهات» السياسات الفرنسية المتعاقبة، وقد تشكّل أيضًا «انتحارًا سياسيًا» في بلد يرى معظم قياداته السياسية أن اعترافًا مماثلًا سيقود البلاد آليًا أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ماكرون أثناء انتخابه مصدر الصورة (جورنال دي دموش).

ومع أن ماكرون سبق وأن تطرّق إلى هذا الموضوع، في مقابلة سابقة له، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع صحيفة «لو بوان» الفرنسية، إلا أن تصريحه الأخير بدا أكثر حدّة وجرأة، وأسهب في وصف لم يسبقه إليه أي مسؤول فرنسي مهما بلغت درجة مناهضته للاستعمار.

متى تعترف فرنسا بجرائمها في الجزائر؟

ماكرون

تمرّ الذكرى الـ55 لاستقلال الجزائر ويمر معها في أذهان الجزائريين شريط الفظائع والمجازر المرتكبة، وفي نظر قطاع عريض من الشعبين الفرنسي والجزائري، فإنه لن يوقف ألمها سوى اعتذار واعتراف من فرنسا. بالأمس وصف ماكرون تلك الحقبة بالجريمة ضد الإنسانية، واليوم وهو صاحب القرار بات يتحاشى ذكر القضية، تيمنًا بعرابه الفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور، وتنصل من وعوده، في وقت ينتظر الجزائريون فيه من الرئيس الفرنسي المنتخب إيمانويل ماكرون الالتزام بما أطلقه من وعود تجاه الجزائر خلال حملته الانتخابية والتي أكد فيها أنه يعترف بجرائم الاحتلال الفرنسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد