«لسنوات طويلة كانت مصر محط أنظار العالم بأكمله؛ لما تتمتع به من مناخ صحي؛ ومع الوقت تحولت مصر إلى مصدر هام للعلاج الاستشفائي للمرضى من كل أنحاء العالم؛ لكثرة الأماكن العلاجية بها، والأسعار المناسبة لقدرات السائحين».

ذُكر هذا التصريح العام الماضي في واحد من المواقع الطبية البريطانية، بأحد المقالات التي تشرح أهمية العلاج الاستشفائي في مصر، وبالطبع مع زيادة قيمة الدولار أمام الجنيه المصري، فتلك الأسعار أصبحت أرخص بالنسبة للسائحين القادمين إلى مصر بكثير؛ الأمر الذي قد يشجع الكثير منهم مرة أخرى من أجل العلاج، وليس لزيارة المناطق السياحية فقط.

مصدر الصورة موقع: Private Tour Guide In Egypt

بيت الحياة في سوهاج.. مبادرة لإنعاش الاقتصاد المصري بالسياحة العلاجية

صالة الاستقبال بمنتجع بيت الحياة بابيدوس- سوهاج

هناك الكثير من الأماكن في مصر التي يستهدفها السائحين من أجل العلاج أو الاستشفاء بالطبيعة؛ باستخدام الدفن في الرمال، أو العيون الكبريتية والمعدنية؛ والتي تعمل على علاج أمراض العظام، والجهاز الهضمي، والأمراض الجلدية، والروماتيزم، وتتواجد تلك العيون في جميع أنحاء مصر، وربما يكون أشهرها في سيوة، وعين الصيرة، والواحة البحيرة، وشبه جزيرة سيناء.

الجزء الخاص بالتدليك والعلاج بالصوت والتأمل في منتجع بيت الحياة

مؤخرًا بدأت المنتجعات العلاجية في الظهور بصعيد مصر أيضًا، وتعتبر قرية أبيدوس والمعروفة بالعرابة المدفونة، والتابعة لمحافظة سوهاج، من الوجهات العلاجية للعديد من السائحين الآن، وعلى الرغم من عدم شهرتها لسكان مصر، إلا أن تلك القرية – كوجهة علاجية – لها شعبية كبيرة لدى السائحين الأجانب، وهذا يعود إلى مبادرة قام بها أحد سكان تلك القرية، حيث قام ببناء منتجع علاجي كامل على مساحة كبيرة من أرض أبيدوس، وبالقرب من معبد سيتي الأول؛ لأغراض العلاج الاستشفائي في مصر.

ويعتبر «محمد خضر» صاحب منتجع «بيت الحياة»، معالج بالطب الطبيعي والأعشاب، يلجأ إليه الكثير من السائحين.

محمد خضر- المشهور بحورس- في أبيدوس يتحدث عن الهدف من بناء هذا المنتجع أثناء عمليات الإنشاء

هذا المكان- بيت الحياة- استقبل هو ومالكه الكثير من السائحين منذ افتتاحة عام 2015، وأصبح لديه زائروه الدائمون.

«أنيليس آسنتي» أمرأة من هولندا، تعمل مضيفة طيران، وسافرت لعشرات من الأماكن حول العالم، ولكنها تحب مصر والأجواء الصحية في محافظاتها، وخاصة سوهاج؛ حتى أنها تزور أبيدوس من أجل الاستشفاء مرتين في العام؛ وعادة ما تقيم في بيت الحياة بأبيدوس.

أنيليس تعزف بالناي الخاص بها أثناء إقامتها ببيت الحياة العام الماضي

أنيليس راسلت «ساسة بوست» من هولندا؛ لتشرح أهمية مصر بالنسبة لها في علاجها النفسي والجسدي؛ حيث أوضحت أن حلمها أن تقيم أطول فترات ممكنة داخل مصر، ولا يمنعها عن ذلك سوى عملها وأسرتها، ولكنها تزور مصر مرتين في العام؛ لأن الأجواء في مصر تمنح قلبها وروحها – كما صرحت – دافع قوي للاستشفاء.

لماذا يقع السائحون في حب مصر بتلك الدرجة حتى تتحول إلى مزار سنوي لهم؟

سافر «ساسة بوست» مع إحدى المجموعات الكندية التي يشرف على زيارتها إلى مصر: مارك كيمبل وجانيت بيرو، حيث يقضون جزء من إقامتهم في بيت الحياة بأبيدوس.

علاج العقل والجسد.. أجواء مصر الصحية

صورة من الأعلى لبيت الحياة بابيدوس

مارك كيمبل متخصص العلاج الطبيعي والتغذية من كندا، يأتي إلى مصر مرة سنويًا ومعه مجموعة من عشرة أشخاص يعالجهم في المركز العلاجي الذي يديره في كندا؛ وجزء من خطة علاج هذه المجموعة؛ تعتمد على عناصر الطبيعة الإستشفائية في مصر، والتي تحدث عنها في هذا الحوار.

مارك بالزي الأزرق يشرح لمجموعته بعض المشاهد في واجهة معبد سيتي الأول

« لقد أهدتني زوجتي هذا السوار، المكتوب عليه إحداثيات قرية أبيدوس في مصر؛ في حين إن تهت بأحد البلاد، سيساعد هذا السوار الآخرين لردي إلى موطني الأصلي.. مصر» *قالها مارك كمبل موضحًا حبه الشديد لمصر.

جانيب بيرو يختلف عملها عن مارك، فمارك يرتكز عمله على معالجة الجسد، بينما تعزز جانيت عمل مارك بالتركيز على عقل المريض؛ حتى يكون أكثر استعدادًا لعملية العلاج الجسدي؛ وهذا من خلال تمارين التأمل واليوجا.

جانيت بيرو تتأمل أحد المشاهد داخل معبد سيتي الأول

يعتبر معبد سيتي الأول هو المكان المفضل في مصر لمارك كيمبل؛ حيث كان يعتبره المصريين القدماء واجهة للحِج في ديانتهم القديمة، حين كان يصل نهر النيل إلى هذا المعبد؛ فيأتي إليه المصريون من كل أنحاء مصر لزيارته عن طريق السفن والمراكب.

وأكد مارك أن السبب الرئيس لإحضار المجموعات التي يشرف على علاجها إلى مصر؛ لأن ما تحمله مصر من طاقة إيجابية وأجواء صحية؛ قادرة على تسريع وتعزيز عملية العلاج الطبيعي التي يقدمها إلى مرضاه، مؤكدًا – أثناء الحوار معه – أن المجيء إلى مصر آمن تمامً،ا وفي كل مكان يذهب إليه – هو ومجموعته – تصاحبهم سيارات الأمن التي تعمل على حمايتهم، دون أن تتطفل عليهم، بحسبه.

جانيت تقود المجموعة في تدريبات للتأمل في إحدى المقصورات الموجودة في بيت الحياة

وأثناء تواجدهم في أبيدوس، يقوم مارك بتدريبات العلاج الطبيعي التي يحتاجها مرضاه، مستغلًا الأجواء الصحية الموجودة بمصر، وعلى الجانب الآخر تقوم جانيت بقيادة تدريبات التأمل واليوجا للمجموعة، وتعمل مع المجموعة على توسيع نطاق العقل والخيال؛ حيث أخبرتهم أثناء إحدى الوجبات في مطعم المنتجع، أن عليهم عدم جمح زمام خيالهم وعقلهم، ولا يحاربون أية فكرة مجنونة تطرأ على بالهم، أو أية رؤية تراودهم، فالعقل البشري له قدرة قوية جدًا على الإيحاء للجسم، وإرسال إشارات له حتى يستجيب للعلاج بشكل أفضل، ولذلك تشجعهم جانيت، ألا يستهينوا بأفكار هذا العقل، مهما كانت مجنونة.

وفي نهاية اليوم تجلس المجموعة كاملة في دائرة بجوار حمام السباحة، ليحكوا تجاربهم خلال اليوم والتحسن الذي وصلوا إليه، ويطرحوا على مارك وجانيت أية أسئلة تخطر في بالهم، ليكون هذا الحديث هو نهاية اليوم العلاجي، ويسرعوا إلى غرفهم من العاشرة مساءًا؛ حتى يحصلون على قسط كاف من الراحة؛ ليكونوا مستعدين لتمارين التأمل التي تبدأ في السابعة صباحًا.

مارك أثناء جلسات الحكي قبل النوم

مسلمات يومية للمصريين هي معجزات علاجية للسائحين

يعتمد- مارك – كما أخبرنا؛ على عاملين مهمين في مصر من أجل الاستشفاء، وهما التغذية والشمس، فهناك الكثير من الفواكه والخضروات المفيدة في مصر، والمتوفرة بشكل دائم وغير مكلف ماديًا، في حين أنهم يفتقدون تلك النوعية من الأغذية في بلد طقسه برد وثليج، مثل كندا، فمثلًا: ثمرة البرتقال التي يقدمها لمجموعته ويكلفه ثمنها أقل عشرين مرة من ثمنها في كندا؛ تساعد في عملية الاستشفاء بأجسادهم، إلى جانب الفيتامينات الكثيرة والمغذية في باقي الوجبات المصرية.

والعامل الثاني والأهم هو الشمس، والتي يمكنها أن تشفي الإنسان بمجرد أن يتعرض لها بشكل كاف، إلى جانب ما تفعله الشمس للأرض؛ فتجعل رمالها قادرة على شفاء أمراض العظام، وهذا ما أكده لنا أيضًا محمد خضر مالك منتجع بيت الحياة، حيث يأتي إليه الكثير من السائحين خاصة في شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) من أجل الدفن في الرمال، الأمر الذي يساعدهم على إخراج السموم من أجسادهم، لتعود الحيوية إليهم مرة أخرى.

عم حمدي المسئول في متجر الاعشاب بالمنتجع يشرح لبعض السائحين الأجانب كيف يتم استخدام الاعشاب للعلاج

وهناك عامل آخر لم يتطرق إليه مارك كثيرًا في حديثه، بينما قام بعض أفراد المجموعة باستكشافه بأنفسهم، وهو الأعشاب الطبيعية، والتي من الصعب أن يحصلوا عليها في كندا، وتعتبر من الأشياء النادرة، بينما يمكن لكل مصري أن يجدها على ناصية شارعه لدى أقرب عطار، وهذا ما أبهر بعض أعضاء المجموعة الكندية، حيث قاموا بتجربة واستنشاق العديد من تلك الأعشاب.

بعضهم ابتاع القرفة؛ ليخلطها باللبن ويشربها قبل النوم من أجل نوم أفضل، وبعضهم ابتاع شايًا أسود «منعنع» قادم من السودان مباشرة؛ من أجل التهابات المعدة أو القولون العصبي، والبعض قام بشراء بهارات للطعام، وجميعهم ابتاعوا المسك الخام والبخور من أجل تمرينات التأمل.

وفي هذا المجال، العلاج بالأعشاب، قام محمد خضر بتأليف كتاب بالتعاون مع كاتبة هولندية؛ يشرح عملية الاستشفاء من خلال عوامل الطبيعة في مصر، وقدم الكتاب باللغة الإنجليزية، رغبة منه في تعزيز السياحة العلاجية في مصر، إيمانًا منه أنها مستقبل السياحة في مصر، وستكون عاملًا قويًا وكبيرًا – كما صرح لنا – في إنعاش الاقتصاد المصري، إذا اهتمت الدولة بالتسويق لها عالميًا بشكل أوسع.

يمكنك الاطلاع على جزء من الكتاب أهداه محمد خضر لـ«ساسة بوست»، من خلال الضغط هنا، لحين نشر الكتاب في نسخة ورقية.

ماذا لو نظرنا إلى مصر من خلال أعينهم؟

«لقد سافرت إلى أكثر من 15 دولة حول، وما وجدته وشعرت به في مصر.. تجربة مختلفة تمامًا» قالتها رينيه إحدى النساء بالمجموعة الكندية.

« كنت أحلم أن أزور مصر وأنا في عمر الـ8 سنوات» قالتها أماندا واحدة من أفراد المجموعة الكندية.

يعتبر الشيء المشترك، في تصريحات أفراد المجموعة الكندية، أثناء تحاورنا معهم عن زيارتهم لمصر؛ أن «هناك احساس رائع يولد بداخلك، ويصعب وصفه، عندما تأتي لمصر، ويجعلك مفعم بالحياة والراحة والسلام»، حتى حين أشارت واحدة منهم إلى أن القمامة والزحام هي أول ما رأته عيناها عندما دخلت إلى القاهرة، إلا أن تلك الأشياء أصبحت بلا معنى بالنسبة لها بمجرد مكوثها بضعة ساعات في مصر، ليتحول إحساس الرفض لتلك الفوضى، إلى إحساس بالحب والمودة تجاه سكانها ومبانيها والمعابد الموجودة في صعيد مصر.

وعندما سألنا تالون شابًا بالمجموعة، في أوائل العشرينات من عمره، عن السبب الذي يجعله في هذا السن، يتحمس إلى رحلة علاجية، معظم أفرادها من كبار السن، فأخبرنا أنه شخص يحب الاستكشاف، ومصر كانت بالنسبة له لغز كبير، وعندما جاء إليها أدرك أنها المرة الأولى، ولكنها لن تكون الأخيرة، خاصة بعد رحلتهم إلى الجبال الموجودة في قرية أبيدوس، والتي جعلته «يشعر بالسلام الداخلي والراحة»، إلى جانب إحساسه بالأمان لوجود الشرطة حولهم لحراستهم، الأمر الذي يفتقده في كندا.

شيريز شابة في الثلاثينات من عمرها، أخبرتنا أن تلك هي رحلتها الثالثة إلى مصر، ولكن في المرات الماضية كانت تزور مصر للسياحة فقط، ولكن حين جاءت لمصر مع مارك وجانيت، واختبرت التواجد في مصر من أجل العلاج الجسدي والاستشفاء؛ كانت التجربة أكثر جمالًا، وأثرت عليها بشكل إيجابي ولذلك قررت أن تأتي كل عام مع لنفس الغرض.

هل من الممكن أن تنقذ السياحة العلاجية الاقتصاد المصري؟

وزير السياحة يحيى راشد. مصدر الصورة جريدة البورصة

نشرت مجلة «fortune» العالمية، والمعنية بالشأن الاقتصادي؛ تقرير عن أمل مصر في استعادة ثقة السائحين مرة أخرى، ورسم السعادة على وجوههم، وبث الأمان في قلوبهم، وأوضح التقرير أن هذا الأمل يتمثل في السياحة العلاجية والاستشفائية في مصر، ومن خلال الرحلة التي شاركنا فيها مارك وجانيت وأصدقاؤهم؛ يمكننا القول إن تلك النظرية ليست مستحيلة.

الأمر الذي أكده مركز التعبئة والإحصاء في عام 2015، حين أكدوا «ارتفاع أعداد السياحة بغرض العلاج إلى 87 ألف و256 سائح خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) وحتى سبتمبر (أيلول) 2015، مقابل 84 ألف و120 سائح خلال الفترة المناظرة العام الماضى 2014»، الأمر الذي يبدو أنه استرعى اهتمام وزير السياحة يحيى راشد؛ حيث شارك في المؤتمر الدولي «التطوير السياحي المتوازن والسياحة العلاجية لواحة سيوة» بمحافظة مطروح خلال شهر مارس (آذار) الماضي؛ وتمت مناقشة المشكلات التي تواجه السياحة الدولية في سيوة والعمل على حلها.

على جانب آخر، أكد هشام الدميري رئيس هيئة تنشيط السياحة في أحدى تصريحاته قبل أيام: «نسعى من خلال مشاركتنا إلى إبراز السياحة العلاجية والاستشفائية في مصر نظرًا لما تمتلكه من مقومات وإمكانات كبيرة في هذا المجال، حيث يتم حاليًا إعداد قانون خاص بالسياحة العلاجية في مصر».

الأمر الذي يجعل السياحة العلاجية؛ أمل حقيقي في نظر البعض لإنقاذ الاقتصاد المصري؛ من خلال تنشيط السياحة، وتشجيع السائحين بالعودة إلى مصر مرة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد