631

عدة ساعات قصيرة قضاها المبعوث الأممي لليمن مارتن غريفيث في عدن من أجل إقناع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بوقف العمليات العسكرية في محافظة الحديدة، والتي لم تكن سريعة ولا خاطفة كما تمنّى التحالف، وبحسب التسريبات فقد أبلغ  غريفيث، الرئيس اليمني، موافقة الحوثيين على إشراف الأمم المتحدة على ميناء الحديدة، لكنّ هادي رفض العرض في البداية وتمسك بانسحاب الحوثيين غير المشروط من الحديدة ومينائها، وتسليمها للحكومة الشرعية، قبل أن يتراجع ويوافق على العرض.

على جانب آخر كان الهدف المُعلن لمعركة «النصر الذهبي» التي دخلت أسبوعها الثالث هو إخضاع الآخر للمفاوضات، وفرض شروط المنتصر على الأرض، وحتى الآن لا يُمكن التنبؤ بأنّ شوكة الحوثيين ستنكسر قريبًا، ولا يبدو أنّ التحالف قادر على إنهاء الحرب رغم انتصاراته، ولا أمل في أن المفاوضات ستنجح؛ لأنّ كل طرفٍ بدأ في حشد قواه.

هذا التقرير يوضح لك إلى أين انتهت المعارك في الساحل الغربي، وما هي فرص التحالف والحوثيين فيما تبقى من سيناريوهات الحرب والسياسية.

التحوّل العسكري.. التحالف العربي مُحاصر رغم انتصاراته

 سنجعل الساحل الغربي مستنقعًا يغرق فيه الغزاة.
* زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي

اتسمت عملية الساحل الغربي في البداية بتقدم سريع للقوات المقاومة الشعبية التي أسند التحالف العربي قيادتها إلى  العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح؛ بعد الساعات الأولى من القتال كان الجيش اليمني قد نجح في الوصول إلى مشارف المطار اليمني بعدما قطع عشرات الكيلو مترات في ظل انسحاب الحوثييين – أو فرارهم في بعض الروايات – قبل أن يُسيطر في النهاية على الشريط الساحلي من الجنوب وحتى مشارف الحُديدة، وصولًا إلى بوابة المطار، الهدف الرئيس في المعركة.

المصدر: الأخبار

ويجب التوضيح أن محافظة الحديدة تتكون من 26 مديرية، كانت تُسيطر القوات المدعومة إماراتيًّا منها على مديريتي الخُوخة، وحَيْس، قبل بدء عملية «النصر الذهبي»، وبعد ثلاث أسابيع من القتال تقدمت القوات في مدريات التحيتا، وبيت الفقيه، والحسينية، كما سيطرت على نصف مديرية الدريهمي، كما سيطرت على مناطق الإمداد الاستراتيجية مفرق زبيد والفازة، لكنّ طول المعارك في الساحل الغربي السهل من الناحية الديموغرافية مقارنة ببقية المناطق الجبلية التي يسيطر عليها الحوثيون أعطى إشارة ما بأنّ أسوأ ما سيواجه عمليات التحالف العسكرية لم يأتِ بعد.

ورغم الانتصارات التي حققها التحالف على طول شريط الساحل الغربي كما يظهر من الخريطة، إلا أنّ زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، سبق أن قال في خطاب الهزيمة الأول عقب هزيمة قواته في بداية الحرب: «العدو يستطيع أن يفتح معركة في الحديدة، لكن يستحيل عليه أن يحسمها»، الأهم من ذلك أنه توّعد بأنّ «اختراقات الخط الساحلي قابلة للاحتواء والسيطرة عليها»، وهو ما ثبت صحته بعد ذلك.

الانتصارات السريعة على الأرض سرعان ما تحولت إلى خنادق حصار واسعة، فالألغام الشرسة التي مازالت تختبئ في باطن الأرض الوعرة أجبرت التحالف على عدم إكمال تقدمه وصولًا إلى المطار والميناء، كما أنّ التحالف وجه نداء استغاثة لفرنسا للقيام بعملية استخباراتية ونوعية لإزالة الألغام التي حصدت أرواح مجانية لصالح الحوثي الذي لم تهدأ نيران مدافعه الثقيلة من استهداف 21 ألف جندي هم قوام الجيش المشارك في العملية.

على جانب آخر فالجيش اليمني بدأ تصعيده في جبهات أخرى بعيدة، في محاولة لتخفيف الضغط الحوثي الذي حشد قواه في المدينة من كافة المحافظات، وتشير التقارير الميدانية أن استراتيجية التحالف حاليًا تقوم على الحفاظ على مكتسبات الحرب بالرغم من المحاولة بالتقدم بقواته ببطئ في العمق، بينما الحوثي هو من يبدأ بالهجوم لإجبار خصمه على التراجع.

جدير بالذكر أن التحالف العام الماضي قد أطلق عملية «الرمح الذهبي» للسيطرة على الساحل الغربي ولتأمين الحدود المائية بداية من باب المندب وحتى ميناء الحديدة، لكنّ العملية لم تكمل أهدافها بانتزاع المحافظة الهامة للحوثيين؛ إذ أدى طول مدة المعركة إلى تراجع القوات للخلف مرة أخرى.

لكنّ الدرس الذي خرجت به الإمارات أنّ استراتيجية الحرب الخاطفة والاعتماد على عنصر المفاجأة هو الطريقة الوحيدة لاستعادة ميناء ومطار الحديدة، يقول قائد ميداني لـ«قوات العمالقة» المشاركة في العملية للجزيرة نت: «كنا نعتقد أننا سنسيطر على الحديدة بهجوم خاطف وسريع، أما الآن فالحوثيون يقصفوننا من داخل الأحياء السكنية، كما قطعوا طريق الإمداد عنّا، قبل أن يُضف: «لقد أصبحنا تحت الضغط».

التمركز الحوثي في المناطق الجنوبية والغربية من المحافظة قاد الحرب حاليًا لجمود عسكري في الجبهات المشتعلة، وعلى رأسها المطار الذي روجت الآلة الإعلامية للتحالف بأنّ القوات اليمنية والسعودية والإماراتية نجحت في السيطرة عليه مستخدمين صورًا قديمة لهم داخل المطار، وهو ما نفاه الرد الرسمي للحوثي الذي أكدت الأيام صحته مع مرور الوقت.

سيناريوهات الحرب والسياسية.. ما هي خيارات كل طرف؟

الحوثيون: التفاوض مع السعودية لا مع هادي

بعد ثلاث سنوات من الحرب، لازال أطراف النزاع على اعتقاد أن المسار التفاوضي مرتبط دائمًا بالتقدم الميداني، وحيث تفشل الجهود السياسية تتدخل الآلة العسكرية لتعديل الموازين، وكل من الحكومة اليمنية والسعودية كانتا ترفضان التفاوض الرسمي مع الحوثيين الذين أجبروا أعداءهم على الجلوس معهم على طاولة المفاوضات، ورغم أنها لاتزال تفشل، إلا أنهم حظوا باعتراف دولي بهم، وخلال زيارة المبعوث الأممي الأخيرة استطاع أن يتوصل إلى اتفاق نادر حول ثلاثة إنجازات: «التفاوض، والموافقة على تسليم الميناء تحت إشراف أممي، وتوقف العملية العسكرية».

Embed from Getty Images

حين كانت التطورات العسكرية في بداية المعركة تشير لتقدم ملحوظ لقوات التحالف العربي دفعت الخسائر الحوثيين -وفق تسريبات – لبدء مفاوضات مع المبعوث الأممي من أجل تسليم ميناء الحديدة وفق شروط أبرزها، عدم اعتراض البضائع المتجهة إلى مناطقها وإلزام الحكومة الشرعية بتسليم رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها، وإيقاف الحرب وعدم استهداف مناطق جديدة تحت سيطرتها، وإلزام التحالف بإيقاف الغارات، وبدء مفاوضات سلام، مع وضع ضمانات كافية بعدم خرق وقف إطلاق النار.

لكنّ التحالف عندما كان في موقف المنتصر رفض تلك التنازلات، واشترط تسليم المدينة وإلا القتال؛ ما يعني بأنه يُطالب خصومه بإعلان هزيمتهم والإذعان لشروطه، لكنّ الانتصارات لم تكتمل مع بداية الجولة الثانية؛ فالأمم المتحدة أدرجت التحالف العربي للمرة الثانية على القائمة السوداء لانتهاكها حقوق الطفل في الحرب؛ كما طالبت 15 منظمة حقوقية فرنسية ودولية الإمارات والسعودية بوقف عملياتهما العسكرية في الحديدة اليمنية بالتزامن مع دعوة لفرنسا لوقف تصدير الأسلحة بشكل كامل إلى أبوظبي والرياض؛ بسبب اتهامات بقتل المدنيين في اليمن، أيضًا «منظمة العفو الدولية» -اتهمت دول التحالف بتجويع ملايين اليمنيين بمنعهما دخول المواد والسلع الأساسية، وتعريض ملايين المدنيين لخطر الموت بعد تفاقم الأزمة الإنسانية وتفشي الأمراض والأوبئة.

يرى البعض أن إطالة أمد الحرب والاتهامات الدولية أسقطت المبرر الأخلاقي الذي قامت عليه الحرب أساسًا في اليمن بإعادة الشرعية، وهو ما يدفع السعودية للقبول بالتفاوض، لكنّ خطأً صدر عن التحالف لسيناريو ما بعد الحرب ربما يعقّد المفاوضات؛ فالمتحدث باسم التحالف كشف في مداخلة هاتفية عن خطة التحالف لما بعد تحرير ميناء الحديدة، قائلًا: «إذا تم تحرير الميناء، فسيكون هناك عمل مشترك بين الحكومتين السعودية والإماراتية بالتنسيق مع الحكومة اليمنية في إدارة الميناء»، وهو ما يعطى فرصة للحوثيين برفض التفاوض، خاصة أنّ الأمم المتحدة سبقت وأن رفضت عرض دول التحالف بإدارة الميناء؛ لأنه ليس من صلاحيتها، وليس من اختصاصها.

من جهة أخرى فالحوثيون أعلنوا صراحة أنهم لن يقوموا بتسليم الميناء على لسان القائد الحوثي محمد البخيتي الذي قال: «لم يسبق لأية دولة أن سلمت جزءً من أرضها طوعًا للغزاة (في إشارة للقوات الحكومية اليمنية وقوات التحالف العربي)، وهذا يعني منح الغزاة سلميًا ما عجزوا عن تحقيقه عسكريًا وسيطالبون بالمزيد»، على حد تعبيره.

وبالحديث عن خيار كل طرف، يبدو أنّ الخيار الأسهل للسعودية هو إيقاف العمليات العسكرية لوضع حد للأزمة الإنسانية وبدء المفاوضات، خاصة أنّ حلفاءها الأوروبيين تحركوا مؤخرًا لإيقاف العملية العسكرية تزامنًا مع تحذيرات الأمم المتحدة، وسبق للولايات المتحدة في منتصف الحرب أن توصلت إلى حل وسط بين الطرفين للقبول بتسليم الميناء للإشراف الدولي، لكن التحالف العربي رفضها.

على جانب آخر فالحوثيون لا يُمكن لهم بأية حال المساهمة في تفاوضات تُعطي مزيدًا من المكاسب للسعودية والإمارات، ويبدو أنّ الخيار الأسهل للحوثي هو استمرار القتال والدخول في مفاوضات جنبًا إلى جنب مع جهوده لإطالة أمد الحرب التي يستفيدون منها رغم خسائرهم.

 ويبدو أن الحديدة نفسها لن تسقط بسهولة، فالمساحات الشاسعة أفشلت أيضًا سيناريو العام الماضي الذي تمثل في هجوم متعدد الأطرف من الشمال والجنوب، قبل أن تتراجع عنه القوات التي وجدت أن تلك الخُطة تُطيل الحرب وتستنزف التحالف، أيضًا الكثافة السكانية للمدينة التي تحوي نحو مليوني نسمة، تزيد المعاناة الإنسانية القائمة، وتقع بالمساءلة على دول التحالف، وحتى لو سقط المطار والميناء، فلا يزال أمام التحالف نحو 20 مديرية ما زالت في قبضة الحوثيين، أي أن مسرح الكر والفر لن ينتهي بسهولة.

هل تنجح المفاوضات في هزيمة الحوثيين؟

في حال نجحت جولة المفاوضات الأخيرة وتوصل الطرفان إلى صيغة نهائية لإنهاء عملية «النصر الذهبي»، ومنع التصعيد في محافظة الحديدة مع تسليم الميناء لإشراف أممي والسماح بدخول المساعدات، وعلى افتراض أن التحالف من جانبه وافق على شروط الحوثيين بإيقاف الحرب وعدم استهداف مناطق جديدة تحت سيطرتها، فستبقى الحقيقة الكبرى أنّ السلام مع الحوثيين لن يُنهي الحرب أيضًا.

Embed from Getty Images

(وزير الخارجية في حكومة الحوثيين يتحدث مع المبعوث الأممي لليمن في عمّان)

وفي حال قام الحوثيون بتسليم الميناء، فعلى الأرجح ستستمر المعارك في مديريات المحافظة لإجبار الحوثيين على التقهقر نحو العاصمة صنعاء التي تبعد نحو 220 كم عن الميناء، والتي ستسقط تدريجيًا، وهو ما سيترتب عليه فقدان جماعة الحوثي حضورها السياسي في المشهد اليمني للأبد بخسارتها مزيدًا من الأراضي الاستراتيجية، فبالرغم من أنهم أجبروا خصومهم على الجلوس معهم على طاولة المفاوضات، إلا أن التفاوض نفسه قد يكون سببًا في خسارة الجماعة ما ظلت محتفظة به لسنوات.

ولطالما صبّت الحرب – رغم خسائرها – في صالح الحوثيين؛ فالحرب التي دخلت عامها الرابع قلبت كل الموازين؛ فلا الجيش اليمني استطاع دخول صنعاء، ولا القبائل الثائرة لعلي عبد الله صالح استطاعت هزيمة جماعة الحوثي، ولا التحالف العربي تمكن من حسم الحرب، ولا السعودية والإمارات حافظا على أهدافهما متماسكة من القتال؛ فالأولى ترفض الانفصال. والثانية تدعم مصالحها في الجنوب.

كما أنّ تباطؤ العمليات العسكرية صبّ في صالح الحوثيين بامتياز، فبينما جعلهم يستحوذون على المناطق التي استولوا عليها أكبر فترة ممكنة، أظهرهم باعتبارهم قوة عسكرية منتصرة لها ثقلها على الأرض، كما ساهمت المعاناة الإنسانية في خلق مناخ مُعارض لدور السعودية والإمارات في الداخل، وهو ما يخلق دعمًا سياسيًا للحوثيين رغم انقلابهم.

وحتى الآن لا يبدو أنّ معركة الحديدة ستنتهي بالتفاوض؛ فحتى إذا نفذّ الحوثيون وعدهم بتسليم الميناء والمطار، فلا يمكن للتحالف أن ينفذ مطالب الحوثيين، وهو ما ستعوّل عليه جماعة الحوثي لاستئناف القتال، على جانب آخر يبدو الحشد العسكري الذي تزامن مع إعلان بدء المفاوضات إعلانًا واضحًا بأن الطرفين قررا استئناف القتال تمهيدًا الخاسر على شروط المنتصر، وبحسب مراقبين لا يمكن التفاوض تفاوضًا حقيقيًا على الحديدة باختصار؛ لأنها ستغير خريطة الحرب في اليمن لصالح المنتصر.