انطلقت قبل أيّام حُمّى الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بدا فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واثق الخُطا من قرار تبكير الانتخابات العامة في أبريل (نيسان) 2019، يدعم ذلك ثِقته بما أظهرته استطلاعات الرأي من تفوّق واضح لصالحه في السباق الانتخابي القادم.

الكثير من المفاجآت حملتها هذه الحملة الانتخابيّة، إذ شهدت سباقًا لمجموعة من الجنرالات وعراك بين قطبي المعارضة الإسرائيلية، وصراع محموم نحو تقديم ردع قطاع غزة على طبق التعهّدات الانتخابية، لكن كلّ هذا يبدو أنّه لن يهدّد مصير نتنياهو بأن يصبح بعد هذه الانتخابات صاحب أطول فترة في رئاسة الوزراء في إسرائيل متجاوزًا بذلك «مؤسسّها» ديفيد بن غوريون.

هربًا من المحاكمة

لم يكن قرار رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مفاجئًا، حين وجّه ائتلافه الحاكم نحو الذهاب مبكرًا إلى الانتخابات العامة في التاسع من أبريل 2019، بدلًا من إجرائها في موعدها الأصلي المقرّر في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.

Embed from Getty Images

بنيامين نتنياهو

يقف وراء رغبة نتنياهو في تقديم الانتخابات، سباقُه مع المدعي العام أفيشاي ماندلبليت، الذي يقترب من اتخاذ قرار بتوجيه اتهام ضده، إذ يعدّ نتنياهو العُدّة لتأمين مسألة إعادة انتخابه قبل توجيه لائحة الاتهام ضده، فمن المفترض أنّ النائب العام سيمتنع عن توجيه تُهم ضد الشخص الذي يقود إسرائيل منذ مدة طويلة في خضم حملة انتخابية، خاصة أن القانون الإسرائيلي لا ينص بوضوح على أن على رئيس الوزراء الاستقالة من منصبه إذا تم توجيه لائحة اتهام ضده، وإنما ينصّ على تنحّيه من منصبه بعد إدانته بجرائم تنطوي على مخالفة أخلاقية، بعد استنفاد إجراءات الاستئناف.

ويخدم نتنياهو كذلك، الاعتقاد السائد بأن اليمين الإسرائيلي غير محبوب لدى المحكمة العليا، وإشاعة أن المحاكم  الإسرائيلية يسارية متحيزة بطبيعتها، ولذلك على مدى عقود اعتاد رؤساء «الليكود» مهاجمة سلوك الشرطة الإسرائيلية تجاههم، والترويج إلى أنها أسوأ عدو لهم، وليست جهة تتعامل مع قضايا فساد وأخلاقيات، ويخدم استغلال نتنياهو لما سبق وجود 21٪ من الإسرائيليين فقط يتمتعون بمستوى ثقة عالٍ بالشرطة.

وفي قراءة أولى تتعلّق بحظ نتنياهو بالفوز بهذه الانتخابات، قد يكون عام 2019 بالنسبة له هو العام الذي يصبح فيه صاحب أطول فترة في رئاسة الوزراء في إسرائيل، متجاوزًا بذلك مؤسس الكيان ديفيد بن غوريون، ويعود هذا التوقّع أولًا لما يظهره استطلاع حديث – نشرته جيروزاليم بوست – من أنّ حزب «الليكود» سيحصل على نحو 30 مقعدًا في الانتخابات المقبلة محافظًا بذلك على قوته الحاليّة، مما يعني أن نتنياهو سيكون قادرًا على تشكيل الحكومة القادمة، وتوقّع الاستطلاع أن يحصل الحزب الجديد الذي أسّسه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بيني غانتس، على 13 مقعدًا، أي سيكون القوّة الثانية في الكنيست بعد الليكود.

ومن السهل على نتنياهو التصدّي لما يهدّد أحزاب اليمين الصغيرة بعدم تجاوز نسبة الحسم، على ضوء تشكيل وزير التربية، نفتالي بينيت، ووزير العدل، أييلت شاكيد حزبًا جديدًا  هو «اليمين الجديد» لدمج العلمانيين والمتدينين في الحزب، لذلك فهو يسعى إلى تحقيق دمج بين أهم حزبين هما «إسرائيل بيتنا» وحزب «كولانو» في قائمة واحدة لمنع سقوط اليمين.

«هآرتس»: 52% لا يريدونه.. كيف سينجح نتنياهو في أهم انتخابات منذ تأسيس إسرائيل؟

وهو يواجه معارضة منقسمة وضعيفة

رئيس الوزراء يهزم باستمرار المعارضين الأيديولوجيين، ويتفوّق على المنافسين بمزيج من المكر السياسي ولسمعته باعتباره صقر أمن،  لقد فشلت المعارضة في تشكيل زعيم يتمتّع بالكاريزما والجاذبية اللازمة لإزاحته. *وكالة «بلومبرج» الأمريكية واصفةً نتنياهو

إلى غاية كتابة هذا التقرير، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تطلعنا على فضّ حزب العمل الإسرائيلي المعارض شراكته مع حزب «الحركة» الذي ترأسه وزيرة الخارجية السابقة، تسيبي ليفني، وهو ما يؤكّد على مكاسب نتنياهو من وجود انقسامات داخل المعارضة، إذ يخدمه تمزّق معسكر اليسار والوسط، وصل الأمر لحد قول زعيم حزب العمل الإسرائيلي آفي غاباي: «أنا فقط أكلت (خراء) من تسيبي ليفني منذ أن منحتها زعامة المعارضة»، لترد ليفني بالقول: «غاباي يقول أنّه أكل الخراء مني! لا أعلم ماذا كان يأكل، لم أنظر إلى صحنه».

Embed from Getty Images

بقايا متفحمة من الملصقات الانتخابية لنتنياهو في أرصفة المدينة خلال انتخابات عام 2015

وعلى الرغم من تراجع شعبية نتنياهو في صفوف الناخبين، إلا أن اعتقاد معظم الإسرائيليين أن أيًا من خصومه ليس ملائمًا لهذا المنصب يلعب دورًا في دعم فوزه برئاسة الحكومة، ناهيك عن عدم جدوى  تركيز المعارضين لنتنياهو على إشاعة أن اليمين يحاول تقويض حكم القانون في إسرائيل، وهو ما أخذ يكرّر خلال الدعاية الحالية. تصرّح ليفني في هذا السياق: «بالنسبة لها تميزت السنوات الأربع الأخيرة بشعور من الذعر والخوف على مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، إن الانتخابات الجديدة تعطي للجمهور أملًا بأن بإمكاننا أخيرًا تغيير هذه القيادة الفاسدة التي قامت بتسويد وجه إسرائيل».

وحسب المحللين الإسرائيليين، فإنّ التركيز على الفساد وسيادة القانون من القضايا المهمة في الانتخابات، بدليل شعار انتخابات عام 1992، فحين رُفع شعار «الناس الفاسدون، لقد سئمنا منكم!»، فاز رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين بتشكيل الحكومة وسقط «الليكود»، لكن هذه الرسالة في لغة اليوم ليست كما كانت لصالح المعارضة عام 1992، إذ طغى الأمن وأولويات أخرى على اهتمامات الإسرائيليين الآن.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت مع تسيبي ليفني

كما أن نتنياهو في حال تم تقديمه للمحاكمة سيعمل على توظيف محاكمته لصالحه في الانتخابات، وذلك من خلال التركيز على أن مطاردته وملاحقته من قبل اليسار تتم لما يمثّله باعتباره قائدًا لمُعسكر اليمين، بهدف تنفيذ «انقلاب» في الحكم. وهو يستخدم تعبير «انقلاب» لضمان بقاء معسكر اليمين متحفّزًا للمشاركة في العملية الانتخابية، مقابل إدخال اليأس في أوساط معسكر المعارضين له من الوسط واليسار.

يذكر أن هناك ثلاث قضايا فساد قدّمت فيها لوائح اتهام ضد نتنياهو: أولها القضية (4000) التي تعدّ الأكثر خطورة، إذ  يُشتبه فيها بقيام نتنياهو حين كان وزيرًا للاتصالات بجانب رئاسة الحكومة 2015 وحتى 2017 بالدفع بقرارات تنظيمية لإفادة أكبر شركة اتصالات في إسرائيل «بيزك» مقابل الحصول على تغطية إيجابية له من موقع «واللا» الإخباري.

ثاني هذه القضايا هي القضية (1000) التي يتّهم فيها نتنياهو بالحصول على مزايا بقيمة مليون شيكل (282 ألف دولار) من رجال أعمال أثرياء، من بينهم المنتج الهوليوودي الإسرائيلي أرنون ميلتشان، مقابل مساعدتهم في مسائل مختلفة، أما القضية (2000) وهي الثالثة، فتتعلّق بصفقة غير قانونية بين نتنياهو وناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أرنون موزيس،  تقضي بفرض نتنياهو قيود على صحيفة «يسرائيل هيوم» المنافسة مقابل الحصول على تغطية ودية أكثر من يديعوت.

«بوليتيكو»: نتنياهو يخطط للإفلات من قضايا الفساد بمساعدة ترامب.. كيف يحدث ذلك؟

«صراع الجنرالات» يُلقي بظلّه على الانتخابات الإسرائيلية القادمة

سرعان ما أخذت الحملة الانتخابية الإسرائيلية تشهد دخول جنرالات من الجيش الإسرائيلي معتركها الدعائي، يرتكز هؤلاء على أهمية وجود مرشحين ذوي خلفية عسكرية وأمنية يصعّدون من خطابهم العسكري لنيل أصوات أكثر، لأنه من شأن المؤهلات العسكرية العامة أن تقدّم ثقلًا مضادًا لنتنياهو بعد أن أصبح الوضع الأمني ​​في إسرائيل أكثر هشاشة.

Embed from Getty Images

نتنياهو  مع بيني غانتز

أبرز هؤلاء، كان رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بيني غانتز، الذي سجّل نسبة عالية إلى حدٍّ ما في استطلاعات الرأي الإسرائيلية، ولذلك هو يشكّل تهديدًا استثنائيًّا يجب ألا يستهين به نتنياهو، وتتعلّق فرص فوز غانتز  الذي سجّل حزبه الجديد تحت اسم «حوسين ليسرائيل» (حصانة لإسرائيل) بتفضيل الكثير من الإسرائيليين بسبب خلفيته العسكرية العسكرية، على اعتبار أن هؤلاء هم الضامنون لأمن إسرائيل، خاصة أن تجربة رؤساء الوزراء السابقين إسحق رابين وإيهود باراك الذين انتقلوا من رأس الجيش إلى رئيس الحكومة كانت حاضرة دائمًا.

لكن وسائل إعلام إسرائيلية تأخذنا إلى احتمالية سقوط نجم غانتز أسوة بما حصل مع رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي السابق أمنون ليبكين-شاحاك، الذي دخل معترك السياسية بعد تقاعده من الجيش في عام 1998، فأنشأ حزبه الخاص، وحلّق إلى قمة استطلاعات الرأي، لكن حين بدأت الانتخابات لم ينل مقاعد كثيرة وخسر قيادة حزبه، وحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، فإن غانتز «يشكل شبهًا سطحيًا لـ ليبكين-شاحاك أكثر من شبح لإسحاق رابين الحاد والجاذب أو باراك الذي يتمتع بثقة عالية، ولكن الآن فقط على مدى الأشهر الثلاثة واللاحقة سنتعرف عليه ونعرف ما يمكن أن يفعله».

ويدعم فرص غانتز الوضع المتدهور على طول الحدود الجنوبية للاحتلال مع قطاع غزة، وكذلك الوضع في سوريا، فالانسحاب الأمريكي من سوريا الذي يخشاه الإسرائيليون بدون ضمانات أمنيّة موثوقة ضد العدو اللدود: إيران وحزب الله الموجودين على حدودها الشماليّة، وهو انسحاب تزامن مع فتح إسرائيل جبهة مع حزب الله اللبناني عرفت بدرع الشمال التي تقوم على اكتشاف وتدمير الأنفاق التي حفرها الحزب تحت الحدود.

هناك جنرال آخر سطع نجمه في هذه الانتخابات، وهو وزير الأمن السابق موشيه يعالون الذي أعلن عن نيته الترشح في الانتخابات بعد تشكيله حزب جديد، ومن المتوقع أن يعلن عن تشكيل ائتلاف مع حزب غانتز بعد ضم شخصيات سياسية إضافية إلى ائتلافهما، لذلك يطلق على ائتلافهما «ائتلاف رؤساء الأركان».

ويطمح يعالون إلى تغيير نتنياهو الذي كان قُطبًا في حزبه الحاكم قبل أن يستقيل لخلافه مع الأخير، يقول يعالون: «لن أدخل في ائتلاف حكومي يقوده نتنياهو، لأني أعتقد أن التهديد الحقيقي الذي يواجه إسرائيل هو من داخلها، ولذلك يمكن لي أن أجد قاسمًا مشتركًا مع غانتس، نحن نتحدث دائمًا، ولدينا جدول أعمال متفق عليه في كثير من المجالات»، وتابع القول في موقع «ويللا» العبري: «منذ توقف الحرب الأخيرة في قطاع غزة «الجرف الصامد» 2014، وإلى ما قبل شهور قليلة، لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل، لذلك لا يمكن القول إن الردع الإسرائيلي في غزة قد انهار، ولكنه تآكل، بسبب الحسابات الحزبية للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية».

كذلك، أعلن العميد احتياط في جيش الاحتلال غال هيرش، عزمه خوض الانتخابات برغم اتهامه بالتورط في قضايا فساد، وقد ينضم  هيرش إلى الليكود، ويترشح لقائمته، بدعم من وزير الشرطة الحالي غلعاد أردان.

غزة.. ورقة الحسم في الانتخابات الإسرائيلية

انتخبوني وسترون ماذا سأفعل في غزة. أول تصريح لوزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفغدور ليبرمان ضمن حملته الدعائية للانتخابات العامة الإسرائيلية.

وتابع ليبرمان: «حكومة نتنياهو تتوسّل مصر بعودة الهدوء مقابل عدم استهداف قيادة المقاومة في غزة واستمرار تحويل الأموال القطرية، سياسة نتنياهو في التعامل مع مسيرات العودة في قطاع غزة تؤدّي لتآكل قوة الردع الإسرائيلي».

Embed from Getty Images

أفيغدور ليبرمان (إلى اليسار) و نتنياهو

تصريح ليبرمان وغيره من المرشحين الإسرائيليين يأتي ضمن نهج استغلال الوضع الإسرائيلي مع قطاع غزة في الانتخابات، فالدعايات الانتخابية ستركز على أساليب التعامل الأنجع من وجهة النظر الإسرائيلية مع الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، وذلك لكون منظومة الانتخابات الإسرائيلية تجعل من غزة منطقة حساسة جدًا، ولذلك طلب نتنياهو من مصر إرسال رسالة إلى «حماس» تفيد بحرصه على هدوء طويل الأمد من أجل التفرّغ للانتخابات المبكرة، ورغم ذلك حضر تهديد نتنياهو بتصعيد الأوضاع مع غزة مما قد يؤدي إلى حرب جديدة، وذلك في وقت يظهر أنه ليس لدى «حماس» رغبة بتسخين الحدود، لكن الحركة تدرك أن شدّ الحبل أكثر، سيتسبب بإحراج نتنياهو، وهو وضع يهدّد القطاع عسكريًا ويهدد خطّة التسهيلات القائمة على مراحل.

يقول مختص الشؤون الفلسطينية بموقع يسرائيل «بلاس» العبري بر شلومي ألدار أن «تأثير الانتخابات الإسرائيلية يلقي بظلاله على الوضع في غزة، لكن يبدو أن حماس قد تعاود اللعب بالنار، في ظل متابعة قادتها للتطورات الدراماتيكية التي تشهدها الحلبة الحزبية الإسرائيلية، ويخشون أن يقدم نتنياهو على وقف إرسال الأموال القطرية، كي يتجاوز الانتقادات التي يوجهها خصومه الحزبيون».

ويتابع القول: «قد يُعاد سيناريو حرب (الرصاص المصبوب) التي سبقت انتخابات العام 2009، رغم أنّنا شهدنا في الأسابيع الماضية كيف اضطرّ العسكر في غزة وإسرائيل للعضّ على شفاههم، وممارسة ضبط النفس في أكثر من جولة تصعيدية، كل لحساباته الخاصة، لكن ذلك قد لا ينجح دائمًا».

المصادر

تحميل المزيد