هل الاختلافات في الرؤى بين إيران وروسيا في الشرق الأوسط إرهاصات «طلاقٍ بائن» محتوم، أم مجرد زوبعة في فنجان ينفخ فيها الإعلام الغربي؟ وهل روسيا مستعدة لحرق جسورها مع إيران من أجل عيون منافسيها في الخليج؟ ولماذا يكاد الكرملين يستقبل العقوبات الأمريكية على حليفه الإيراني بترحاب كبير؟

وهل بإمكان إيران إدارة ظهرها لروسيا بعد طول تحالف؟ وهل ستقضي الحرب الأمريكية التي يلوح بها ترامب على إيران أم ستقوي نظام الملالي وتحشد الجبهة الداخلية خلفه في مواجهة غزو «الشيطان الأكبر»؟ وما هي آفاق العلاقات العسكرية الإيرانية-الروسية بعد 2020، في ظل التحديات الراهنة؟ وما هو موقع احتياطات الغاز من الإعراب في سباق المصالح بين السعودية وإيران على الساحة الدولية؟

التقرير التالي يحاول أن يجيب عن هذه الأسئلة.

اشتباكات دامية أم مؤامرة غربية؟

نقلت «وكالة الأناضول» عن مصادر قالت إنها مطلعة أن اشتباكات وقعت بين القوات الروسية والإيرانية في دير الزور وحلب أسفرت الأولى عن مقتل اثنين من الحرس الثوري وإصابة أربعة من الشرطة العسكرية الروسية. وقد وضعت الوكالة التركية الاشتباكات في سياق «زيادة التوتر والتنافس على الهيمنة بين القوات الروسية والإيرانية في سوريا خلال الآونة الأخيرة». واعتبرته إيمان الزيات في صحيفة «عرب ويكلي» مؤشرًا على نهاية «الزواج غير المرغوب فيه» بين موسكو وطهران في البلد الذي مزقته الحرب. فيما ذكرت الصحيفة أن عدد القتلى في حلب لا يقل عن 11 شخصًا، بينهم مدنيون، مرجحة أن «تؤدي هذه الاشتباكات إلى إشعال فتيل التوترات بين الجانبين».

وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان»: إن الاشتباكات ربما تكون بسبب التنافس على السيطرة على نقاط التفتيش في المدينة؛ لأنها تجلب الكثير من الأموال للقوات الموجودة على الأرض. وعلَّق مايكل ديفيس على هذه التطورات في مجلة «ذا ترومبيت» الأمريكية قائلًا: الأهداف المتضاربة وصراع المصالح في سوريا يمكن أن يدفع روسيا بعيدًا عن إيران.

في المقابل سارع موقع «قناة العالم» إلى التشكيك في الخبر واتهام وكالة الأناضول ضمنيًا بمحاولة التغطية على «قصور تركيا في تنفيذ تعهدها بإنهاء وجود التنظيمات الارهابية في إدلب، وفقًا لما نص عليه اتفاق سوتشي».

وخصص الموقع الإيراني تغطية أخرى لإبراز رد المتحدث باسم الخارجية الايرانية وسفير سوريا في طهران على هذه «الشائعات» التي تهدف إلى «إظهار العلاقات الروسية-الإيرانية بصورة سيئة»، و«تدمير جسر العلاقة بين موسكو وطهران».

هل روسيا مستعدة لحرق جسورها مع إيران؟

تحذر صحيفة «عرب ويكلي» موسكو، بالقول: «الساعة تدق، ولن يمر وقت طويل حتى تنشئ طهران ميليشيا في سوريا على غرار حزب الله في لبنان وقوات الحشد الشعبي في العراق». مشيرة إلى أن الروس، الذين شربوا في ثمانينات القرن الماضي من الكأس المسمومة في حرب العصابات الأفغانية، يعرفون أفضل من أي شخص آخر مدى الكارثة التي ستتكشف في نهاية المطاف إذا لم تكبح جماح ميليشيات إيران.

لكن الصحافية تعود وتشير إلى أن روسيا ليست مستعدة لـ«حرق كل جسورها مع طهران»؛ ليس فقط لتحالفهما الراسخ في سوريا، وإنما لتعاونهما الوثيق أيضًا في مجموعة واسعة من الملفات، تشمل الطاقة والأمن في منطقة بحر قزوين والصراع الأفغاني.

علاوة على أن إبقاء إيران في المدار الروسي يوفر لموسكو ورقة مساومة قيّمة يمكنها استخدامها في المفاوضات مع واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط، وإن كان التحليل يرى أن هذه «حيلة قديمة وغير فعالة».

حربٌ محتملة تلوح في الأفق.. هذه خيارات إيران في حال أعلنت أمريكا الحرب عليها

حين تصبح طبول الحرب أعذب من عزف الموسيقى

يمكن القول إن قرع طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يقع على مسامع الكرملين كالموسيقى، وبينما تلوح أزمة بين واشنطن وطهران تستعد موسكو لجني الفوائد، طالما بإمكانها أن تحدّ من الأضرار، كما يقول نيكولاس غفوسديف في صحيفة «ذا هيل». وفي الوقت الذي يرى بيتر فولكمار في مجلة «فوربس» أن السعودية وإسرائيل والإمارات سعداء بتكبيل منافسهم الاستراتيجي بالعقوبات الأمريكية، فإن الروس هم أكثر المستفيدين والأقدر على ملء الفراغ الذي ستخلفه طهران.

ويُفصل غفوسديف في مقاله، كيف تستفيد روسيا من استئناف العقوبات الأمريكية الصارمة ضد مبيعات النفط الإيراني على النحو التالي:

  • لا تقتصر الفائدة على اكتساب الشركات الروسية حصة سوقية إضافية، مع تقليل عملاء مثل اليابان والهند وكوريا وإيطاليا مشترياتهم من إيران، بل تظهر روسيا أيضًا، باعتبارها مزود للطاقة أكثر موثوقية ويمكن الاعتماد عليه في الأسواق العالمية.
  • في الوقت ذاته، يتيح انهيار صادرات النفط الإيراني اصطياد عصفورين بحجر واحد؛ الأول: يسمح لموسكو بمواصلة شراكتها مع المملكة العربية السعودية في إدارة أسواق النفط العالمية، الثاني: يسمح للمنتجين الروس – الذين يعملون بموجب تجميد الإنتاج الذي أمر به الرئيس فلاديمير شخصيًا بوتين – بزيادة المبيعات دون نسف التفاهم مع الرياض.
  • تزيد الاضطرابات في الخليج من جاذبية الطريق البحري الشمالي عبر روسيا كممر بديل للطاقة والتجارة.
  • ناهيك عن أن توريط الولايات المتحدة في أزمة شرق أوسطية جديدة يتوافق مع الخطط الاستراتيجية الروسية، ويُبقي واشنطن مشغولة وبالتالي أقل ميلًا لمواجهة روسيا في أوراسيا وأوكرانيا.

هل بإمكان إيران الاستغناء عن روسيا؟

في الوقت ذاته، أظهرت الضغوط الأمريكية على إيران، والرضا الأوروبي الواضح عن هذا الضغط، لطهران أنها لا تستطيع الاستغناء عن علاقتها مع روسيا. فبعد  توقيع الاتفاق النووي في عام 2015، ورفع العقوبات، ألمحت إيران إلى تفضيلها التعامل مع الأوروبيين في المسائل التجارية، حتى إذا تواصل تنسيق الجهود بين طهران وموسكو في سوريا.

لكن من أجل مواجهة العقوبات، وعلى الأقل إنقاذ بعض ما تخسره نتيجة الضغوط الأمريكية، قد لا يكون أمام إيران خيار سوى اللجوء الاضطراري للترتيبات التجارية مع الكيانات الروسية، خاصة تلك التي تخضع بالفعل للعقوبات الأمريكية، وإن بشروط أقل إغراء بكثير لطهران.

نظرًا للقيود التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على تجارة الأسلحة الإيرانية في أعقاب ثورة عام 1979، كانت روسيا هي المزود الرئيس للأسلحة للجمهورية الإسلامية، حسبما يشير علي رضا نوري في موقع «المونيتور».

ومع تصاعد الضغوط الخارجية الحالية على إيران، تظل موسكو هي الحليف الوحيد الذي يمكن أن تعتمد عليه طهران للحصول على إمدادات الأسلحة وعقد شراكة عسكرية. وعلى الرغم من أن هذا التعاون يواجه عقبات بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231، يبذل الجانبان جهودًا لتجاوز القيود الراهنة.

اختلال استراتيجي.. مخاطر نشوب صراع في الشرق الأوسط

يحذر جيمس كوك، الأستاذ المشارك في «كلية الحرب البحرية الأمريكية» عبر مجلة «ذا هيل»، من أن إدارة ترامب تخلق اختلالًا استراتيجيًا يزيد من خطر نشوب صراع كبير في الشرق الأوسط. على وجه التحديد، يبدو أن واشنطن تندفع – أو ربما تُستَحثّ – لخوض معركة مع إيران في الوقت نفسه الذي تعطي فيه أولوية للمنافسة مع روسيا والصين في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ.

يتساءل كوك، عن ماذا لو كانت حسابات إدارة ترامب الاستراتيجية خاطئة؟ فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أن الجهود الأمريكية «لتركيع إيران حتى تستسلم للضغوط محكوم عليها بالفشل»، وأنها «ستجعل الإيرانيين أكثر عزمًا على مقاومة هذا الضغط».

لكن ماذا لو كان ظريف على صواب فيما يتعلق بمرونة إيران، وبدلًا عن الانهيار الداخلي، ستخلق حملة الضغط القصوى أزمة إقليمية تؤدي إلى النزاع المسلح؟ فبالنظر إلى المخاطر الكبيرة غير التقليدية التي يواجهها آية الله علي خامنئي وقوات الحرس الثوري الإيراني القوية، يستبعد أن يتركوا السلطة طواعية أو بهدوء.

بالإضافة إلى امتلاكها أكبر جيش (يقدر عدده بنحو 700 ألف جندي، تتوزع بين القوات المسلحة والحرس الثوري) وأكبر قوة صاروخية باليستية في المنطقة، يؤكد كوك الخبير المتخصص في شؤون الأمن القومي أن وكلاء طهران، مثل «حزب الله» والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، أثبتوا فعاليتهم في تعزيز مصالحها.

علاوة على ذلك، تمثل إيران تهديدًا إلكترونيًا متزايد التعقيد، وهي في وضع يمكنها من تهديد نقاط الاختناق البحرية في باب المندب ومضيق هرمز لإعاقة الحركة التجارية وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية.

هذا يطرح علامة استفهام حول استعداد الولايات المتحدة للانخراط في حرب (أخرى) في الشرق الأوسط. على وجه التحديد – يسأل كوك متشككًا – هل تمتلك القيادة المركزية الأمريكية موقع القوة والقدرات لهزيمة إيران ووكلائها، إذا لزم الأمر؟ هل الشركاء الإقليميون والدوليون مثل أوروبا مستعدون وراغبون في دعم الولايات المتحدة في مواجهة مسلحة مع إيران؟ كيف سيكون رد فعل روسيا والصين؟

آفاق العلاقات العسكرية الإيرانية الروسية بعد 2020

أعلن قائد القوات البحرية الإيرانية، العميد حسين خانزادي، أن أسطول بلاده الجنوبي سوف يقوم بمناورات مشتركة مع البحرية الروسية. متعهدًا في التصريح ذاته بحماية ناقلات النفط الإيرانية وصيانتها «كما نحمي ونصون الأراضي الإيرانية».

ليست هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها روسيا وإيران مثل هذه التدريبات، فقد كان بحر قزوين مسرحًا لمناورات حربية مماثلة في عامي 2015 و2017، لكن ما يبرز المناورات الإيرانية-الروسية الجديدة هو توقيتها والتطورات التي سبقتها، حسبما كتب علي رضا نوري في موقع «المونيتور».

الخليج الفارسي مسرح يتيح لروسيا استعراض عضلاتها في منطقة كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الأجنبية الوحيدة فيها لفترة طويلة. في هذا السياق، يمكن للتدريبات الإيرانية الروسية المشتركة أن تكون في النهاية ورقة أخرى للمساومة السياسية بين روسيا وواشنطن.

في ظل الظروف الحالية، قد لا يترتب على هذه التدريبات فوائد استراتيجية فورية أو حتى متوسطة المدى لإيران. وطهران على دراية بذلك، وبالتالي فإن هدفها الرئيس من وراء المناورات هو إغراء روسيا لإقامة علاقات دفاعية أوسع.

في الواقع، أكد ديمتري شوجاييف، مدير الخدمة الفيدرالية للتعاون العسكري والفني، أن العلاقات العسكرية الإيرانية-الروسية قد تتوسع أكثر بعد عام 2020، كما أعرب عن اهتمام روسيا بالتعاون مع إيران في تنصيب درع دفاعي على سواحل الخليج.

سيكون توسيع التعاون العسكري الإيراني-الروسي بعد عام 2020 بمثابة تطور طبيعي لاتفاقية ثنائية، وقعها الجانبان في عام 2015 لتوسيع علاقاتهما العسكرية، وقدمت روسيا بموجبها «أنظمة S-300» الدفاعية التي طال انتظارها، كذلك مهدت الطريق لاستضافة إيران للطائرات الروسية في قاعدة نوجه الجوية الغربية، والاتفاق على السماح للطائرات المقاتلة والقاذفات والصواريخ الروسية باستخدام المجال الجوي الإيراني للقيام بعمليات في سوريا.

لمواجهة الضغط الأمريكي بقوة أكبر، تشعر إيران بالحاجة إلى تعميق علاقاتها العسكرية مع روسيا بعد عام 2020؛ من خلال طلب المزيد من الأسلحة التقليدية، بما في ذلك طائرات المقاتلة من طراز «Su-30» و«Su-35»، والمقاتلات الخفيفة من نوع «Yakovlev Yak-130» ومروحيات «Mi-8» و«Mi-17»، ودبابات «T-90» ونظام الصواريخ الدفاعية المتنقلة «Bastion».

إلى جانب واردات الأسلحة، تريد إيران أن تشمل العلاقات العسكرية مع روسيا تعاونًا طويل الأجل يتوافق مع الاستراتيجيات الإقليمية والجيوسياسية للجمهورية الإسلامية.

ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن كلا الجانبين يتابعان التوسع المحتمل في العلاقات الدفاعية بحذر:

  •  إيران ليس لديها نية لتكون مجرد ورقة مساومة روسية في المنافسة مع الولايات المتحدة.
  • وبالمثل، فإن موسكو ليست مهتمة بأي حال من الأحوال بالانخراط في معركة دون داع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

وعلى الرغم من التصريحات الإعلامية التي تشير إلى أن روسيا وإيران حليفتان، فإن موسكو ليس لديها التزامات دفاعية ملزمة تجاه طهران. لذلك يشير نيكولاس غفوسديف في صحيفة «ذا هيل» أن روسيا ليس عليها أي التزام بالرد على أي ضربة أمريكية ضد أهداف إيرانية، ولا تتعرض مصداقيتها لأي تهديد بالظهور دولة غير قادر على الدفاع عن «خطوطها الحمراء» لأنها لم تعلن أصلًا عن أي خطوط حمراء تتعلق بطهران.

احتياطات الغاز.. بين السعودية وإيران

الاكتشافات السعودية الأخيرة لاحتياطيات الغاز تؤهل المملكة «للدخول إلى نادي الدول الخمس الأوائل في العالم من حيث الاحتياطيات»، حسبما يقول الدكتور محمد سالم سرور الصبان، المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي السعودي، في حواره مع وكالة «سبوتنيك».

ووفقا للمدير العام لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، كيريل دميترييف، فإن شركة «أرامكو» السعودية المملوكة للدولة أبدت اهتماما كبيرا بالمشاريع الروسية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، حسبما نقله دميتري ميغونوف في صحيفة «إزفستيا».

لكن في المقابل، خلص تحليل نشره موقع «إنسايت أدفايزري» إلى أن «الغاز الطبيعي يفسر لماذا لن تتخلى روسيا عن إيران أبدًا». وكشف وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، عن ارتفاع إنتاج بلاده من الغاز بنسبة 35% خلال العام المالي الجاري مقارنة بالعام الماضي، مشيرًا إلى أن إيران تفوقت على قطر – التي تنتج حاليًا 77 مليون طن سنويًا – في هذا المجال.

وإذا كان «السوق العالمي للغاز المسال يقع تحت سلطة إيران»، حسبما تقول ماريا بيلوفا، يتعين على المستوردين والمستثمرين أن يحسبوا المخاطر المترتبة على التهديدات العسكرية الأمريكية. ذلك أن مضيق هرمز يعدّ أكثر الممرات المائية ازدحاما في العالم، حوالي 20٪ من النفط العالمي المتداول وما يقرب من 30٪ من الغاز الطبيعي المسال تمر عبره سنويًا.

فماذا لو أغلق الطريق أمام كل الغاز الطبيعي المسال المنتج في المنطقة (حوالي 82 مليون طن في العام 2017)، بما في ذلك الانتاج القطري (77.3 مليون طن)؟ تجيب بيلوفا: لأن سوق الغاز، على عكس النفط لم تُنشئ بعد آلية لتأمين مخزون استراتيجي، فسد النقص في كميات الغاز الطبيعي المسال في السوق بسرعة سيكون شبه مستحيل.

«هآرتس»: كيف أصبحت روسيا وتركيا أكبر المستفيدين من العقوبات على إيران؟

المصادر

تحميل المزيد