«برنامج تطوير الصناعة الوطنية»، هو برنامج جديد دشنه الأمير محمد بن سلمان مؤخرًا، يحمل الكثير من الطموح والآمال الكبيرة، ويتضمن قائمة مشاريع ضخمة من المفترض أن تغير وجه المملكة في المستقبل، وذلك من دولة مصدرها الرئيس للدخل فيها هو النفط، إلى بلاد بها تنوع اقتصادي حقيقي يشمل الصناعة والسياحة وغيرها من القطاعات البعيدة عن النفط.

هذه هي الخطة، وهذه هي الوعود، وبالنظر إلى هذه البرامج والرؤى قد نتخيل أن السعودية ستنتقل إلى عصر ما بعد النفط بسهولة ويسر، بل إن عصر ما بعد النفط من هذه الزاوية سيكون أفضل وأكثر ازدهارًا، لكن هل الواقع حقًا بهذه الوردية؟

منذ سطوع نجم ولي العهد السعودي، الأمير الشاب، وتحديدًا منذ 25 أبريل (نيسان) 2016، عندما أطلقت السعودية رؤية المملكة حتى عام 2030، وهو مهندس هذه الرؤية، التي شملت خططًا واسعة لبرامج اقتصادية واجتماعية وتنموية تستهدف الانتقال بالسعودية لمرحلة ما بعد النفط، وذلك بتحقيق اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي، ووطن طموح، كما نص إعلان إطلاقها.

شهدنا كثيرًا من الوعود والكثير من المؤتمرات الصاخبة ذات الكلمات الرنانة، لكن لم يشهد على المستوى الاقتصادي تقدمًا ملموسًا بعد، بل ربما كان حال الاقتصاد قبل هذا التاريخ أفضل بالنسبة لبعض المراقبين، ولكن هل يختلف هذا البرنامج عن غيره؟

Embed from Getty Images

هذا البرنامج – برنامج تطوير الصناعة الوطنية – الذي سنتحدث عنه خلال هذا التقرير هو جزء أيضًا من رؤية 2030، لكن ربما يكون هو حقًا ما يحتاجه الاقتصاد السعودي، فكما يقولون: «الصناعة هي أصل التقدم»، إلا أن الأمر يتوقف على مدى واقعية هذا البرنامج واختلافه عن غيره من البرامج التي لم يكتب لها النجاح حتى الآن.

طموح كبير وأرقام أكبر.. 100 مليار ريال في 2019 و2020

الأمير محمد بن سلمان هو المحرك الرئيسي لجهود إحداث نقلة في الاقتصاد السعودي وتخفيف بعض القيود الاجتماعية.

هكذا قال خالد الفالح، وزير الطاقة السعودي، خلال تدشين البرنامج، بحضور ولي العهد، موضحًا أن البرنامج يعد إنجازًا بارزًا ضمن عملية تنويع اقتصادي بقيادة بن سلمان، ومشيرًا إلى أن من يراهنون على السعودية لن يخسروا رهانهم، هذه الكلمات جاءت وقت إعلان المملكة عن أنها نجحت في توقيع اتفاقيات بقيمة 204 مليارات ريال، مع حوافز جديدة لجذب رؤوس أموال في إطار البرنامج المحدد بـ10 سنوات.

ذكرت السعودية أنها ستنفق في أول عامين – 2019 و2020 –  من البرنامج نحو 100 مليار ريال، وسط أهداف كبيرة تصل إلى مساهمة الصناعة بنحو 320 مليار دولار بحلول 2030 في الناتج المحلي الإجمالي، والوصول إلى استثمارات تزيد عن 426 مليار دولار، وصادرات غير النفطية بنحو 260 مليار دولار.

قبل أن تنبهر بالموازنة «التريليونية» للسعودية.. يجب أن تعرف إجابة هذه الأسئلة

المملكة تعرض من خلال البرنامج فرصًا استثمارية في عدة مجالات، إذ شمل البرنامج الذي اعتمده الأمير محمد بن سلمان على عدة وعود ومحفزات، وجاءت ملامح البرنامج كالتالي:

45 مليار ريال لتحفيز وتوطين صناعة السيارات، وإطلاق برنامج دعم صناعي لرفع الإنتاجية وتحسين التنافسية للمصانع المحلية، بالإضافة إلى 3 مليارات ريال لدعم الاستكشاف في قطاع التعدين، وتحديث نظام الاستثمار التعديني خلال 2019، مع إطلاق برنامج شامل لتسريع تبني الثورة الصناعية الرابعة برأسمال قدره 5.3 مليار ريال، وإطلاق خمسة مناطق اقتصادية خاصة، وزيادة رأسمال صندوق التنمية الصناعي إلى 105 مليارات ريال، وكذلك تمويل الصادرات الفوري بنحو 30 مليار ريال.

Embed from Getty Images

وشمل البرنامج أيضًا إطلاق حزم تحفيزية للمستثمرين تستهدف المصنعين المحليين والدوليين لإقامة صناعات تحويلية متخصصة ومتطورة في المجمعات الصناعية بالمملكة، وإطلاق منصة إلكترونية موحدة «صناعي» لتسهيل الإجراءات الحكومية للمستثمرين الصناعيين.

لكن بالرغم من أن ملامح البرنامج تبدو جديرة بإثارة الإعجاب إلا أن الاتفاقات التي جرى الإعلان عنها، ذهبت إلى اتجاه مختلف، فقد شملت مذكرات تفاهم، شركة الدفاع والطيران الفرنسية «تاليس» وشركة «سي.إم.آي» البلجيكية للتعاون في الصناعات العسكرية، واتفاق قرض بقيمة 840 مليون دولار، بالإضافة إلى الاتفاق مع شركة كيماويات الرفيعة وشركة «إيستمان كيميكال» الأمريكية على بناء مصنع للراتنجات الهيدروكربونية، وربما تكون هذه الاتفاقات بعيدة بعض الشيء عن طموحات البرنامج الضخمة، إلا أن وجودها بالأساس يعد إنجازًا كبيرًا.

على الأرجح خلال قراءتك لهذه الملامح توقفت لحظه لتسأل: هل تمتلك السعودية بنية تحتية تخدم كل هذه المشاريع والمصانع؟ الإجابة في نظر العديد من المراقبين لا، إذ اعترف وزير النقل، نبيل العامودي، إن التحدي الأكبر سيكون تنفيذ مشروعات كبرى للبنية التحتية، خاصة أن البرنامج يخصص فقط 3 مليارات ريال للإنفاق على البنية التحتية، وهذا الأمر يجعلنا نعيد النظر مرة أخرى في كل البنود المذكورة.

البطالة مازالت مرتفعة.. هل يحد البرنامج منها؟

لنفرض أن المملكة لديها البنية التحتية المطلوبة، فلننظر لبرنامج تطوير الصناعة الوطنية من زاوية أخرى، فالهدف الرئيس للبرنامج هو خلق 1.6 مليون وظيفة جديدة، إذًا هل هذا البرنامج سيحل أزمة البطالة في المملكة؟

Embed from Getty Images

بالنظر إلى الأرقام المجردة قد تكون الإجابة بدون تفكير، نعم، هذا البرنامج سيقضي على جزء كبير من أزمة البطالة في السعودية، لكن حين توضع نظرة أكثر شمولية قد يتم التراجع عن هذه الإجابة اليقينية، فبحسب ما أظهرت أرقام رسمية بداية هذا الأسبوع يظل معدل البطالة بين السعوديين قرب أعلى مستوى ترصده مصلحة الإحصاء العامة والمعلومات منذ 1999؛ إذ سجل 12.8% في الربع الثالث من 2018، وفي نفس الوقت كانت معدلات خروج الوافدين من المملكة عند أعلى مستوى في تاريخها تقريبًا، لكن لم يستفيد السعوديين من هذه الوظائف التي باتت فارغة.

أولى نتائج خروج الوافدين.. أزمة عقارية تهز دول الخليج

السعوديون ما زالوا لا يشغلون الوظائف التي أصبحت شاغرة بمغادرة الأجانب، وهو أيضًا أمر متوقع حدوثه مع الوظائف التي قد ينجح البرنامج السعودي في توفيرها، ووفق تقرير صدر عن «بزنس إنسايدر» في يوليو (تموز) 2018، فإنه حتى أبريل 2018، غادر البلاد أكثر من 800 ألف مغترب منذ نهاية عام 2016، كما انخفض عدد العمال الأجانب بنسبة 6% ليصل إلى 10.2 مليون عامل في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2018، مقارنةً بنفس الفترة من العام السابق.

ووفقًا لبياناتٍ رسمية صدرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كانت خسائر الوظائف خلال الربع الأول في قطاعات التجارة، والصناعة، والبناء، وهو ما كان له أثر سلبي على الاقتصاد، فالإصلاحات التي تبناها الأمير محمد خلال العام الماضي من إنهاء حظر قيادة النساء للسيارات وفتح دور السينما والحملة على الفساد لم تغير كثيرًا في المناخ الاقتصادي ولم تساهم في إبعاد أنظار السعوديين عن الوظائف الحكومية السهلة، التي تشكل ثلثي سوق التوظيف بالبلاد، إذ لم تغريهم حتى الآن الوظائف الجديدة، وهو الأمر الذي قد يعرقل نجاح المملكة من خلال البرنامج الجديد في الحد من نسب البطالة المتفاقمة.

فصل 130 ألف موظف في القطاع الخاص السعودي.. كيف يُهدد ذلك رؤية «السعودية 2030»؟

على الجانب الأخر، فأن القطاع الخاص الذي يشكل 20% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، والتي تعول البلاد كثيرًا على مساهمته بشكل كبير في عملية التوظيف، يشهد ظاهرة ملحوظة منذ 2016، وهي فصل الموظفين السعوديين؛ وذلك بسبب ارتفاع رواتبهم، مقارنة بالعامل الوافد، ما يدفع الشركات للاستغناء عنهم، وهو تحدي أخر يجب أن تعالجه المملكة في إطار برنامجها الجديد.

الثروة المعدنية.. ورقة المملكة الرابحة في حاجة للاستغلال

بالرغم من أن جميع الأنظار في المملكة دائما ما تكون موجهة إلى النفط إلا أن الثروة المعدنية الموجودة بالسعودية من الكنوز المدفونة والتي من الممكن أن تكون قاطرة لاقتصاد البلاد؛ إذ تقدر الموارد المعدنية الموجودة بالمملكة بنحو 20 مليون طن من الذهب والمعادن النفيسة، و60 مليون طن من النحاس، بالإضافة للكثير من المناطق غير المستكشفة، ويشير الخبراء إلى أن السعودية مقبلة على ثروة معدنية من المتوقع أن تكون عمودًا أساسيًّا لاقتصاد البلاد.

هل يمكن أن تفلس السعودية قريبًا؟ 5 أسباب تمنع حدوث ذلك

هذا القطاع يعمل من خلال شركة «معادن» وهي شركة مساهمة سعودية لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة برأس مال قدره أربعة مليار ريال سعودي، ويتركز اهتمامها على تشغيل خمسة مناجم للذهب، وتقوم بتوسيع نشاطها ليشمل تطوير الفوسفات ومشروع الألمنيوم، ووفقًا للبيانات الصادرة عن الشركة فإنها تحقق نموًا كبيرًا في الإيرادات في السنوات الأخيرة.

وتدير الشركة أحد أكبر مجمعات الألمنيوم تكاملًا وأكثرها كفاءًة على مستوى العالم، وعلى الجانب الآخر تعمل الشركة على تطوير المشروع الثالث لتصنيع الأسمدة الفوسفاتية، حيث من المتوقع أن يتم تنفيذ المشروع على مراحل إلى أن يصل إلى طاقته الإنتاجية المقدرة بـ3 مليون طن سنويًا عند اكتماله المتوقع في العام 2024، هذه المعطيات تشير إلى أن قطاع التعدين بالمملكة واعد ويمكن أن يجنب البلاد صدمات اقتصادية خارجية في المستقبل، لكن يتوقف الأمر على استغلال المملكة لهذا القطاع.

Embed from Getty Images

وبحسب ما أعلنت السعودية فإن الاتفاقيات الـ37 الموقعة خلال تدشين برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، قد شملت قطاعات: الصناعة والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية، لكن كانت النسبة الأكبر لقطاع التعدين؛ إذ تم توقيع اتفاقية مع شركة «ترافيجورا» العالمية قيمتها نحو 2.8 مليار دولار لإنشاء مصهر للنحاس لإنتاج 400 ألف طن من النحاس و200 ألف طن من الزنك و55 ألف طن من الرصاص سنويًا، بالإضافة إلى اتفاقية بين شركة كيماويات الرفيعة وشركة إيستمان كيميكال الأمريكية لإنشاء مصنع هيدروكربونيات بقيمة 1.87 مليار ريال.

وشملت الاتفاقات أيضًا نحو سبعة اتفاقات خاصة بقطاع التعدين، وأبرزها: اتفاقية لتوريد خام الفوسفات لإنشاء مجمع صناعات الفوسفور الأصفر بين شركة «صادق» مع شركة معادن، واتفاقية لإنشاء مصنع لإنتاج الصوديوم بقيمة 1.13 مليار ريال، وأخرى لإنشاء مجمع صناعي كيميائي متكامل لصناعة الفوسفور الأصفر وإنتاج مواد كيميائية عالية القيمة باستثمارات نحو مليار ريال، ناهيك عن خطة لتطوير مجمع متكامل لإنتاج فلوريد الهيدروجين والبولي سيليكون باستثمارات 500 مليون ريال، واتفاقية مع «بوينج» الأمريكية لتصنيع صفائح هياكل الطائرات.

من أين ستأتي كل هذه المليارات؟ السؤال الحاضر دائمًا

عندما أعلنت السعودية في أكتوبر (تشرين الثاني) 2017، عن مشروع طموح كبير أُطلق عليه اسم «نيوم»، كانت المعضلة الرئيسية هي تمويل هذا المشروع الضخم، وذلك في ظل الضعف الكبير في الاستثمارات الأجنبية الذي تعاني منه البلاد، ففي يونيو (حزيران) 2018 كشفت بيانات صادرة عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية»، تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في السعودية إلى أدنى مستوياتها في 14 عامًا؛ إذ انكمشت تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.4 مليار دولار في 2017 مقارنة بـ7.5 مليار دولار في 2016.

هذا الأمر جاء على عكس دول الخليج، فقد زاد الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات، وقطر، وسلطنة عمان، التي لا يزيد حجم اقتصادها على عُشر حجم الاقتصاد السعودي.

لذلك كان تمويل أغلب مشاريع «نيوم» من خلال مصدرين رئيسين، الأول هو الاقتراض والثاني هو الخصخصة، فمن المنتظر أن تبيع السعودية حصة كبيرة في شركة الكهرباء إلى صندوق رؤية سوفت بنك، لكن مع احتفاظ الحكومة السعودية بحصة مسيطرة؛ إذ تقدر أصول الشركة بواقع 100 مليار دولار، كما تدرس الحكومة السعودية خصخصة الشركة منذ سنوات، في ظل برنامج خصخصة كبير عرف بأنه ثورة يقودها ولي العهد السعودي.

«نيوم» والعاصمة الإدارية الجديدة.. هل تنقذ مدن «يوتوبيا» اقتصاد مصر والسعودية؟

على الجانب الآخر تواصل الديون في السعودية الارتفاع الملحوظ، إذ تتوقع السعودية أن يصل الدين العام بنهاية 2019 إلى 678 مليار ريال، وذلك بزيادة نحو 118 مليار ريال عن العام الماضي، لكن هذا الرقم مرشح للزيادة في ظل الفجوة المتوقعة في الإيرادات بسبب هبوط النفط، وبسبب تمويل المشاريع الجديدة، إذ سجلت الديون السعودية قفزات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية.

تضاعفت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة بنحو 20 مرة وذلك من نهاية 2014 إلى توقعات موازنة 2019؛ إذ كانت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة 1.6% في نهاية 2014، وتشير التوقعات إلى احتمالية أن تصل هذه النسبة إلى 21.7% في 2019 ثم 24.8% في 2021.

Embed from Getty Images

ومن الواضح أن مصادر تمويل «نيوم» هي ذاتها ستكون مصادر تمويل خطط برنامج «تطوير الصناعة الوطنية»، بالإضافة إلى مواصلة المملكة سحبها من الاحتياطي النقدي الذي فقد نحو 223 مليار دولار من الاحتياطي السعودي خلال أربع سنوات، وكانت مؤسسة «كابيتال إيكونومكس» وقت الإعلان عن «نيوم» قالت: إن السعودية على وشك تكرار أخطاء الماضي، معتبرة أن المشروع سوف يجد صعوبةً في تحقيق أهدافه، مشيرة إلى أن الحكومة السعودية تجازف بتحويل الانتباه بعيدًا عن إصلاحاتها الاقتصادية التي أعلنتها سابقًا، خاصة أن العديد من المجالات الأساسية في رؤية 2030 لم تحقق غاياتها، فهل هذا الخطأ يتكرر مع برنامج «تطوير الصناعة الوطنية»، أم أن السعودية ستسلك طرقًا أخرى؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد