استقبل الجزائريون سنة 2018 بالاحتجاجات وبدعوات لمقاطعة بعض السلع، نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمرّ به البلاد بسبب انخفاض أسعار النفط – باعتباره السلعة الرئيسيّة التي تُقيم اقتصاد الجزائر – وبداية نفاد احتياطيّ الصرف، الذي ما فتئ المسؤولين الجزائريين يعملون على ربط أسبابه بالدعم المباشر الذي تقرّه الدولة للمواد الأساسية الواسعة الاستهلاك كالخبز والحليب والوقود والكهرباء، وهذا ما جعل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يؤكِّد في رسالته السنوية بمناسبة اليوم الوطني لتأميم المحروقات في 24 فبراير (شباط ) الماضي، أنَّ: «الدعم الحكومي للفقراء أمرٌ لا يمكن التراجع عنه رغم تبعات الأزمة النفطية».

تأكيد بوتفليقة هذا وإن طبع نوعًا من التفاؤل لدى الطبقات الفقيرة والوسطى الجزائرية، إلاّ أنّه فتح جدلًا حول نية الحكومة التخلي عن هذا الدعم، بعد أن أعقب تأكيد بوتفليقة ذاك، تصريح وزير المالية الجزائري عبد الرحمن راوية بمجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان)، مؤكدًا أنه «لا مفرّ من رفعٍ تدريجيٍ لسياسة الدعم الحكومي»، التي قال إنها ستتم وفق شروط.

موازنة الجزائر 2018.. طبع النقود الحل «غير التقليدي» والضرائب على الفقراء فقط!

الأزمة الاقتصادية تخنق الجزائر

عندما اشتعلت ثروات الربيع العربي في العديد من الدول العربية مطلع سنة 2011، كان سعر برميل النفط أكثر من 110 دولارات، وبما أنّ الجزائر تعتمد في اقتصادها بنسبة شبه كامل على المحروقات فقد سمح لها ذلك باحتواء المطالب الاجتماعيّة والغضب الشعبيّ من خلال زيادة الإنفاق الحكوميّ والإبقاء على سياسة دعم السلع الأساسيّة، لكن المشاكل بدأت مع انهيار الأسعار في صيف 2014، فمنذ أربعة سنوات تعيش الجزائر على وقع أزمة اقتصاديةٍ حادةٍ بسبب تراجع أسعار النفط بأكثر من 55%، ما دفع الحكومة الجزائرية إلى المغامرة بحزمة من السياسات المالية لسد عجز الموازنة العامة، أثارت معها مخاوف لدى العديد من الأوساط الاقتصادية من أن تؤدي إلى زيادة معدل التضخّم بوتيرة سريعة، وبالتالي المسّ بالمستوى المعيشي للجزائريين – المتدهور أصلا – في الفترة القادمة.

Embed from Getty Images

وهذا ما تجلى في قوانين المالية المتعاقبة التي شكّل التقشف محورها، إذ عمدت حكومة أحمد أويحيى إلى رفع السعر المرجعي لبرميل النفط في مشروع قانون المالية لهذه السنة إلى 55 دولارًا، بعد أن كان 50 دولارًا في ميزانية هذا العام، و37 دولارًا في وقت كانت أسعار النفط عند حاجز 100 دولار. وتعدَّت سياسات الحكومة التقشفية رفع السعر المرجعي إلى تسقيف حجم الإنفاق لسنة 2018 عند حاجز سبعة تريليونات دينار جزائري (68 مليار دولار).

ولتجنُّب الرجوع إلى المديونية من الخارج؛ عمدت الجزائر إلى ما يعرف بـ«التمويل غير التقليدي»، أي طبع كميَّات كبيرة من العملة الجزائريّة دون الاعتماد على ما يوازيها من سلع أو خدمات، وذلك بعد تعديل قانون القرض والنقد المصادق عليه من طرف الرئيس بوتفليقة. القرار سيسمح لبنك الجزائر على مدار خمس سنوات بتمويل الخزينة العمومية بطريقة مباشرة، بعيدًا عن الوسطاء الماليين وهذا ما سيسْمح بدعم الاقتصاد الوطني لاجتناب تكرار سيناريو الاستدانة الخارجية.

وفي الوقت الذي وضعت فيه الجزائر مستهدف هذه السنة برفع نسبة النمو إلى قدر 4%،ذكر البنك المركزي مؤخرًا أنّ الاقتصاد الجزائر نما بنسبة 2.2% سنة 2017؛ متباطئًا عن نموٍّ بلغ 3.3% في 2016 بسبب انخفاض أسعار النفط. جديرٌ بالذكر أنّ الاحتياطات الأجنبية من الصرف هبطت بمقدار 16.8 مليار سنة 2017، ويتوقَّع الخبراء الاقتصاديون أن يتواصل نزيف العملة الصعبة هذا العام، في وقتٍ يتواصل فيه انهيار الدينار الجزائري، خصوصًا بعد أن شرع البنك المركزي في طباعة النقود.

وكانت الحكومة الجزائرية قد دخلت في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي مع بداية الشهر الحالي، أفضت بمطالب من الصندوق تدعوها صراحةً إلى ضرورة إدخال إصلاحات عاجلةٍ على الاقتصاد الجزائري، من خلال استكمال مخطط رفع الدعم عن السلع والخدمات، وتعويم قيمة الدينار بطريقة سلسة.

اقرأ أيضًا: هل سيدفع التقشف الجزائر إلى العودة للاستدانة؟!

التخلِّي عن الدعم.. البداية برفع أسعار الوقود

في رسالته السنوية بمناسبة اليوم الوطني لتأميم المحروقات؛ أكّد الرئيس الجزائري أنّ بلاده ستبقي على سياستها الاجتماعية لدعم الفئات الفقيرة، والتضامن معها رغم تبعات الأزمة النفطية على اقتصاد البلاد، ليحسم بذلك الجدل الذي شهدته الجزائر مؤخرًا حول إلغاء الدعم الحكومي، وقد بدأ الجدل حول هذا الموضوع مطلع السنة الجارية بقرار رفع أسعار الوقود، الذي أدرج ضمن قانون المالية لسنة 2018.

وشهدت أسعار الوقود في الجزائر ارتفاعًا بنسبة 12.5%، إذ ارتفع سعر البنزين من 35 دينارًا (0.30 دولار أمريكي) إلى 41 دينارًا (0.35 دولار)، وارتفع سعر الديزل من 20 دينارًا (0.15 دولار) إلى 23 دينارًا (0.17 دولار)، كما يتوقَّع ان تشهد سنة 2019 رفعًا إضافيًا في أسعار الوقود حتى تصل إلى ثمنها الأصليّ دون دعم.

يشار أنّ عدة قطاعات خدماتية في الجزائر تأثَّرت برفع أسعار الوقود، إذ رفعت أسعار النقل تسعيرة النقل بنسبة 10%، كما شهدت المواد والسلع ارتفاعًا هي الأخرى؛ وكردّ فعلٍ على قرار رفع أسعار الوقود؛ أطلقت «المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك وإرشاده»، حملة كبيرة لجمع مليوني توقيع للمطالبة بإلغاء قرار رفع أسعار البنزين والديزل، في حين أعلنت 12 نقابة مستقلة، تمثل قطاعات حساسة، إضرابًا شاملًا مع بداية العام الجاري بسبب ما أسمته «إجراءات لا شعبية عقابية» اتخذتها الحكومة لمواجهة أزمة انخفاض سعر النفط.

هل ستتخلى الحكومة الجزائرية عن الدعم؟

تصاعد الجدل مؤخرًا حول نيَّة الحكومة الجزائرية التخلي عن سياسة الدعم؛ فبعد أن أكّد وزيرا المالية عبد الرحمن راوية، والتجارة محمد بن مرادي بأنَّ الحكومة بصدد إلغاء تدريجي لسياسة الدعم اعتبارًا من عام 2019، استبعد رئيس الوزراء أحمد أويحي، التراجع عن سياسة دعم الفئات الفقيرة، وكما أسلفنا فقد أكّد الرئيس الجزائري مواصلة انتهاج سياسة الدعم رغم الأزمة الاقتصادية.

ويقدر الخبراء الاقتصاديون عدد المستفيدين من سياسة الدعم الحكومية في الجزائر بنحو 10 ملايين مواطن من أصل 42 مليون هو عدد سكان الجزائر. ويشمل هذا الدعم قطاعاتٍ عدةٍ من بينها الوقود والصحة والمياه والسكن، والسلع الأساسية كالزيوت والسكر والحبوب.

وعن الجدل القائم حول رفع الدعم، قال رئيس الكتلة النيابية لـ«حركة مجتمع السلم» – المعارضة – ناصر حمدادوش في حديثه مع «ساسة بوست»: «إن تأكيد الرئيس بوتفليقة مواصلته العمل بسياسة الدعم يأتي في إطار البعد الاجتماعي للدولة، وهو مكسب تاريخي في بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني)، ونحن مع بقاء سياسة الدعم، ولكنَّها تحتاج إلى ترشيد حسب أولوية المحتاجين، ودرجة المستحقين، واستهداف المعنيين، والاستمرار فيها بالطريقة الحالية لا يحقق العدالة، ولا الأهداف منها، فنحن الآن لا نلمس أثرها الإيجابي على الجبهة الاجتماعية، بل هي لشراء الذمم والسلم الاجتماعي المزعوم».

وأَضاف حمدادوش: «إن تصريح وزير المالية – عن رفع الدعم – غير مسؤول، وهو يعبِّر عن حالة التناقض والتخبط وتعدد مصادر القرار، وإن كان الذهاب إلى مراجعة هذه السياسة حتميًا لعدة أسباب، فنحن ضدَّ رفع الدعم كليّةً، والتراجع الكليّ عن المكتسبات الاجتماعية. وقد يكون تصريحه لجسِّ النبض، وتهيئة الرأي العام، وإعطاء فرص لتدخل الرئيس وصناعة بطولات وهمية وإنجازات فارغة».

ناصر حمدادوش

وفي سؤاله عن رفع الدعم، أردف حمدادوش قائلًا: «إذا استمرَّت المؤشرات والمعطيات الحالية، فستكون مراجعة سياسة الدعم حتمية لا مفرّ منها، ونحمّل الحكومات المتعاقبة – والتي يتحمل الرئيس مسؤولية حصائلها السلبية – المسؤولية الكاملة للتداعيات الخطيرة على مستوى الجبهة الاجتماعية للتراجع عن هذه المكتسبات، ولا يمكن أن يدفع الشعب ضريبة فشل الحكومة. وإذا كان ولا بد من ذلك، فلا بد أن يتزامن تحرير الأسعار مع تحرير الأجور، والزيادة فيها بما يتناسب مع هذا الاستحقاق، ويحافظ على القدرة الشرائية للمواطن».

وعن احتمال معارضة البرلمان الجزائري لقرار إلغاء سياسة الدعم، قال النائب البرلمانيّ: «إن الإطار القانوني لهذا الإجراء هو قوانين المالية، وننتظر ذلك لنقول كلمتنا بكل وضوح، وبالرغم من نضالنا المستمر في هذه القضية، من أجل إعادة النظر فيها بما يحقق العدالة الاجتماعية وذهاب هذا الدعم إلى مستحقيه، إلا أن السلطة كانت تستعملها بوصفها ورقة لشراء السلم الاجتماعي، واستفادة فئات ولوبيات منها».

المصادر

تحميل المزيد