بعد أكثر من 14 عامًا على دخول القوات الأمريكية العراق وإسقاط نظام صدام حسين وحكم الحزب الواحد، ثم سيطرة الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية على الوضع العراقي، سخط المجتمع العراقي من كل ما له صلة بـ«الإسلاميين»؛ نتيجة الفساد المستشري في الدولة واتخاذ هذه الأحزاب الإسلام وسيلة للوصول إلى السلطة وما يتبعها، ونتيجة لهذا السخط المتزايد، اتجهت الأحزاب الإسلامية إلى تغيير مسمياتها طمعًا في تعبيد الطريق للانتخابات المقبلة في عام 2018.

الأحزاب الإسلامية تبدّل جلدها

تسعى الحركات والأحزاب الإسلامية إلى تغيير جلدها وارتداء عباءة العلمانية «المدنية»، بعد تغير توجهات الشارع العراقي، فلم يعد العراقيون يتقبلون أيًا منها، ولا تشمل هذه الظاهرة فئة بعينها؛ إذ شهدت مختلف الأحزاب السنية والشيعية هذه الظاهرة، ابتداء من المجلس الأعلى الإسلامي «الشيعي» إلى الحزب الإسلامي العراقي «الذي يعد الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في العراق».

Embed from Getty Images
صورة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي

يقول مقرر البرلمان العراقي السابق محمد الخالدي «أدركت الأحزاب الإسلامية مدى السخط الشعبي عليها بعد فشلها على مدى 13 عامًا سابقة، لذلك بدأت بتغيير سياساتها والتوجه إلى الشعارات العلمانية بسبب تحول مزاج المجتمع العراقي الذي أصبح رافضًا لكل الأحزاب الإسلامية التي لم تقدم شيئاً له سوى سرقة الثروات والأموال».

 

تفكك الأحزاب الإسلامية السنية

قد يكون الحزب الإسلامي العراقي هو الممثل الأبرز، إن لم يكن الوحيد الذي يمثل حزبًا إسلاميًا سنيًا، وهذا الحزب حاله كحال بقية الأحزاب الإسلامية في العراق، بدأ بالتشظي والانقسام وانشقاق قيادات بارزة عنه، وتشير المصادر إلى أن هذه الانشقاقات تتم بالاتفاق مع الحزب الذي يحاول إعادة َإنتاج ِنفسِه بعباءة ٍجديدة، تتسم بالمدنية أو العلمانية، وأن التوجه العام في الشارع يسير عكس ما تشتهيه الاحزاب الاسلامية.

في 26 أغسطس (شباط) الماضي أعلن رئيس مجلس النواب العراقي «سليم الجبوري» عن تشكيل كيان سياسي جديد غير مرتبط بالحزب الإسلامي العراقي، الحزب الذي يعد سليم الجبوري أحد أبرز قياداته، والذي وصل من خلاله إلى أعلى منصب في المؤسسة التشريعية العراقية، وأُعلن عن تسمية الكيان السياسي الجديد باسم بعيد كل البعد عن الأسماء المعهودة بعد 2003، ليتخذ «التجمع المدني للإصلاح» اسمًا له. ويعبر المستشار الإعلامي للتجمع عبد الملك الحسيني عن تلك الحالة بالقول: «تجربة الأحزاب الإسلامية هي تجربة خاضتها معظم المكونات السياسية، وهنالك تجارب نجحت وأخرى فشلت» على حد قوله.

Embed from Getty Images
صورة تجمع الملك سلمان مع رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري

بينما نفى النائب عن تحالف القوى الوطنية احمد المشهداني «تحالف يضم الكتل السنية في البرلمان ومن ضمنها الحزب الإسلامي»، نفى وجود انشقاقات داخل التحالف، مبينًا أن الأحزاب الجديدة المنبثقة داخل اتحاد القوى انتخابية، ولا تعني الانشقاق بحسبه، وذكر المشهداني في تصريحات صحافية، أن تحالف القوى هو المظلة التي تضم أغلب الكتل السنية المشاركة في الحكومة، وأن الكتل السنية أعلنت انبثاق أحزاب جديدة ومشاريع سياسية جديدة تمهد للانتخابات المقبلة في عام 2018.

Embed from Getty Images
صورة إحدى قاعات فرز الأصوات في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق

الأحزاب الإسلامية الشيعية

يختلف وضع الأحزاب الإسلامية السنية عن الشيعية منها، ففي الجانب السني، يكاد الحزب الإسلامي العراقي يكون هو الحزب الإسلامي الوحيد، أما الجانب الشيعي فيضم عدة أحزاب إسلامية لها توجهات مختلفة، فمنها ما يتبع المرجعية الشيعية العراقية، والمتمثلة في المرجع الأعلى «علي السيستاني»، ومنها ما يتبع ولاية الفقيه ومرجعية «قم» في إيران.

ومن هذه الأحزاب، حزب الدعوة الذي انقسم على نفسه ما بين نوري المالكي وإبراهيم الجعفري وحيدر العبادي وحزب الفضيلة والمجلس الاعلى الاسلامي والتيار الصدري بزعامة الزعيم الشاب «مقتدى الصدر»، وتنضوي هذه الأحزاب مجتمعة تحت مظلة كتلة التحالف الوطني البرلمانية.

Embed from Getty Images
صورة مجموعة من مقاتلي الحشد يرفعون صورة السيستاني

يقول المحلل السياسي الدكتور هشام الهاشمي «لا يزال العقل السياسي الشيعي سجينَ لحظةِ طغيانِ حكم الحزب الواحد، في إشارة إلى نظام صدام حسين، كأنهم لم يعيشوا لحظة طغيان حكم التعددية والمحاصصة العرجاء، فلا يستطيعون الخروج من سجن تلك اللحظة، ولا هم يسعون لتعديلها، تقف القوى السياسية العراقية على حافة الفوضى والارتباك؛ حيث يبدو أن الحلقة الصلبة منها تعيش حالة نظرية المؤامرة فيما بينها، ويجهز أفرادها جهودهم لتأسيس عناوين حزبية جديدة بعيدًا عن تأكيد المنهجية السابقة، وهذا مؤشر على خروج الأمور عن السيطرة».

Embed from Getty Images
صورة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الشيعي

وفي خضم الانقسامات والانشقاقات داخل الأحزاب الإسلامية، أعلن رئيس التحالف الوطني وزعيم المجلس الأعلى الإسلامي «عمار الحكيم» في الـ 24 يوليو (تموز) الماضي عن تأسيس تيار الحكمة الوطني معلنًا بذلك خروجه من المجلس الأعلى وتأسيس تيار جديد، وأشار الحكيم إلى أن تيار الحكمة الوطني سيكون حيثما تكون الحكمة والعراق، ملتزمًا بالوسطية والاعتدال، ومنطلقًا للبناء السياسي والاقتصادي والمجتمعي بعد سنوات من الحروب والخلافات السياسية، وأكد عمار الحكيم أن تياره الجديد سيخوض الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات المقبلة بقائمة منفردة، بعيدًا عن القوائم الطائفية، حسب قوله.

Embed from Getty Images
صورة نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الاسبق

 

تعدد الأحزاب الدينية ضمن الطائفة الواحدة

يعزو الدكتور فالح عبد الجبار مدير مركز «دراسات عراقية» ومقره بيروت إلى أن أهم العوامل التي أدت إلى طوفان الأحزاب السياسية في العراق هو التشظي الاجتماعي وتعدد الهويات الفرعية (القومية والطائفية) في مقابل غياب مرجعية قادرة على أن تجمع كل الأطياف في هوية عراقية واحدة، وعلى خلفية هذا التشظي ظهرت أحزاب تسعى لضمان حقوق الأقليات الإثنية والدينية التي تمثلها، وإن كانت صغيرة من الناحية الديمغرافية.

ويضيف عبد الجبار أن العراق يضم أربع قوميات أساسية، هي: العربية والكردية والتركمانية والكلدو آشورية – التي تتبع الديانة المسيحية – وداخل هذه الهويات هناك هويات أخرى فرعية، مثل الكرد الفيليين، وهم الأكراد الشيعة والإيزيديين وهم ديانة داخل القومية الكردية، والشبك الذين لا يعترفون بانتمائهم للقومية الكردية، وداخل أفراد الديانة المسيحية هناك من طرحوا أنفسهم سياسيًا كقومية تحت ضغط شعورهم بالتهديد من قيام دولة إسلامية تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية (أهل الذمة).

إذًا هناك مجموعة من الطوائف غير المنسجمة فيما بينها، وسعت كل منها إلى تشكيل كيان سياسي أو حزب يمثلها، فتشكلت أحزاب تعبر عن هوية مركبة (عرقية/ دينية) وقد بلغ عدد التنظيمات السياسية لـ«الكرد الفيليين» أربعة تنظيمات مكونة من الجهات التي رفضت الاندماج بالجسم الشيعي أو الكردي خوفًا من استهلاكهم وابتلاعهم، كما بلغ عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية لأتباع الديانة المسيحية 12 حزبًا توزعوا بين حزب واتحاد ومنظمة سياسية وحركة، أما التركمان فقد انتظموا في 14 تكتل سياسي.

ويشير هذا العدد الكبير من التنظيمات السياسية داخل الأقليات العراقية، والتي لا تتجاوز نسبتها إلى السكان 1%، إلى الانقسامات السياسية والتشظي الاجتماعي، حتى داخل المجموعة الاجتماعية الواحدة.

تحليل ظاهرة تراجع الأحزاب الإسلامية

ذكر القيادي في اتحاد القوى العراقية ومحافظ نينوى السابق «أثيل النجيفي» أن الإعلان عن أحزاب جديدة من رحم الأحزاب الحالية دون تغيير المناهج الفكرية والسياسية ما هي إلا محاولة لإقناع الشعب أن تلك الأحزاب هي نسخة معدلة إن لم تكن طبق الأصل عن الأحزاب القديمة. وتساءل النجيفي «هل ما زال قادة الأحزاب يؤمنون بولاية الفقيه أم أنهم تخلوا عنها؟» على حد تعبيره.

كما كشف أحد المقرّبين من رئيس الوزراء حيدر العبادي لصحيفة «العربي الجديد»، عن قرب تأسيس كتلة «التحرير والبناء» برئاسة العبادي؛ ليدخل بها الانتخابات بعيدًا عن عباءة حزب الدعوة الإسلامية بزعامة نوري المالكي الذي سيطر على منصب رئاسة الوزراء لثلاث دورات انتخابية ماضية في الاثنتي عشرة عامًا المنصرمة.

وفي هذا السياق يعدّ أستاذ العلوم السياسية محمد البياتي، في حديث لـ«ساسة بوست»، أن تغيير الأحزاب لمسمياتها يندرج تحت «الضحك على الذقون» على حد وصفه، وأضاف البياتي أن الشعب العراقي سئم من هذه الأحزاب بعد فشل ذريع استمر لـ 14 عامًا؛ خسر العراق خلالها كل شيء، وأن الشعب العراقي لن تنطلي عليه هذه الخدعة الكبيرة بعد أن عايش تجربة «داعش»، التنظيم الذي ظهر نتيجة فشل هذه الأحزاب في كل مفاصل الدولة، والتي خسر فيها العراق خيرة شبابه من السنة والشيعة والكرد على حد سواء.

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي من ذلك، يقول البياتي: إن الإدارة الأمريكية تؤيد موقف الشارع العراقي في نبذه الأحزاب الإسلامية، ويضيف أيضًا «في رأيي أن الولايات المتحدة عمدت إلى فسح المجال أمام هذه الأحزاب طيلة السنوات الماضية إدراكًا منها أن العراقيين في عام 2003 لم يكن بالإمكان حينها ثنيهم عن هذه الأحزاب الإسلامية على اعتبار أن العراقيين محافظون إلى حد كبير، وبعد فسح المجال أمام هذه الأحزاب فإنها سقطت تلقائيًا دون أي عناء يذكر لأمريكا».

وعن البرامج الانتخابية المعلنة لبعض هذه الأحزاب الجديدة والتي ترفع شعار تقديم الخدمات للشعب، يضيف البياتي «يبدو أن السنين الماضية لم تكن كافية لتدرك هذه الأحزاب أن الشعب العراقي قد نضج سياسيًا، وأنه ما لم تتغير البرامج الفكرية والانتخابية لهذه الأحزاب من الجذور، فإن الوضع آخذ بالانحدار إلى ما لا يحمد عقباه، ودليل ذلك أن غالبية الأحزاب والكتل المشكلة حديثًا، وهي المنشقة عن الأحزاب الإسلامية أصلًا تدّعي في برامجها تحسين الخدمات، متناسين أن مثل هذه البرامج مستهلكة ولا تعد برامج انتخابية بقدر ما هي واجب كل سلطة تنفيذية».

وكان مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي ستراتفور نشر تقريرًا قبل أسابيع أشار فيه إلى أن السياسة الداخلية في العراق أضحت قضية دولية، وبات تعدد تمثيل جماعات المصالح الخارجية في حكومة بغداد سببًا رئيسًا في زيادة صعوبة قيام تحالف بينها، مما يفسح مجالًا للدول المجاورة لإقحام أجنداتها المنافسة، في الوقت الذي يبدو فيه أن هناك متغيرات خارجية جديدة في العراق قد يقلب الساحة، وهو الدور الإماراتي في المنطقة ودعمها لأطراف عدة في الوقت ذاته.

وأشار التقرير إلى أن العديد من السياسيين باتوا يدافعون عن القومية العراقية ويدينون الفساد ويرفضون التأثيرات والإملاءات الخارجية في تلبية مطالب الجماعات والأحزاب الطائفية والقومية، في الوقت الذي تقوم فيه قوى إقليمية مثل تركيا وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي، بتقديم دعم مالي وسياسي كبير لأطراف عدة،  بل حتى للميليشيات التابعة لها أحيانًا.

وفيما يتعلق بتغير الولاءات، أكد التقرير أن هناك تحولًا ملحوظًا لدى الأحزاب الشيعية، حيث تشهد الأحزاب الشيعية الرئيسة في العراق، وهي حزب الدعوة بجناحيه والمجلس الأعلى، تغييرًا كبيرًا وخروجًا مدويًا لقياداته.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!