أثار التصعيد الأخير في ليبيا مخاوف المغرب وجيران ليبيا المغاربيين، في ظل إصرار حكومة الوفاق وتركيا على السيطرة على مدينة سرت ومنطقة الهلال النفطي، الذي قابله تحذير مصري شديد اللهجة بأنها ستتدخل عسكريًّا إذا جرى الهجوم على سرت وقاعدة الجفرة العسكرية، وهو ما حرّك من جديد العجلة الدبلوماسية لحلحلة الأزمة الليبية قبل انفجار الوضع.

نحو اتفاقية الصخيرات الثانية

شهدت العاصمة المغربية، الرباط، على مدى الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية لإنهاء حالة الانقسام في ليبيا، إذ حلّ عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، رفقة أبرز وجوه الحكومة الموالية لحفتر، ووفد آخر موال لحكومة الوفاق برئاسة خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة.

الربيع العربي

منذ 4 شهور
جميعها تحت القصف.. 3 مدن عربية قد يغير مصيرها خريطة المنطقة

لم يجتمع الطرفان المتناحران مباشرة، لكن عقَد كل منهما لقاءات منفصلة مع كل من رئيس مجلس النواب، الحبيب المالكي، وحكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين، ووزير الخارجية، ناصر بوريطة، تمهيدًا لإعلان مبادرة جديدة تصب في اتجاه إنهاء الحرب الأهلية واللجوء إلى الحل السياسي.

وحول الموضوع، صرّح رئيس مجلس النواب المغربي الحبيب المالكي، «نتابع كل التطورات، ونحاول ما أمكن تقريب وجهات النظر بين كل الأطراف الليبية، وهناك مبادرة جديدة نحن بصدد دراستها مبنية على اتفاقية الصخيرات السابقة، ونأمل صادقين أن تشكل مخرجًا للأزمة»، مشددًا على أن «استقرار ليبيا جزء من استقرار كل مكونات المنطقة».

وكان المغرب في 2015 قد جمع الأطراف المتحاربة لحل الأزمة لليبية وتوصلوا إلى «اتفاق الصخيرات»، غير أن الفاعلين المعنيين في ليبيا فشلوا في تطبيق الاتفاق على أرض الواقع، ليستأنفوا قتالهم الأهلي، قبل أن تدعو الرباط فرقاء النزاع مجددًا بحثًا عن أسس جديدة لإنهاء الأزمة، بعد أن صار الوضع خارج السيطرة بسبب التدخلات الأجنبية المتزايدة.

وعلى ما يبدو فإن المملكة تدفع نحو «اتفاق الصخيرات الثاني»، متخلية عن الاتفاق الأول، الذي يقول عنه وزير الخارجية المغربية، ناصر بوريطة: «إن اتفاق الصخيرات ليس مثاليًّا، لكن لا يوجد بديل ملائم على الطاولة حتى الساعة، نحتاج إلى تعديل مقتضيات الاتفاق السابق وتحيينها من قبل الأشقاء الليبيين».

فرص نجاح مبادرة المغرب

تحظى المبادرة المغربية الأخيرة لحل النزاع الليبي بتقدير إقليمي لا بأس به، لا سيما وأنها جاءت من بلد في المنطقة نأى بنفسه عن الصراع في ليبيا منذ البداية وانفتح على الأطراف المختلفة، وهو ما شّجع وفود الحكومتين الليبيتين المتناحرتين بالقدوم إلى الرباط، بعكس المبادرة المصرية السابقة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي لم تلق ترحيبًا دوليًّا وعربيًّا واسعًا.

وكان وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قد دعا في خطابه، أمام الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري حول الأزمة الليبية، إلى ضرورة الانفتاح على جميع الأطراف الليبية، والاستماع إليهم. كما دافع بوريطة عن اتفاقية الصخيرات، وتساءل «هل سيكون من الممكن تجاوز اتفاقية الصخيرات بدون بديل يحظى على الأقل بنفس الدرجة من الدعم الليبي والدولي؟».

ورغم دعم دول عربية لطرف على حساب الآخر، تتفق التصريحات الرسمية الصادرة عن معظم البلدان العربية على تسوية الملف الليبي عربيًّا، «بعيدًا عن التدخلات والأطماع»، بحسب ما قال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، الذي قام بجولة دبلوماسية إلى مصر وتونس والجزائر والمغرب، من أجل توحيد الموقف العربي حول ليبيا.

وحتى مع الدعم الأمريكي لمبادرة المغرب، بحسب ما صرح به مستشار حكومة الوفاق للعلاقات الأمريكية، فإن عدم إشراك مصر والجزائر في الوساطة في الحل الليبي يمكن أن يعرّض مبادرة المغرب إلى الفشل، خاصة وأن كلا البلدين معنيان بالصراع لارتباطهم بحدود مجاورة مع ليبيا.

تحديات الحل في ليبيا

رغم تحمس المغرب للتوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة الليبية، غير أن الوصول إلى استقرار سياسي ووحدة حكومية في ليبيا ستكون مهمة شاقّة وطويلة.

لعل أكبر هذه العوائق التي تعقد الوضع هي التدخلات العسكرية، فمن جهة تبدو تركيا عازمة على المضي قدمًا في دعم حكومة طرابلس عسكريًّا وسياسيًّا وتسعى إلى تثبيت وجودها على الأراضي الليبية، حتى أنها بدأت تنصب قواعد عسكرية تابعة لها وتحضر للتنقيب عن النفط.

ومن جهة أخرى تدعم السعودية ومصر والإمارات وفرنسا قوات اللواء خليفة حفتر، ولا تريد الوجود التركي هناك، أو صعود حكومة طرابلس ذات الاتجاه الإسلامي إلى السلطة في ليبيا.

أما روسيا، فتلعب دورًا غريبًا في المنطقة، عبر شركات مرتزقة، من أجل تثبيت نفوذها في ليبيا، بينما تسعى كل من فرنسا وإيطاليا إلى الاستفادة من نفط ليبيا ووقف اللاجئين من هناك دون التورط في الحرب الدائرة، في حين تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بمراقبة الوضع من بعيد.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
لاعب جديد على خريطة الأزمة الليبية.. ماذا تريد مالطا؟

لتتحوّل ليبيا إلى أشبه برقعة شطرنج تدور فيها رحى حرب بالوكالة، تشارك فيها أطراف متعددة من أجل مصالح مختلفة، مما يُعقّد الوصول إلى حل في ليبيا.

وبالإضافة إلى التدخلات الأجنبية، هناك أيضًا انتشار السلاح الذي يقوض المساعي الداخلية والدولية لإعادة الاستقرار إلى البلاد، وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أن ليبيا تضم أكبر مخزون في العالم من الأسلحة غير الخاضعة للرقابة، يقدر بما بين 150 و200 ألف طن في جميع أنحاء البلاد.

لذا لم يكن غريبًا استعصاء التوصل إلى حل دائم للملف الليبي حتى الآن رغم المبادرات العديدة السابقة، منها اتفاق الصخيرات السابق ومؤتمر برلين، نظرًا لتداخل المصالح وتدخلات الأطراف المتعددة في ليبيا، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التصريح، بأن «وساطة تقودها الأمم المتحدة هي أفضل طريقة لإحلال السلام في ذلك البلد».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد