قبل أن تهدأ نار حزن العراقيين على مقتل 100 متظاهر منهم في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، قرر هؤلاء ألا ينتهي هذا الشهر دون أن يعودوا لساحة الاحتجاج والمظاهرات، وقد وضعوا المطالبة بعقاب من قتل أبناءهم خلال الاحتجاجات الأخيرة في المقام الأول.

فغدًا 25 أكتوبر، سينطلق العراقيون إلى ساحات التظاهر في أحياء العاصمة ومدن الجنوب العراقي، ليعيد سكان البلد الذي يملك رابع أكبر احتياطي من النفط في العالم، المطالبة بمكافحة الفساد الحكومي الذي أفقرهم لأبعد حد، ورحيل حكومة عادل عبد المهدي، والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وتحسين الخدمات الأساسية. وقد حدد العراقيون الوجهة بالدخول إلى المنطقة الخضراء (الحي الدولي في بغداد) ثم طرد النواب كافة ورؤساء الكتل السياسية، فضلًا عن العمل على الاعتصام أمام منازل السياسيين في المنطقة الخضراء، حتى وإن كان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي.

هل رفع سقف المطالب يضر بالاحتجاجات الشعبية العراقية؟

يحشد العراقيون منذ الأول من أكتوبر لمظاهرات يوم الجمعة، الذي يصادف 25 أكتوبر الجاري، هذه المظاهرات التي تأتي تنديدًا بعمليات القتل، والاختطاف، والاختفاء القسري التي أتبعت قمع الاحتجاجات الأخيرة في مطلع الشهر، ولم ينصفها التحقيق الحكومي الذي رآه الشعب  غير مهني، وتسبب في رفع سقف المطالب الشعبية العراقية.

Embed from Getty Images

رجل عراقي يحمل متظاهرًا جريحًا خلال اشتباكات وسط مظاهرات مناهضة لفساد الدولة

يطالب العراقيون الآن في تظاهرات الغد بجملة من الحقوق، مثل توفير فرص العمل، وإقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي وحل الحكومة، وتغيير النظام والدستور، ومحاكمة من تسبب بقتل المتظاهرين. فيما اتخذت السلطات العراقية تدابير أمنية عدة قبل انطلاق تلك المظاهرات في بغداد وعدد من محافظات الوسط والجنوب. ووصل الأمر إلى اتخاذ قرار بإخلاء مبني رئاسة البرلمان من محتوياته المهمة، إضافة إلى منح الموظفين إجازة. كما أدخلت وزارة الداخلية العراقية البلاد في حالة الإنذار القصوى (ج)، بنسبة 100%. اعتبارًا من الساعة الثامنة من صباح اليوم الخميس الموافق 24 أكتوبر الحالي، وحتى إشعار آخر.

يرى الباحث العراقي مجاهد هاشم الطائي أن موقف المحتجين العراقيين، وكذلك موقف الحكومة، ضعيفان أمام سطوة الميليشيات الإيرانية في العراق، ويوضح: «رفع سقف المطالب مضر بالاحتجاجات؛ لأن المحيط الإقليمي، والمجتمع الدولي، وحتى القوى العراقية، تدرك أن النظام يجب إصلاحه لا إسقاطه، وتعديله جذريًّا، لا إلغاؤه وتفكيكه».

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «أوراق القوة بيد الشارع العراقي قليلة، هم يستطيعون الضغط بشكل يؤثر في الطغمة الفاسدة، وستعتمد على زخم الجماهير واستمرارهم وإصرارهم على مطالبهم، وطريقة تعامل الحكومة والميليشيات معهم»، مشيرًا إلى أن أهمية تلك الاحتجاجات تكمن في أنها احتجاجات شيعية شبابية ضد نفوذ إيران من الأحزاب الدينية والميليشيات، عدا أنها غير مؤطرة بأي إطار سياسي، أو مؤطرة من قبل جهة ما.

أما عن موقف الحكومة، فيقول الطائي: «الحكومة العراقية ضعيفة، ومن يتحكم بقراراتها أطراف سياسية جاؤوا بها عن طريق توافق قلق بين كتلتي فتح (بزعامة هادي العامري) وسائرون (لمدعومة من مقتدى الصدر)، تلك الكتل التي تشكلت بها حكومة عبد المهدي في 25 أكتوبر 2018، لكنها قد تحتوي المظاهرات بوعود وحلول ترقيعية، أو تقدم استقالتها وتتحول لحكومة تصريف أعمال مع تحديد موعد انتخابات مبكرة بإشراف دولي».

ويقول الطائي إن ما يحدث الآن هو محاولة ركوب موجة الاحتجاجات من قبل أطراف سياسية شيعية، من خلال المشاركة فيها واستثمارها سياسيًّا وتفاوضيًّا.

تقرير «الخصم والحكم».. الحكومة العراقية تبرئ نفسها بنفسها من قتل المتظاهرين

إيران تُصعِّب من مهمة الفاعل المحلي

«إيران استغلت الحرب ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في إدخال قادة الميليشيات للبرلمان العراقي، والتسلل ببطء إلى مؤسسات الدولة، ودور إيران في الرد على هذه المظاهرات، وفشل الحكومة في حماية مواطنيها، يعد مؤشرًا مهمًّا على تأثير طهران في البلاد»، هذا ما قالته الكاتبة حنين غدار في مجلة «فورن بوليسي» الأمريكية. وتضيف: «من المحتمل أن تلجأ الميليشيات العراقية المدعومة من إيران إلى العنف مرة أخرى لقمع جولة جديدة من الاحتجاجات المقررة في 25 أكتوبر».

تحدثنا إلى أستاذ العلاقات الدولية وعلم السياسة زيد الأعظمي، الذي توقع ألا ترقى المظاهرات المتوقعة إلى مستوى ثورة شعبية شاملة تغير الواقع وتحدث انتقالًا فارقًا في الحالة العراقية، وذلك بسبب تعقيدات الملف العراقي من الناحية الإقليمية والدولية، وما تمثله بغداد من ورقة تفاوض وتوازن، يُصعّب من مهمة الفاعل المحلي، سواء النخبوي أو الجماهيري، في إحداث تأثيرات تصحيحية منشودة في واقع السلطة بالعراق، وفواعلها السياسيين والأمنيين.

ويستدرك الأعظمي القول: «برغم ما سبق لا يمكن أن نقلل من قيمة أثر الاحتجاجات في تحريك المشهد السياسي التنفيذي؛ فقد عمدت الحكومة العراقية إلى سلسلة إجراءات وبوتيرة تصاعدية تخفف غضبة الشارع، وتتماشي مع بعض مطالب المحتجين، لكنها لا ترقى بطبيعة الحال إلى طموحات الجمهور؛ نظرًا إلى المحددات السياسية المعوقة لتنفيذ شامل لمطالب المظاهرات العراقية، التي خلاصتها الوظيفة، والخدمات، ومحاربة الفساد».

ويوضح الأعظمي أن الاحتواء الحكومي حدث بوسائل مختلفة، أبرزها قوة الردع الأمني الذي واجهت به المتظاهرين في الأيام الستة الأولى من الاحتجاجات، وبوسيلة إطلاق وعود التعيين والسلف، ومنح الأراضي، ومكافحة الفساد، وبوسيلة الوساطات العشائرية للتهدئة؛ حتى تأخذ التوافقات السياسية طريقها لإدارة مرحلة ما بعد انقضاء الأزمة؛ منعًا لتكرارها.

ويرى الأعظمي أنه من الصعب الحديث عن تنسيقيات وورقة مطالب في ظل عفوية ومناطقية جغرافيا الاحتجاجات في العراق، ويعقب بالقول لـ«ساسة بوست»: «لكن ما ورد من مطالب تتعلق بمكافحة الفساد، وتقديم كبار الفاسدين إلى القضاء، والتعديلات الدستورية، مطالب معقدة وصعبة التنفيذ، فكبار الفاسدين هم فواعل مهمون على الصعيد المحلي والإقليمي، وجزء من بنيان تحالفات تشكيل الحكومة، خروجهم أو مقاضاتهم سيعني انهيار العملية السياسية».

أما فيما يتعلق بمطلب التعديل الدستوري، فهذا غير وارد؛ نظرًا إلى جمود الدستور العراقي وصعوبة توافر شروط تعديلاته المعقدة الواردة في الدستور ذاته، أما تقديم المتورطين بقتل متظاهرين فإن اللجنة الوزارية المكلفة بالتحقيق في أحداث قتل متظاهرين، قدمت أكباش فداء اتهمتهم بالتقصير، وأُحيلت ملفاتهم إلى القضاء.

الحكومة ستهرب من الاستحقاقات الشعبية

يعتقد المحلل السياسي العراقي هلال العبيدي، أن احتجاجات 25 أكتوبر ستنجح في إحداث علامة فارقة في مطالب العراقيين؛ لكونها مطالب مشروعة أحرجت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، فهي تتعلق بمطالب التأمين والصحة، والوظائف، ومكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل، وكلها مطالب ضرورية، كما أنها احتجاجات شعبية تجاوزت الطائفية التي كانت موجودة في عرف الشارع العراقي، والتي استغلتها الأحزاب في السابق.

متظاهر عراقي

ويضيف العبيدي: «خيار استقالة عبد المهدي وراد جدًّا، لكن المطالب الشعبية من جراء تلك المظاهرات تجاوزت خيار الاستقالة إلى مطالب أكبر، مثل إعادة النظر في آلية الانتخابات التي تجري في العراق، وإعادة النظر أيضًا في المناصب السيادية في العراق وتوزيع الثروة، وحل البرلمان، وقد تصل تلك المطالب حتى إلى تغير الدستور العراقي؛ فالمطالب الآن واسعة».

ويعتقد العبيدي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن عددًا كبيرًا من العراقيين سيشارك في المظاهرات، ومن الممكن أن يصل المشاركون إلى 3 أو 4 مليون، ويفسر ذلك بأن كل الطبقات الاجتماعية الآن مستنفرة ضد هذه الحكومة،  وضد الأحزاب التي يرى فيها العراقيون أنها استغلت السلطة والثروة العراقية في غير محلها، وعاثت فسادًا في البلاد، فلا أحد يعلم أين تذهب مليارات الدولات التي تدخل العراق في كل عام.

ويوضح العبيدي: «ما يدخل العراق من النفط فقط يتحاوز 100 مليار دولار، وهذا المبلغ من الممكن أن يوفر عيشًا رغيدًا للشعب العراقي، ولكن هذا لم يحصل؛ لذلك يعبر الشعب الآن عن عدم رغبته في أن تستمر هذه الطبقة السياسية في حكم البلد بهذا الشكل الذي عرفنا طوال 16 عامًا مضت».

ويشير العبيدي إلى أن هناك محاولة لتطبيع الأمور، وخصوصًا أن مجلس النواب أجل اجتماعه لما بعد 25 أكتوبر الجاري، ويعد هذا محاولة للهرب من استحقاقات شعبية يبحث عنها الشارع العراقي، ويختم بالقول: «الشارع العراقي سيقول كلمته، ومن المحتمل أن يقتحم المتظاهرون البرلمان، ويتم تعطيل الحكومة، ويتم الإضراب العام؛ فالمتظاهرون مصرون على المطالبة بحياة كريمة، وبخدمات ذات كفاءة عالية، وإزالة هذه الطبقة الحاكمة».

اغتيالات بالجملة.. الخطر ينال من حياة صحافيي العراق وعائلاتهم!

المصادر

تحميل المزيد