بينما كان ملايين المواطنين يواجهون رصاص القوات الأمنية في الشوارع بصدور عارية عقب انقلاب عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، على رئيس الوزراء عبد الله حمدوك؛ ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 منهم وإصابة العشرات وفقًا للجنة أطباء السودان المركزية، مُنددين بالانقلاب ومُطالبين بالإفراج عن رئيس الوزراء وطاقمه، كان عبد الله حمدوك مُنخرطًا في اجتماعات متواصلة مع آسريه وفقًا لحميدتي نائب رئيس مجلس السيادة وقائد مليشيا «الدعم السريع»، أسفرت عن صفقة سياسية جرى تضمينها في ما سُمّي بالاتفاق السياسي بينه وبين قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، والذي عاد بموجبه إلى رئاسة الوزراء، لكن بدون حاضنة سياسية وبشروط قائد الانقلاب.

Embed from Getty Images

عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني

وفيما برر عبد الله حمدوك التوقيع على الاتفاق الذي عُقِد في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بأنه من أجل حقن الدماء، والمحافظة على مكاسب الانفتاح الاقتصادي على العالم، واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي، أعرب عن نيته تعيين حكومة تكنوقراط غير حزبية تعمل على تحسين الاقتصاد السوداني الذي يعاني أزمة طويلة الأمد، فضلًا عن الحفاظ على السلام، وتنفيذ اتفاق جوبا أكتوبر 2020 مع الحركات المسلحة.

 إلا أنّ عبد الله حمدوك أصبح مرفوضًا من طرف الجماهير التي قادت الثورة الشعبية، وأسقطت نظام عمر البشير 2019، ممثلة في لجان المقاومة، وتجمع المهنيين السودانيين، والتي تطالب بإنهاء الشراكة مع المكوّن العسكري، وتعتبر الاتفاق الأخير محض شرعنة للانقلاب، كما أصبح عبد الله حمدوك مرفوضًا كذلك من طرف تحالف الأحزاب السياسية التي كانت الداعمة له، والمعروفة بقوى إعلان الحرية التغيير، والتي تدعو إلى العودة لما قبل الانقلاب، فبات الرجل بدون دعم شعبي وسياسي.

من شغب «الحرية والتغيير» إلى قبضة الجيش.. المستجير من الرمضاءِ بالنارِ

بالنسبة إلى عبد الله حمدوك الذي انخرط مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد مليشيا الدعم السريع حميدتي، في تحالف جديد لقيادة ما تبقى من المرحلة الانتقالية إلى نظام ديمقراطي مدني، فإنه سيواجه صعوبات جمة في ظل سيطرة حلفائه على مفاصل الاقتصاد والثروة، وهيمنتهم التامة على الأجهزة الأمنية، لذلك فإنّه بهروبه من «تشاكس» أحزاب قوى الحرية والتغيير إلى أحضان الجيش يبدو وكأنه «مستجيرٌ من الرمضاء بالنار».

فقد وقّع على اتفاق سياسي مكوّن من 14 بندًا، رغم أنه وصف في مقابلة مع فضائية الجزيرة في 25 نوفمبر إجراءات الجيش بالانقلاب؛ إذ قال: إنّ «ما حدث في 25 أكتوبر 2021 ليس له تعريف آخر ، سوى أنه استيلاء على السلطة بطريقة غير دستورية، وفي كل الأعراف هو انقلاب».

عربي

منذ شهر
تسوية أم جرعات مفرطة من العنف.. كيف سيتمكن البرهان من إنقاذ رأسه؟

 لكن عبد الله حمدوك دافع عن قبوله بتوقيع الاتفاق السياسي لاحقًا مع من وصفهم بالانقلابيين بالحاجة إلى العبور بالبلاد نحو حكم مدني، وأنّ الخيارات في الدنيا «تظل محكومة بما هو ممكن» وفق تعبيره، وأنه بصدد تشكيل حكومة تكنوقراط محدودة المهام، مثل مواصلة ما سمّاه بالإصلاح الاقتصادي، وفتح الباب أمام الاستثمار في السودان، واستكمال اتفاق السلام الذي وُقِع مع بعض الجماعات المتمردة عام 2020 لإنهاء سنوات من الصراع الداخلي، واستكمال تكوين هياكل السلطة الانتقالية وتهيئة المناخ للانتخابات القادمة.

اتفاق إذعان.. عن الدم الذي صار ماء

يتشكك كثيرون في إمكانية تحقق ما يصبو إليه عبد الله حمدوك، فبالنسبة للباحث السياسي في بالخرطوم، حامد نورين فإنّ السبب الرئيس للانقلاب لم يكن انسداد الأفق السياسي وتشاكس الأحزاب المكونة لحكومة عبد الله حمدوك المُطاح بها، وإنّما هو اقتراب موعد تسليم المكون العسكري في مجلس السيادة رئاسته إلى المكوّن المدني، وبالتالي كانت ستصبح السلطة الانتقالية مدنية خالصة اعتبارًا من يوليو (تموز) 2022 كحد أقصى بحسب الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام.

Embed from Getty Images
عبد الله حمدوك مع عبد الفتاح البرهان

وأضاف نورين لـ«ساسة بوست»: «تسليم السلطة هذا يُعرض العسكريين المُتهمين بارتكاب ما عُرف بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة 3 يونيو (حزيران) 2019، التي راح ضحيتها 100 من المعتصمين وأصيب المئات، للمحاسبة والمساءلة والمُحاكمة إذا ما تخلوا عن السلطة، وهو نفس السبب الذي سيجعلهم يتشبثون بها في المرات القادمات أيضًا، ولن يسمحوا بانتخابات طالما لم تزل ملفات الانتهاكات الجسيمة مفتوحة.

وتابع الباحث «لا أحد يعلم من أين استمد عبد الله حمدوك ثقته في العسكريين؟ رغم أنهم أعاقوا عمل حكومته طوال العامين الماضيين، ثم انقلبوا عليه واختطفوه وربما أجبروه على التوقيع، أو أن هناك تواطؤًا بينه وبينهم، كما يذهب كثيرون». 

ومن جانبها قالت الناشطة الحقوقية حرم أبو بكر، لـ«ساسة بوست» إنه بغض النظر عن تفاصيل الانقلاب وما أعقبه من اتفاق سياسي بين عبد الله حمدوك وعبد الفتاح البرهان، عاد بموجبه الأول إلى رئاسة الوزارة التي لم تُشكل بعد، ودون الاعتماد على نظرية المؤامرة والبحث في النوايا، فإنّ الاتفاق نفسه لا يُعتد به من الناحية القانونية؛ بوصفة «اتفاق إذعان».

وبررت حرم أبو بكر عدم قانونية الاتفاق بأن رئيس الوزراء جيء به إلى منصة التوقيع بالقصر الجمهوري في الخرطوم من رهنه المنزلي مباشرة، وبالتالي فلا أهلية قانونية للمعتقل أو الأسير أو السجين، وأي أقوال يدلي بها، أو أفعال يمارسها تعد غير قانونية، وهذا ما ينسف الاتفاق من أساسه، دعك عن مخالفته للوثيقة الدستورية وما إلى ذلك.

على شفير الهاوية.. على ما يراهن عبد الله حمدوك؟

أصبح مستقبل التحول الديمقراطي والسلام والاستقرار السياسي في البلاد على شفير الهاوية، بالانقلاب أولًا وباتفاق عبد الله حمدوك – عبد الفتاح البرهان لاحقًا، والذي بموجبه وضع رئيس الوزراء نفسه رهينة لحاملي السلاح من الجيش ومليشيا «الدعم السريع» وثلاث من كُبرى الحركات المسلحة: «الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (جناح مالك عقار)» و«حركة العدل والمساواة»، و«حركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي)».

وبما أن هذه الجهات بطبيعة تكوينها وعقيدتها العسكرية لا تؤمن بالتحول الديمقراطي، ولا بالتداول السلمي للسلطة، فإن عبد الله حمدوك سيجد نفسه بين أذرع أخطبوط سلطوي يحاصره من كل الجهات، وليس من المرجح أن يجدي تعويل عبد الله حمدوك على المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نفعًا؛ إذ بإمكان العسكريين الالتفاف على ذلك مع مضي الوقت. 

فيمكننا أن نرى في الوضع السياسي الراهن الذي تخلّق عقب الانقلاب أطراف الخارطة السياسية الجديدة، وهي: القوات المسلحة، ومليشيا «الدعم السريع»، والحركات المتمردة السابقة في جانب، مسنودة من جيوب النظام السابق، وبعض شيوخ الطرق الصوفية، وزعماء القبائل، فيما يقف عبد الله حمدوك وحيدًا في الجانب الآخر دون حاضنة سياسية، ولا سند شعبي، بعد أن فقد دعم الشارع بتوقيعه الاتفاق. 

وبما أن تلك المجموعات التي تقف إزاء الرجل الوحيد لا مصلحة لها في حدوث أي تحول ديمقراطي حقيقي قد يهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية، فإنّ انقلابها القادم على حمدوك نفسه سيكون مُعدًا وجاهزًا للاستخدام في أي وقت تشعر فيه أنّ مصالحها باتت مُهددة.

ثقل مضاد.. الخارجون عن «اتفاقية جوبا» يحققون توازن قوى 

في المقابل تقف قوى سياسية وثورية مناوئة للانقلاب وللوضع الماثل برمته، قوامها لجان المقاومة الثورية التي أسقطت نظام البشير 2019، وما تزال تتظاهر ضد الانقلاب الأخير حتى اللحظة، فضلًا عن تجمع المهنيين السودانيين (نقابات)، وقوى المجتمع المدني، وأحزاب إعلان قوى الحرية والتغيير المُطاح بها، و«الحزب الشيوعي السوداني» الذي يتبنى موقفًا مستقلًا بعد انسحابه العام المنصرم من «تحالف الحرية والتغيير»، وأكبر حركتين مسلحتين «الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (جناح عبد الحلو)» و«جيش تحرير السودان (جناح عبد الواحد نور)» لم توقعا على اتفاق جوبا للسلام مع الحكومة الانتقالية.

تقول حرم أبو بكر: «تشمل القوي المعارضة للانقلاب قطاعات حزبية ونقابية وثورية واسعة من المجتمع، بمن فيها قاطنو معسكرات النازحين في إقليم دارفور، الذين لم يعرهم اتفاق جوبا، ولا الموقعين عليه، الذين يتحدثون باسمهم، ويتاجرون بقضاياهم، أدنى اهتمام عقب وصولهم للسلطة، وتسكينهم في وزارات ومناصب عليا، وهؤلاء على وجه الخصوص يمنحون الحراك ضد الانقلاب والوضع الذي ترتب عليه بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا بالغ الأهمية». 

Embed from Getty Images
وانضمام الحركات المسلحة التي رفضت التوقيع على اتفاق جوبا للسلام إلى المعسكر المعارض للانقلاب يعطيه زخمًا وقوة، وربما تشهد السودان حالة من توازن القوة العسكرية على الأرض، خاصة أن الحركتين تُعدان الأقوى عسكريًا والأكثر تأييدًا شعبيًا، مقارنة ببقية الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، والمشاركة في انقلاب البرهان الأخير.

هذا الوضع ربما يفضي إلى صدام مدوي بين المعسكرين إذا ما قرر الانقلابيون المضي قدمًا في خطواتهم، والاستئثار بالسلطة، وإحكام قبضتهم على مفاصل الدولة كما هو جارٍ الآن، وهذا ما قد يقود إلى حرب أهلية شاملة إذا ما قرأنا المشهد بالنظر إلى طبيعة التكوين القبلي للحركات المسلحة، ومليشيا الدعم السريع، وقيادة الجيش الرسمي نفسها التي يهمين عليها ضباط تعود جذورهم إلى شمال السودان.

معركة طويلة وكلفة باهظة

يعود حامد نورين مجددًا ليلفت إلى أنه لا ينبغي التعويل على الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاق جوبا، إلا مرحليًا، رغم تطابق رؤاها مع المعسكر المناوئ للانقلاب ولاتفاق حمدوك – البرهان، فبالنظر إلى بنيتها السياسية وطبيعتها العسكرية، فإن استمرارها في الانخراط ضمن الحراك المدني الديمقراطي غير مضمون.

 وأشار نورين إلى أن هذه الحركات قد تضطر في أي وقت إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات مع حكومة الأمر الواقع والتوقيع معها على اتفاق محاصصة سياسية في السلطة والثروة، كما فعلت نظيراتها بالتوقيع على اتفاقية جوبا، فهذه الحركات محكومة بشروط مختلفة ومرهونة بمواقف ومصالح داعميها الإقليميين والدوليين، فمتى تطابقت مع الحكومة القائمة فسيجري الضغط عليها للتوقيع على اتفاق ما.

هكذا يبدو المشهد السياسي في السودان شديد التشابك والتعقيد، عقب توقيع اتفاقية حمدوك – البرهان. مشهد يبدو فيه الشارع الثوري قويًا وفعالًا في الوقت الراهن، لكنه قد يضعف مع مرور الوقت؛ لأن عناصر القوة التي يتمتع بها الآن قابلة للإجهاض بالقوة الغاشمة إذا ما تخلت عنه الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاق جوبا والأحزاب السياسية المكونة لقوي الحرية والتغيير والمجتمع الدولي الذي أبدى دعمًا مبدئيًا للتسوية بين قائد الانقلاب ورئيس الوزراء.

 وهكذا ربما سيجد الشارع الثوري الساعي إلى دولة مدنية ديمقراطية نفسه وحيدًا في مواجهة خضم متلاطم من المسلحين، والقوى الإقليمية والدولية، وهذا لا يعني نهايته بالضرورة، لكنه يشير بوضوح إلى معركة طويلة الأجل، وتكلفة باهظة الثمن.

المصادر

تحميل المزيد