عندما كان دونالد ترامب قطبَ عقاراتٍ؛ اعتاد شراء ممتلكاتٍ باهظة الثمن، مثل ناطحات السحاب والكازينوهات، لكن بعدما أصبح رئيسًا للجمهورية؛ بدأ يميل لشراء أشياء أكبر وأغلى ثمنًا وأكثر أهمية، مثل جزيرة جرينلاند.

وترامب يعلم أن جرينلاند ليست كازينو ولا ناطحة سحاب، بل أكبر جزيرة في العالم -باستثناء قارة أستراليا- تربو مساحتها على مليوني كم مربع، وتضم أقل كثافة سكانية في العالم بأقل من 60 ألف نسمة.

ورغم ذلك أصرَّ ساكن البيت الأبيض على نقل النقاش حول احتمالية شراء الجزيرة إلى ساحة خبرته المهنية، واصفًا الفكرة بأنها «صفقة عقارية كبيرة». وعاونته افتتاحية صحيفة «واشنطن إكزامينر» قائلة إن: «الصفقة ليست جيدة فقط، بل عظيمة». 

وبينما يُروِّج الرئيس الأمريكي لصفقته لدى أصحاب الأرض بمنطقٍ تجاريٍّ، قائلًا: إن ملكية جرينلاند «تضر الدنمارك بشدة؛ لأنهم يخسرون حوالي 700 مليون دولار سنويًّا لتحمل أعباء هذه المسئولية»، فهو يعترف في الوقت ذاته بأن الصفقة مُغرِية للولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية

المدنيون فقط وزراء الحرب.. هل يهدد ترامب السيطرة المدنية على الجيش الأمريكي؟

التاجر الأمريكي يطمع في ثروات القطب الشمالي!

ما يجعل جرينلاند على هذا القدر من الجاذبية لقطب العقارات الأمريكي، الذي أصبح رئيسًا، هي أهميتها الجيوستراتيجية في ساحة المنافسة العالمية على النفوذ في منطقة القطب الشمالي، ناهيك عن الكنز المحتمل الذي تحتضنه من النفط والغاز والمعادن النادرة. 

الجبال الجليدية في خليج ديسكو، غرب جرينلاند

ولأن الجليد يغطي حوالي 80% من مساحة جرينلاند -التي ترتبط ثقافيًّا بأوروبا إلا أنها من الناحية الفيزيوجغرافية جزء من قارة أمريكا الشمالية- يُتَوَقّع أن تصبح الكثير من ثرواتها غير المستغلة لقمة سائغة بمجرد ذوبان الجليد بسبب تغيُّر المناخ، فضلًا عن تمهيد مساراتٍ وفتح آفاق أكثر رحابة.

وبالنسبة إلى الرئيس الأمريكي، يعتبر شراء جرينلاند «صفقة العمر العقارية»، على حد وصف فيليب إنمان في «الجارديان»، التي من شأنها أن تؤمّن أرضًا تبلغ مساحتها ربع مساحة الولايات المتحدة، وتحفر له مكانة في تاريخ الولايات المتحدة إلى جانب الرئيس أندرو جونسون، الذي اشترى ألاسكا من روسيا في عام 1867، وتوماس جيفرسون الذي حصل على لويزيانا من الفرنسيين عام 1803.

ويرى ميكا مريد، أستاذ الشؤون الجيوسياسية في المناطق القطبية بـ«معهد العلاقات الدولية» في باريس، أن عرض ترامب بشأن جرينلاند جزء من معركة استراتيجية أوسع للسيطرة على القطب الشمالي، ومحاولة من الرئيس الأمريكي لتحويل الأنظار عن المشاكل الداخلية.

جرينلاند.. مزايا استراتيجية ومخاطر سياسية

ترامب ليس أول رئيس أمريكي يحاول شراء جرينلاند، بل أبدت الولايات المتحدة اهتمامًا بشراء جرينلاند مرتين من قبل، أشهرهما عرض إدارة ترومان على الدنماركيين 100 مليون دولار من الذهب، وربما جزء من ألاسكا، مقابل الجزيرة في عام 1946.

صحيحٌ أن الدنمارك رفضت عرض ترومان، الذي كان مدفوعًا باعتقاد المسؤولين الأمريكيين في ذلك الوقت بأن الجزيرة تمثل «ضرورة عسكرية»، لكنها سمحت للولايات المتحدة بالاحتفاظ بقاعدة جوية هناك منذ 70 عامًا. وأبرم البلدان اتفاقًا في عام 1917 تستحوذ الولايات المتحدة بموجبه على ما تعرف الآن بجزر فيرجن الأمريكية.

وما حدث بالأمس تحاول الدنمارك تكراره اليوم، إذ أكدت رئيسة وزراء الدنمارك ميتى فريدريكسن على أن قرار الرئيس الأمريكي بإلغاء زيارته إلى بلادها لن يؤثر على التعاون الاستراتيجي أو العسكري أو التجاري بين بلديهما.

وفي عددها الصادر بتاريخ 27 يونيو (حزيران) 1927، لم تذكر مجلة «تايم» أي شيء عن المائة مليون دولار التي يُقال إن المسؤولين الأمريكيين عرضوها قبلها بعام لإتمام الصفقة، لكن المجلة أشارت إلى أن العسكريين الأمريكيين فكروا حينئذ في شطب ديون الدنمارك البالغة 70 مليون دولار مقابل التنازل عن جرينلاند.

بلدة كيكيرتارسواك، في جرينلاند.

كان دور العسكريين في تلك الصفقة مرتبط بوضع الولايات المتحدة آنذاك؛ صحيحٌ أن أمريكا كانت قد خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، لكن الحرب الباردة كانت تختمر، والتوترات مع الاتحاد السوفياتي كانت مفتوحة، وتشمل الوجود الأمريكي في القطب الشمالي؛ وكان شراء جرينلاند أفضل طريقة لحل هذه المشكلة. 

يضاف إلى ذلك، الميزة العسكرية الكبيرة التي تضاف إلى الولايات المتحدة من وراء الصفقة؛ ذلك أن مساحة جرينلاند التي تبلغ 800 ألف ميل مربع تجعل الجزيرة أكبر حاملة طائرات ثابتة في العالم، وموقعها المتميز يكسبها أهمية سواء في الحرب التقليدية، أو باعتبارها موقعًا متقدمًا لنصب الرادارات أو الصواريخ. 

وربما لا تكون المخاوف الاستراتيجية المذكورة في مقالة «تايم» المنشورة عام 1947 بعيدة جدًا عن تلك الموجودة في أذهان ترامب، لكن هناك استثناء واحد مهم؛ فمع ذوبان الجليد نتيجة الاحترار العالمي، بدأت المنطقة القطبية الشمالية التي كانت جليدية ذات يوم تتمخض سريعًا عن طريق بحري جديد محتمل للسفن التجارية والحربية.

هذا ما لفت إليه مايك بومبيو، وزير خارجية ترامب، في مايو (أيار) الماضي حين قال: «الذوبان المستمر للجليد يفتح ممرات جديدة وفرصًا جديدة للتجارة. هذا يمكن أن يقلل الوقت الذي يستغرقه السفر بين آسيا والغرب بما يصل إلى 20 يومًا». مشيرًا إلى أن الممرات البحرية في القطب الشمالي قد تصبح بديلًا لقناتي السويس وبنما في القرن الحادي والعشرين.

«لكن كما يعلم طلاب التاريخ، هذا يعني أن المنطقة المحيطة بجرينلاند قد تصبح أيضًا موقعًا لأزمة سياسية في القرن الحادي والعشرين»، حسبما حذر مراسل مجلة «تايم»، بيلي بيريجو، في 16 أغسطس (آب) 2019.

جرينلاند ليست للبيع.. عقبات في طريق «صفقة ترامب»

يلفت ماثيو يغليسياس عبر موقع «فوكس» إلى أن المشكلة الرئيسية في خطة ترامب أن الجزيرة ليست معروضة للبيع أصلًا، وليس هناك ما يشير إلى أن سكان جرينلاند يريدون أن يروا معادن جزيرتهم في قبضة الأمريكيين. 

ويبدو أن سكان جرينلاند يشعرون بالرعب حيال إمكانية انتقالهم، من وصاية دولة إلى أخرى، وكأنهم طفل غير مرغوب فيه، على حد وصف جون إيليدج في مجلة «نيو ستيتسمان».

كما أن عددًا غير قليل من الأشخاص الذين يعيشون في الدنمارك يرتبطون بجرينلاند التي عاشوا وعملوا فيها لفترة، وسيشعر الكثير منهم بالفزع إذا أحرزت صفقة ترامب تقدُّمًا، حسبما يؤكد الباحث في قسم التاريخ بـ«جامعة جنوب الدنمارك»، ينس لي ويندل هانسن.

ربما يقول قائل إن السكان الأصليين المحليين هم آخر من يُستَشار في مثل هذه الصفقات، مستشهدًا بصفقة ألاسكا التي اشترتها الولايات المتحدة مقابل 7.2 مليون دولار من روسيا عام 1867.

بيدَ أن جرينلاند اليوم ليست ألاسكا القرن التاسع عشر، وستكون موافقة الجرينلاديين ضرورية لتمرير أي «صفقة عقارية كبيرة» تجردهم من أراضيهم وسيادتهم، على حد قول فيليسيتي جينز، الأستاذة الباحثة المشاركة في «جامعة مونستر».

ولا يُتَوَقّع أن يُفَرِّط شعب جرينلاند بسهولة في استقلالهم الذي حصلوا عليه بعد جهود مضنية، أولا بموجب قانون عام 1979 باعتباره الخطوة الأولى نحو الحكم الذاتي، الذي ترسخ بعد استفتاء عام 2008 بتأييد 75% من الأصوات. 

وحتى لو كانت بعض الجوانب السياسية المتعلقة بجرينلاند تحت السيطرة الدنماركية، مثل السياسة الخارجية والأمن والاتفاقات الدولية، يجادل البعض بأن الفكرة مستحيلة إجرائيًا؛ لأن الدنمارك قد لا تكون في وضع يمكنها من بيع جرينلاند، حتى لو أرادت ذلك.

وحتى لو حصلت الولايات المتحدة على اتفاق من حيث المبدأ، فإن السعر سيكون مرتفعًا للغاية، وقد يكون بالمليارات، وربما حتى بالتريليونات، وفق تقدير نشرته «سي إن إن بزنس» للأستاذ في «كلية لندن» الجامعية، إيوان مورجان. 

الأمريكيون لن يستسلموا بسهولة

لكن المسألة تظل «مثيرة للقلق أكثر من إثارتها للسخرية»، في رأي مارتن بريوم كما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز». وحتى لو كان رد رئيس وزراء جرينلاند، كيم كيلسن، حاسمًا: «جرينلاند ليست للبيع، والأمر انتهى الآن»، ويتوافق مع موقف رئيسة وزراء الدنمارك ميتى فريدريكسن التي وصفت الفكرة بأنها «سخيفة»، فلن تخرج الفكرة من رؤوس الأمريكيين بسهولة.

والدليل على ذلك أنه برغم إلغاء ترامب زيارته المقررة إلى الدنمارك ردًا على رفض صفقته، قالت وزارة الخارجية الأمريكية في رسالةٍ موجهة إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن «إعادة فتح قنصلية في العاصمة نوك جزء من خطة أوسع لزيادة الوجود الأمريكي في القطب الشمالي»، وشددت على أن للولايات المتحدة «مصلحة استراتيجية في تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية عبر منطقة القطب الشمالي».

وذكرت رسالة وزارة الخارجية الأمريكية أن الوجود الدبلوماسي الدائم سيسمح للولايات المتحدة «بحماية الأسهم الأساسية في جرينلاند مع تطوير علاقات أعمق مع مسؤولي ومجتمع جرينلاند». وأن القنصلية ستكون «عنصرًا حاسمًا في جهودنا لزيادة الوجود الأمريكي في القطب الشمالي، وستكون بمثابة منصة فعالة لتعزيز المصالح الأمريكية في جرينلاند».

ومبادرة الخارجية الأمريكية لها جذور تعود عام 1940، حين فتحت الولايات المتحدة قنصلية في جرينلاند بعد الاحتلال النازي للدنمارك، قبل أن تغلق أبوابها عام 1953. وإذا حظي المقترح بموافقة الكونجرس، من المتوقع أن يعاد فتح القنصلية العام المقبل في عاصمة الإقليم الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي.

بل عينت وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل موظفًا لمتابعة شؤون جرينلاند يعمل خارج السفارة الأمريكية في كوبنهاجن، وهي تخطط الآن لتعيين موظفين محليين في جرينلاند بحلول الخريف أو في أقرب وقت لاحق، وتتوقع أن يصل عدد موظفي القنصلية إلى سبعة بحلول عام 2020.

والدنمارك التي يتناوب ترامب ترغيبها وترهيبها عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي ينتقدها الرئيس الأمريكي مرارًا وتكرارًا، لاعتقاده بأن الدول الأعضاء لا تدفع ما يكفي مقابل امتياز العضوية إلى جانب الجيش الأمريكي القوي.

ومن المفارقات أن هذه القوات الأمريكية عملت على مدار عقود من «قاعدة ثول» الجوية في جرينلاند، وهي قاعدة تقع في أقصى شمال الولايات المتحدة وتعد جزءًا من شبكة عالمية من الرادارات وأجهزة الاستشعار.

القطب الشمالي.. الكعكة التي تشتهيها أمريكا وروسيا والصين

إذا كان لعاب الولايات المتحدة يسيل على كعكة جرينلاند الشهية، فليست روسيا والصين من الوليمة ببعيد. وإذا كان ترامب يُغَازِل تارةً ويتوَعَّد أخرى، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس نائمًا، بل طرح برنامجًا في أبريل (نيسان) لإعادة تأكيد وجود بلاده في القطب الشمالي. 

ومخططات الكرملين تتضمن بناء موانئ وتدشين مشروعات أخرى في مجال البنى التحتية وتوسيع أسطول روسيا من كاسحات الجليد؛ وعينها على حجز حصتها من ثروات المنطقة التي يُعتَقَد أنها تضم ما يصل إلى ربع النفط والغاز غير المكتشفَيْن في كوكب الأرض.

والحال هكذا، لا يليق بدولة مثل الصين أن تتخلف عن ركب المنافسة الأمريكية الروسية على جرينلاند؛ التي هي في نظر بكين أيضًا مصدر محتمل للمعادن الأرضية النادرة وغيرها من الموارد الثمينة فضلًا عن موقعها الاستراتيجي باعتبارها ميناء للشحن عبر القطب الشمالي إلى شرق الولايات المتحدة. 

ولا يُخفي مستشارو ترامب أن عملية الاستحواذ المخطط لها بمليارات الدولارات تتحدى هيمنة الصين على المعادن الصناعية في العالم، وتساعد على عرقلة الطموحات العسكرية الروسية المتجددة.

أما فيما يتعلق بالروس، فإن منطق ترامب يقول: «لن تكونوا دائمًا القوة الرئيسية في منطقة القطب الشمالي حتى لو كنتم رئيس مجلس القطب في 2021». أما بخصوص الصين، فالفكرة هي القول بأننا «لن نسمح لهم بالحصول على موطىء قدم في جرينلاند»، كما يقول أستاذ الشؤون الجيوسياسية في المناطق القطبية، ميكا مريد.

لكن في ضوء النصيحة التي قدمها ليونيد بيرشيدسكي عبر شبكة «بلومبرج» للولايات المتحدة بـ«التفكير في التوسع الإقليمي، حتى إذا لم تكن جرينلاند على الطاولة»، ربما لا يكون سكان جرينلاند وحدهم من يجدر بهم القلق من طموحات التاجر الأمريكي. 

هل سيتحول العالم إلى «جنة» لو رحل ترامب في 2020؟

المصادر

تحميل المزيد