التحقت تونس من خلال صياغتها لدستورها الجديد بركب الدول التي تعتبر الحق في بيئة سليمة حقًا دستوريًا. ورغم هذا التنصيص، وعلى خلاف ما ضمّنه المُشرّعون في المجلس التأسيسي؛ يشهد مهد الربيع العربي منذ الثورة تردّيا غير مسبوق للوضع البيئي بحكم تراجع دور مُؤسسات الدّولة وحالة التسيب التي عرفتها إثر سُقوط نظام زين العابدين بن علي.

بحسب دراسة أعدّتها مُؤسسة «هاينريش بول» الألمانية المُختصة بالبيئة والتنمية المُستدامة في العالم، حلّت تونس في المرتبة 27 عالميًا والثالثة أفريقيًا في قائمة الدّول التي تُعاني من التلوّث البيئي. هذا الأمر أكّدته «مُنظمة الصحة العالمية» التابعة للأمم المُتحدة والتي أوردت تونس في قائمة الدول العشرة الأفريقية الأكثر مُعاناة لتلوّث الهواء.

وفي سياق مُتّصل؛ أظهر استطلاع للرأي حول الوضع البيئي أنجزته المؤسسة الألمانية أن ثمانية تونسيين من أصل 10 يرون أن الشأن البيئي يعنيهم جدًا أو يعنيهم إلى حد ما، فيما أكد سبعة تونسيين من أصل 10 رغبتهم في تغيير عادات استهلاكهم للطاقة لمصلحة الأجيال القادمة.

في ظل كل مخاطر البيئة حولنا.. طبقة الأوزون تتعافى!

قبضة الدولة تتراخى

كانت المجالس البلدية من بين المُؤسسات التي وقع حلها إبان الثورة في تونس باعتبار أن جُلّ من كانوا فيها هم من أنصار وأعضاء حزب ابن علي المُنحل. ومع عدم توفر الظروف الملائمة لإجراء انتخابات بلدية تفرز مجالس مُنتخبة تسهر على إدارة هذا المرفق الهام (البلديات)؛ تمت الاستعانة بما سُمّي نيابات خُصوصية يُعيّن فيها أشخاص مُتطوّعون بالتوافق بين المكونات الحزبية والجمعيات الناشطة في كل منطقة.

ومع استثناءات قليلة، لم تملأ النيابات الخصوصية الفراغ الموجود على المُستوى المحلي، ولم تفلح في حسن إدارة البلديات، في ظلّ أوضاعها المادية الصعبة وضعف الاعتمادات المتوفّرة لها، وخاصة في ظلّ نقص شرعيتها باعتبارها مُعينة، والذي يضيّق هامش فعلها ويحدّ من قدرتها على اتخاذ القرارات.

تزامن هذا الوضع مع ارتخاء قبضة الدولة بعد إسقاط النّظام واتساع دائرة الانفلاتات، فظهرت مكبات النفايات العشوائية وتراجعت نجاعة تدخل الأجهزة للمراقبة ومُعالجة النّقاط السوداء التي تضاعفت بشكل ملحوظ.

وكشفت دراسة حديثة أنجزتها وزارة الشؤون المحلية والبيئة أن حجم النفايات والفضلات المنزلية يبلغ في تونس العاصمة 3 مليون و250 ألف متر مكعب، لترتفع هذه الكمية إلى 5 مليون طن متر مكعب على مستوى كامل البلاد.

بمعدل 4 جرائم في الأسبوع.. لماذا تقتل العصابات والدول المدافعين عن البيئة؟

ويقدر المُعدل اليومي لإنتاج النفايات المنزلية بالوسط البلدي في تونس بحوالي 10600 طن، ترفع البلديات منها ما يُقدر بنحو 9 آلاف طن، أي بنسبة 85%، مما يعني تراكم 1600 طن يوميًا من النفايات المنزلية التي لا يتم رفعها من الطريق العام. مع الإشارة إلى أن بعض البلديات لا تتمكن من رفع سوى 25% من هذه الفضلات بسبب تواضع إمكانياتها المادية والبشرية، وأيضًا بسبب نقص مراكز التحويل ومصبات النفايات المُرخّصة.

وبالإضافة إلى النفايات المنزلية، تُساهم المُنشآت الصناعية بدور فعال في تدهور الوضع البيئي، سواء من خلال عدم الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة التي تحد من مخاطر الغازات المنبعثة منها في الهواء فتلوّثه، أو عبر عدم التزام بعضها بمعالجة المياه المُستعملة التي تُفرزها قبل الإلقاء بها في شبكات الصّرف الصحّي أو في الطبيعة أو الأودية والبحار والتي تتسبب في تلوث المياه السطحية والجوفية، وتؤثر على صحة الإنسان والحيوان والنسيج النباتي.

بحسب أرقام رسمية كشفت عنها الحكومة التونسية سنة 2016، بلغت كلفة التدهور البيئي في تونس 2.7% من الناتج الداخلي الخام، بعد أن كانت في حدود 2.1% سنة 2001. وتسبب تلوث الهواء لوحده في سنة 2015، وفق إحصائيات منظمة «State of «global air، في موت أكثر من 4 آلاف تونسي.

ارتفاع حجم الوعي بالقضية البيئية

ساهم هذا الوضع في خلق ديناميكية اجتماعية واعية بمخاطر التدهور البيئي وأضاف للتحركات الاحتجاجية التي ترفع شعارات التشغيل والتنمية والزيادة في الأجور، تحركات أخرى عنوانها الرئيسي بيئي بامتياز، الأمر الذي يعكس ارتفاع منسوب الوعي بالقضية البيئية في الشارع التونسي.

مُؤخرًا؛ نفّذ أهالي منطقتي الحامة ومنزل الحبيب بمحافظة قابس (جنوب شرق تونس) إضرابًا عامًا على خلفية اختيار مدينة منزل الحبيب لإنجاز المدينة الصناعية المندمجة التي ستأوي الوحدات الجديدة للمجمع الكيميائي التونسي. وتم تنظيم مسيرتين سلميتين شاركت فيهما المجالس البلدية والمنظمات الوطنية ونشطاء المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ورُفعت فيها شعارات رافضة لتركيز مصب «الفوسفوجيبس» بمنزل الحبيب، لاعتبارهم أن هذا المشروع سيكون مضرًا بساكني المنطقة وبإمكانياتها الفلاحية.

غير بعيد عن مُحافظة قابس؛ تشهد محافظة صفاقس حراكًا مُستمرًا من ساكنيها احتجاجًا على الوضع البيئي المتدهور الذي يسببه المعمل الكيميائي لتحويل الفسفاط والذي يُفرز غازات سامّة انعكست سلبًا على المدينة كلها، مُطالبين السلطات بنقله خارج المدينة.

وتشهد العديد من المُحافظات الأخرى تحرّكات مُماثلة طلبًا لوضع بيئي أفضل. ومع ارتفاع الضغط الشعبي، مضت الحكومات المُتعاقبة في اتخاذ تدابير مُوجّهة للتحسين من المُؤشرات البيئية ومُقاومة التلوث. فهل تعود تونس خضراء كما كانت؟

صورة من أحد التحركات الاحتجاجية المُطالبة بإغلاق المعمل الكيميائي بصفاقس – موقع بابنات تونس

البرباشة.. مهنة ضد الفقر والتلوث

متى تجوّلت فجرًا قبل بزوغ الشمس أو في جوف الليل عندما يعم السكون في المدن الكبرى خاصّة، ستلمحهم حتمًا ينظرون في صناديق القمامة باحثين عما يُمكن أن يودعوه بأكياسهم من مواد قابلة للانتقاء، بُغية بيعها لمراكز تدوير و«رسكلة» النفايات. إنهم «البرباشة» كما درج على تسميتهم التونسيون، وهم بلا ريب إحدى آليات مكافحة التلوّث الأكثر نجاعة وفعالية على الإطلاق.

يعمل جيش البرباشة على مسح أحياء المدن وفرز ما بحاويات القمامة بحثًا عن فضلات البلاستيك من قوارير وغيرها، أو علب الصودا وباقي الفضلات المعدنية، أو الورق المُقوّى والكرتون، كُلٌ حسب اختصاصه وكُلٌ حسب طلبات مراكز التجميع المُوجّهة للرسكلة. سواء كانوا على دراجات نارية أو عادية أو حتى على أقدامهم يدفعون عربات، شعارهم في الحياة واحد: «شاق ولا محتاج».

صورة لأحد الباحثين في القمامة عما يمكن بيعه – المصدر: «دوتشي فيله»

ورغم ارتفاع أعداد البرباشة في تونس، إذ تشير إحصائيات رسمية إلى أن عددهم يناهز 8 آلاف شخص، وأنهم يساهمون بنسبة 60% من أنشطة «رسكلة» النفايات في تونس، إلا أن ظروف عملهم تبقى صعبة ودون أدنى حماية، رغم ظهور بعض الجمعيات التي تريد هيكلة القطاع نظرًا للخدمات التي يُقدّمونها، فهم ليسوا مُجرّد فُقراء دفعتهم الحاجة للبحث عن لقمة العيش في القمامة، هم إحدى آليات مُقاومة التلوّث في البلاد.

«النفايات» كنز يلهث العالم وراءه من دون العرب

«الشرطة البيئية» تبدأ عملها

من بين الإجراءات التي أقرتها الحكومة التونسية لمقاومة التلوّث بعث جهاز جديد وهو «الشرطة البيئية» والذي انطلق رسميًّا في العمل يوم 13 يونيو (حزيران) 2017 ليغطي في البداية 74 بلدیة (34 بلدیة في تونس الكبرى و20 بلدیة مقر الولایات و20 بلدیة سیاحیة)، بنحو 299 عون و105 سیارة مجهزة بتطبیق معلوماتي مرتبط بالبلدیات وموضوعة على ذمة المواطن.

ورغم الجدل المرافق لإطلاق جهاز «الشرطة البيئية» وارتفاع تكاليف هذا المشروع إلاّ أنّها لاقت قبل شروعها في رفع المخالفات وتنفيذ مهامها استحسانًا وقبولًا من المواطنين الذين ضاقوا ذرعًا بظاهرة التلوّث وانتشار الفضلات في الفضاء العامّ.

صورة لفريق يتبع جهاز الشرطة البيئية – المصدر : الصفحة الرسمية للشرطة البيئية على فيسبوك

ويتمثّل دور الجهاز الجديد في ردع كلّ مخالفي تراتيب الصحّة والنظافة العامّة، والتوعية والتحسيس بالآليات اللازمة للحدّ من ظاهرة التلوّث وانتشار الفضلات في مختلف البلديات. وكان البرلمان التونسي قد صادق سنة 2016 على قانون تم بموجبه اعتبار العديد من المُخالفات المضرة بالبيئة جُنحًا تستوجب غرامات تتراوح من 300 دينار إلى ألف دينار.

مشاريع للطاقة النظيفة

تمثل الطاقة المتجددة نسبة 3% من مجمل الطاقة المنتجة في تونس حسب إحصائيات سنة 2016 و تطمح إلى رفعها لنسبة 30% بحلول سنة 2030. وتهدف تونس، على المدى البعيد، وفي إطار التزاماتها الدوليّة من أجل المناخ، إلى وضع أسس «اقتصاد أخضر» في أفق 2050.

وتشهد التكنولوجيات المعتمدة في مجال الطاقة الشمسية انخفاضًا في كلفتها بنسبة 80% منذ 2009 وبالإمكان أن يستمر هذا التراجع بنسبة 59% في أفق سنة 2025 مما يجعل من هذه التكنولوجيات الأقل كلفة لتوليد الطاقة حسب «الوكالة الدولية للطاقات المتجددة».

ومن المنتظر أن تستفيد تونس من هذا المنحى التنازلي للأسعار والاستثمار أكثر في مشاريع توليد الطاقة الشمسية الفوتوضوئية وبالتالي التقليص من عجزها الطاقي، الذّي صار عجزًا هيكليًا يثقل ميزانية الدولة، إذ ارتفعت قيمته خلال الربع الأول من 2018 بحوالي 199 مليون دينار (80.4 مليون دولار)، ليصل إلى حوالي 1.3 مليار دينار ( ما يعادل 530 مليون دولار) حسب معطيات البنك المركزي التونسي.

محطة لانتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية

وكانت تونس قد أسندت تصاريح لإنجاز 10 محطّات لتوليد الطّاقة من الطّاقات المتجدّدة (منها أربعة محطات بطاقة 1 ميجاوات وستة بطاقة 10 ميجاوات) وتم توقيع عقود الشراء مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز، مع طلبي عروض لاختيار مبدئي للمستثمرين الذين يمكنهم، في إطار زمني إنجاز ثمانية محطّات أخرى لتوليد الطاقة باعتماد الطاقات البديلة بطاقة جمليّة تقدّر بألف ميجاوات.

وتم توجيه طلب العروض الأوّل إلى باعثي محطّات الطّاقة الشمسيّة (خمسة محطات) بطاقة إجمالية تقدّر بـ500 ميجاوات فيما تعلّق طلب العروض الثاني بإنجاز محطّات لتوليد الطاقة باعتماد طاقة الرّياح بطاقة 500 ميجاوات.

هل تؤتي تلك الإجراءات أُكلها؟

ومن بين الإجراءات الأخرى التي اتخذتها السلطات التونسية للحد من التلوث البيئي، قرار سحب الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد من كافة نقاط الاستخلاص في أسواق العلامات التجارية الكبرى منذ بداية مارس (آذار) 2017 مُقابل توفير أكياس إيكولوجية ذات استعمال متعدد. والتحقت الصيدليات بالمساحات التجارية الكبرى في السنة الموالية واستبدلت الأكياس البلاستيكية المُعدّة لحفظ الدّواء بأخرى ورقية صديقة للبيئة.

ومع إجراء الانتخابات البلدية في شهر مايو (أيار) الماضي، ارتفع حجم الانتظارات من المجالس البلدية المنتخبة لتعالج المشاكل البيئية في مختلف المناطق العمرانية بحكم قربها منها. ورغم التحسن الطفيف الذي شهدته بعض المناطق، ما تزال شكاوى المواطنين تراوح مكانها في مناطق أخرى.

تجدر الإشارة إلى أن عدد الجمعيات البيئية في تونس يبلغ 450 جمعية، وتتمحور أنشطتها في الحملات التوعوية وتنظيم حملات النّظافة لمُؤازرة مجهود السلطات الرسمية. ورغم هذا العدد المُرتفع نسبيًا، لا ينظُر التونسيون بعين الرضا لوضعهم البيئي بعد، وقد يحتاج الأمر سنوات كثيرة قبل أن يكسبوا رهان البيئة والحرب على التلوّث، خاصّة إذا ما علمنا أن الاعتمادات المرصودة لوزارة البيئة والتنمية المحلية في ميزانية سنة 2019 ستكون في حدود مليار دينار، أي (1/40) من إجمالي ميزانية البلاد.

تونس الأكثر عدلًا بين العرب.. أين تقع بلدك في مؤشر العدالة الاجتماعية 2018؟

المصادر

تحميل المزيد