مع اشتعال الأوضاع الاقتصادية التركية تعالت الأصوات مؤخرًا بنصح أنقرة باللجوء إلى صندوق النقد الدولي لحل مشاكلها الاقتصادية، وما بين نفي تركيا نيتها الاتجاه للصندوق ونفي النقد الدولي وجود أي محادثات حول قرض تركي، يجب أن نسأل هل من الممكن أن يستفيد الاقتصادي التركي من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الآن؟

التعامل مع الصندوق أمر غاية في الحساسية والآراء حوله شديدة التباين، فالبعض يرى أن الصندوق هو الجحيم والبعض الآخر يرى أننا من الممكن أن نستفيد من التسهيلات الائتمانية التي يقدمها دون ضرر، لذلك نجد تجارب نجحت مع الصندوق وتجارب فشلت وتدهورت أوضاعها أكثر بعد اللجوء للنقد الدولي، وبين هذا وذاك  يعتمد قرض الصندوق  في النهاية على برنامج حكومي تقدمه الدولة للحصول على دعم، ويمكن القول أن نجاح أو فشل التجربة مرتبط بهذا البرنامج وقدرة الدولة على التفاوض حوله.

Embed from Getty Images

على كلٍ وفي حال افترضنا حكمة الحكومة التركية في التعامل مع الصندوق وقدرتها على صياغة برنامج قوي يخدم مصالحها، فإن هناك عدة فوائد قد تجنيها تركيا إذ قررت أن تلجأ الآن إلى صندوق النقد الدول، وسنحاول استعراض أهمها خلال السطور القادمة.

الثقة في الاقتصاد التركي الأدنى منذ 2009

دائمًا ما يقال إن موافقة صندوق النقد الدولي على أي قرض لأي دولة بمثابة شهادة ثقة في اقتصاد هذه الدولة، إذ إن الجانب المعنوي -من حيث التفاؤل بمستقبل الاقتصاد- هو الشق الأهم في قروض النقد الدولي، وغالبًا لا يقدم الصندوق قروضًا تغطي الفجوة التمويلية التي تعاني منها الدولة، ولكن يعتمد بشكل كبير على بث روح التفاؤل بين المستثمرين في اقتصاد هذه الدولة، ويمكن القول إن هذا الأمر بالتحديد هو الذي تحتاجه تركيا حاليًا.

ففي 29 أغسطس (آب) الماضي، قال معهد الإحصاءات التركي إن مؤشر الثقة الاقتصادية التركي تراجع 9% عن الشهر السابق ليسجل 83.9 نقطة في أغسطس، وهو أدنى مستوى له منذ مارس (آذار) 2009، ويكشف المؤشر عن أن هناك نظرة اقتصادية متفائلة عندما يتجاوز المائة نقطة، ومتشائمة عندما يكون دونها.

ويعتبر المستثمرون موافقة النقد الدولي على القرض خبرًا إيجابيًا، وهو الأمر الذي سيحد من المضاربة على الليرة التي فقدت نحو 40% من قيمتها مؤخرًا، وهذه الثقة أو التفاؤل الناتج عن خوض تركيا لتجربة جديدة مع صندوق النقد يمكن اعتبارها أهم الفوائد من اتجاه تركيا إلى الصندوق في حال حدث بالطبع.

Embed from Getty Images

وما يعزز من فكرة أن لجوء تركيا لصندوق النقد الدولي الآن سيكون مفيدًا معنويًا للاقتصاد، هو أنه بالرجوع إلى التجربة السابقة لتركيا مع الصندوق نجد أنها في عام 2002، عندما اقترضت من الصندوق كانت الأوضاع الاقتصادية متأزمة كثيرًا مقارنة بالوضع الحالي ومع ذلك نجحت تركيا في الاستفادة من التجربة، ففي تلك الفترة كان هناك انخفاض كبير بمعدل النمو وزيادة في نسب التضخم وتفاقم في عجز الموازنة، بالإضافة إلى تراجع أداء القطاعات الاقتصادية والاستثمارات، وهبوط الاحتياطي الأجنبي.

أما الآن وعلى العكس تمامًا فالنمو التركي منتعش ونسب البطالة مستقرة ولا يوجد تقريبًا أي مشكلة في هذه المؤشرات، كما أن أهم الإصلاحات التي يطلبها الصندوق من تحرير سعر صرف العملة المحلية «الليرة»  قد حدثت بالفعل.

النقد الدولي قد ينهي حرب وكالات التصنيف مع تركيا

غالبًا ما تتناسق توجهات صندوق النقد الدولي مع تصنيفات مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، وفي الواقع شهدت السنوات الماضية صراعات كبيرة بين تركيا ومؤسسات التصنيف الائتمانية، وربما يكون اللجوء للنقد الدولي أسهل الطرق لوقف هذه الصراعات.

ويرى وزير المالية التركي، بيرات ألبيرق، إن وكالات التصنيف الائتماني الدولية تبذل جهودًا حثيثة لإيجاد رأي متشائم بشأن بنوك تركيا، وذلك في آخر حلقات مسلسل الصراع التركي مع هذه المؤسسات، والذي بدأ خلال السنوات القليلة الماضية إذ سبق أن اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني في 29 سبتمبر (أيلول) 2016 أنها تعمل وفق دوافع سياسية، وذلك بعد أن خفضت الوكالة تصنيف تركيا إلى «عالي المخاطر».

وفي 31 أغسطس الماضي وصف أردوغان وكالات التصنيف الائتماني بأنهم «دجالون ومبتزون»، كما حث الأتراك على عدم الاكتراث لتقييمات تلك الوكالات، ولكن في حال فرضنا أن تركيا لجأت إلى النقد الدولي فإنه يمكن أن تتجنب هذا الصراع الذي يؤثر كثيرًا على الاستثمارات في تركيا ويصنع حالة كبيرة من التشاؤم تكلف اقتصاد البلاد كثيرًا.

تجنب أزمات الأجل القصير

أكبر الأزمات الاقتصادية هي تلك التي تكون ذات أجل قصير، فعلاج مثل هذه الأزمات يكون صعبًا وانفجار الأزمة تكون نتائجه كارثية، وبحسب تقديرات «جيه.بي مورجان» فإن أزمة الديون التركية الحالية هي أزمة قصيرة الأجل وتحتاج إلى حل سريع، وقد يكون النقد الدولي هو المخرج لهذه الأزمة.

Embed from Getty Images

إذ كشف البنك في تقرير حديث صدر في 29 أغسطس الماضي عن أن حجم الدين الخارجي التركي الذي يحل أجل استحقاقه في سنة حتى يوليو (تموز) 2019، وصل إلى 179 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي للبلاد.

وكشف التقرير عن أن معظم الديون، مستحقة على القطاع الخاص، وخاصة البنوك، بينما المستحق على الحكومة فقط 4.3 مليار دولار فقط، ويمكن لتدخل صندوق النقد الدولي في هذه الوقت أن يحد من شدة هذه الأزمة، إذ إن الصندوق سيتوصل إلى حل واضح بشأن السياسة النقدية التي تتزايد مخاوف المستثمرين حولها بسبب التدخل السياسي في عمل البنك المركزي التركي.

وفي حال لجأت تركيا إلى الصندوق فإن مخاوف انهيار العملة قد تختفي، وهو ما يضيف مزيدًا من الاستقرار للشركات والبنوك التي قد تواجه صعوبات في سداد ديونها بالعملة الصعبة، خاصة أن الشركات التركية تمتلك أصولًا خارجية تكفي لسداد ديونها، لكن الأزمة تكمن في التوترات الحالية التي من الممكن أن تختفي في حال عودة الثقة من جانب المؤسسات المالية العالمية بقيادة النقد الدولي.

لماذا يعارض البعض فكرة اللجوء التركي للصندوق؟

لكن على الجانب الآخر لنلق نظرة سريعة على معارضي فكرة اللجوء التركي للصندوق، ومن أبرزهم الدكتور أحمد ذكر الله، عميد كلية الاقتصاد والتمويل بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، إذ لا يحبذ ولا يشجع التوجه نحو الصندوق، الذي يعتبره أحد أدوات الرأسمالية العالمية للهيمنة وتكريس التبعية، وإملاء الشروط وقد يصل الحد إلى التحكم الكامل في المستقبل، على حد تعبيره.

Embed from Getty Images

وجهة نظر ذكرالله -وهي التي يتبناها الكثيرون أيضًا-، تتلخص في أن لجوء تركيا على وجه الخصوص لصندوق النقد الدولي سيهز كثيرًا من صورة الدولة السياسية، بالإضافة إلى أن الصندوق سيبالغ في شروطه على الدولة التركية لمزيد من التنكيل السياسي خاصة أن مقر الصندوق بأمريكا صاحبة الخلاف السياسي والاقتصادي الحالي مع تركيا.

لكن يعود ذكر الله خلال حديثة لـ«ساسة بوست» لاستحضار التجربة التركية السابقة مع الصندوق والتي كانت ناجحة، برأيه، موضحًا أن اللجوء إلى النقد الدولي يتطلب مجموعة من العوامل لنجاحه على رأسها إعداد خطة واضحة تحقق مصالح الدولة وبناء أسلوب تفاوضي يحقق تلك المصالح، مشددًا على أن اللجوء للصندوق يعتبره الكثيرون شهادة ضمان وثقة للمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب في اقتصاد الدولة المقترضة ومدي قدرتها على الصمود والسداد.

ويقول ذكر الله أن شهادات المراجعات الدورية التي يقوم بها الصندوق تلفت الأنظار بشدة إلى الاقتصاد محل الاهتمام، خاصة إذا كانت إيجابية وأظهرت تقدمًا لافتًا في بعض المؤشرات، لكنه يعود ويكرر أن الحالة التركية لا تحتاج إلى اللجوء للصندوق، موضحًا أن اقتصاد تركيا إنتاجي حقيقي وليس ريعيًّا وقادر على المنافسة في الأسواق الدولية، وتعرضه لبعض الكبوات أثناء الصعود أمر طبيعي لدولة تحاول كسر قيود التبعية، على حد تعبيره.

المصادر

s