قرّرت الولايات المتّحدة سحب بعض أنظمة الدفاع الصاروخي «باتريوت» من الكويت والبحرين والأردن؛ للتركيز على التهديدات التي تطرحها كلّ من روسيا والصين، حسبما وصف المسئولون الأمريكيون، وسط تفسيرات متباينة لهذه الخطوة التى أقدمت عليها الإدارة الأمريكية.

وتزامنت هذه الخطوة مع ما أعلنت عنه واشنطن من مساعيها لتشكيل «حلف ناتو» يضُمّ السعودية والإمارات والكويت وقطر وسلطنة عمان والبحرين. أعقب قرار سحب الأنظمة الدفاعية تهديدٌ مباشر من جانب الرئيس الأمريكي ترامب أمام جموع من ناخبيه لملك السعودية، حين قال عنه: «لن تبقى في السلطة أسبوعين دون دعم الولايات المتحدة. يجب أن تدفع تكاليف جيشك».

 

يحاول التقرير التالي التعرف إلى مآلات هذه الخطوة التى أعلنت عنها وزارة الدفاع الأمريكية، وهل يمكن اعتبارها مناورة من طرف الأمريكيين أو وسيلة ابتزاز، أم أنها خطوة فعلية نحو الانسحاب عسكريًّا من الشرق الأوسط؟

 

لماذا سحبت واشنطن أنظمتها الدفاعية من ثلاث دول عربية؟

يزيد الغموض حول مآلات قرار واشنطن بسحب أربعة أنظمة دفاعية من الشرق الأوسط: اثنين من الكويت، وواحد من كل من الأردن والبحرين، في ظل عدم كشف ماهية هذه الأنظمة الدفاعية، ومواقع تمركزها، خصوصًا فى ظل وجود وجود قواعد عسكريّة في مناطق أخرى موازية لهذه الأنظمة، وعما إذا كان هذا القرار له علاقة بتزويد هذه الدول بأنظمة أحدث من تلك أم لا، وكذلك حول إذا ما جاءت هذه الخطوة لتعزيز نظم دفاعاتها في أماكن أخرى في هذه الدول.

Embed from Getty Images

 

التفسير الرسمي الأمريكي نقلته وكالات أنباء عالمية عن مصادر عسكرية اعتبرت أن القرار يهدف إلى «إعادة التوازن بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط»، بينما لم يصدر بيان رسمي توضيحي لهذه الخطوة.

 

وتظل احتمالية صحة ربط هذا القرار بانسحاب فعلي لواشنطن من منطقة الخليج ضعيفة أمام وقائع أكثر دلالة على كون هذه الخطوة لا تعدو سوى وسيلة جديدة من جانب ترامب لابتزاز دول الخليج، عبر وضعها تحت التهديد بشكل دائم لدفع مزيد من الأموال مقابل هذه الحماية التى تستفيد منها واشنطن عسكريًا فى المقام الأول.

 

أولى هذه الوقائع هي شروع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتزامن مع تسريب هذا الخبر لوسائل الإعلام الأمريكية والدولية في الكشف عن إنشاء تحالف أمني من ست دول خليجية، إضافة لمصر والأردن، ويُعرف هذا التحالف بشكل غير رسمي باسم «الناتو العربي»، كما يحمل أيضا أسماء مثل: «ميسا»، و«تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي».

 

وتستدعي هذه الخطوة إنشاء درع دفاع صاروخية في المنطقة؛ ما يؤشر لمزيد من الوجود الأمريكي في المنطقة على خلاف مضمون الخبر الذي يتحدث عن انسحاب للأنظمة الدفاعية.

يُعزز هذه الفرضية التجاوب الخليجي مع القرار دون انزعاج أو أصداء لقلق من مآلاته؛ إذ وصف البيان الصادر من رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي هذا القرار بأنه «إجراء داخلي روتيني يخضع لتقدير القوات الأمريكية وبالتنسيق مع الجيش الكويتي»، بينما لم يصدر بعد تعليق من جانب الأردن أو البحرين على هذه الخطوة.

 

وأوضحت رئاسة الأركان الكويتية أن «ما سيتم سحبه مخصص لتأمين الحماية للقوات الأمريكية، وأن منظومة الباتريوت الكويتية، وبشكل مستقل، تؤمن الحماية والتغطية الكاملة للحدود الجغرافية لدولة الكويت».

يتناقض مضمون هذا القرار كذلك مع ما ذكره ترامب في الأمم المتحدة حول حتمية مواجهة التدخلات الإيرانية، والدفع نحو خيار التصعيد العسكري؛ وهي المسألة التي تتطلّب تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية لنظم دفاعها في الخليج، وليس العكس.

 

ولعلّ التفسير الأكثر منطقيّة لقرار واشنطن بسحب أنظمتها الدفاعية باعتبارها «مُناورة» جديدة ووسيلة ابتزاز لدول الخليج في ظل شواهد الدالة على عدم فاعلية هذه الأنظمة، والرغبة الأمريكية التي تتجسد في تشكيل حلف عسكري على شاكلة «الناتو» بقيادتها من أجل توسيع نفوذها العسكري داخل منطقة الخليج.

 

وتُشكل النظم الدفاعية الحلقة الأضعف في الوجود الأمريكي في الدول الثلاث؛ إذ يوجد في الكويت معسكر أمريكي يتمركز به 10 آلاف جندي أمريكي، بما فيهم القيادة المركزية لقوات الجيش الأمريكي – الكويتي وقوة المهام المشتركة، ويتمركز بها أفراد الفرقة الثالثة الأمريكية (مشاة)، فضلًا عن معسكرات تتبع القاعدة، كما يوجد في دولة البحرين قاعدة بحرية يتخذها الأسطول الخامس الأمريكيّ مركزًا دائمًا له.

 

معسكرات الحرب الدائمة.. هذه أهم وأبرز القواعد العسكرية في 2017

 

هل توجد خطط مستقبلية لسحب القوّات الأمريكيّة في الخليج؟

لا يبدو خيار سحب القوّات الأمريكية في الخليج أمرًا مطروحًا على المدى القريب؛ في ظل تحوّل المنطقة مؤخّرًا إلى واجهة للصراع على النفوذ بين أمريكا ذات الوجود الأكثر فاعلية والمنافسة مع روسيا وإيران اللتيْن تحاولان على استحياء تشكيل قدر من الحضور العسكري في المنطقة، وسط رغبة أمريكية من الإدارة الحالية في ترسيخ وجودها عبر مواجهة الحلف الروسي الصيني مع إيران.

Embed from Getty Images

قاعدة العديد الجويّة الأمريكية في قطر

 

هذه الرغبة الحالية تتناقض مع التصوّر الذي صاغته الإدارة الأمريكية السابقة منذ عام 2010 لتقليل أعداد مقاتليها في الدول الخليجية، مع بقاء قواعدها العسكرية وتزويد هذه الدول بأنظمة دفاعية متطورة؛ لينخفض إجمالي أفراد الجيش الأمريكي في الخليج العربي من 230 ألف ليصل إلى 50 ألف أو أقل فى المرحلة الحالية.

 

كان القرار الأمريكي مدفوعًا آنذاك باستراتيجية الرئيس السابق باراك أوباما بتقليص أهداف واشنطن الإقليمية، وتجنب المواجهة مع إيران عبر تسوية نتج عنها الاتفاق النووي الإيراني دون النظر لاعتبارات الدول الخليجية الرافضة له، فضلًا عن اقتصار الدعم الأمريكي لدول الخليج على الدعم اللوجيستي والاستخباراتي، بما يضمن تخفيف الحضور الأمريكي في الخليج مع توفير قدر من الاستقرار السياسي وضمان التدفق الحر للنفط إلى الأسواق.

 

أحد المؤشرات الدالة على استبعاد فرضية استمرار سحب القوات الأمريكية من الخليج، هو وضع حجر أساس مشروع توسعة قاعدة العديد الجوية فى قطر بتكلفة 1.8 مليار دولار، وذلك في يوليو (تموز) العام الجاري، وتدشين قاعدتين بحريتين كبيرتين على أعلى مستوى جنبًا إلى قاعدة «العديد».

 

الشروع نحو هذا التوسع العسكري الأمريكي فى الخليج وقطر تحديدًا كان مؤشرًا قويًا على أن حديث ترامب فى بداية النزاع الخليجي حول سحب الوجود الأمريكي لا يعدو كونه استهلاكًا إعلاميًا، وأن إشاراته الدائمة للوجود العسكري الأمريكي في الخليج ما هي إلا وسيلة ابتزاز من أجل استصدار أموال أكثر هذه البلدان.

كما عززت أمريكا من وجودها داخل السعودية عبر إرسال فريق من القوات الخاصة الأمريكية إلى الحدود السعودية اليمنية، في مايو (أيار) 2018، للحدود السعودية اليمنية لمساعدة الرياض في تحديد مواقع الصواريخ الباليستية وتدمير مخابئها، ومواقع إطلاقها التي يستخدمها المتمردون الحوثيون في اليمن لمهاجمة الرياض والمدن السعودية الأخرى، وهو مظهر جديد للنفوذ الأمريكي داخل المملكة.

 

كما يشكل النفوذ الإيراني كذلك حافزًا قويًا لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي؛ إذ ترى واشنطن تحت رئاسة ترامب في المواجهة مع إيران خيارها الأوحد دون اعتبارات لتسويات مثل ما انتهجته إدارة أوباما؛ ما يستدعي من الإدارة الأمريكية تكثيف نفوذها العسكري والسياسي في الخليج، عكس الإدارة السابقة التي سعت لوضع ضمانات لأمن الخليج مع مد جسور التواصل مع إيران، تكللت بتوقيع الاتفاق النووي وتسوية للأزمة مع إيران دون النظر للقلق الخليجي.

 

الرغبة الأمريكية فى الإبقاء على حضورها العسكريّ يعززه كذلك حالة التنافس مع خصومها السياسيين كروسيا وإيران وتركيا على منطقة الخليج مؤخرًا، بعد أن كانت هذه المنطقة ملعبًا لواشنطن وحدها؛ إذ نجحت روسيا فى ترسيخ وجودها في هذه المنطقة عبر إنشاء قواعد عسكرية لها في الداخل السوريّ بعد تدخّلها في الحرب هناك، وهي قاعدة طرطوس البحرية واللاذقية ومطار حماة، والشروع في تأسيس قاعدة جديدة بمدينة خربة رأس الوعر، والتي تبعد 50 كيلومترًا عن العاصمة السورية، فضلًا عن التواجد الإيراني كذلك في سوريا، سواء من خلال قوات أو قواعد عسكرية كما تتحدث بعض المصادر الإيرانية.

كما يُشكّل الوجود التركي الآخذ في التمدد بمنطقة الخليج عاملًا مؤثرًا على حتمية التواجد الأمريكي؛ إذ نجحت تركيا في تأسيس قاعدة عسكرية لها في قطر.

 

 

معسكرات الحرب الدائمة.. هذه أهم وأبرز القواعد العسكرية في 2017

المال مقابل الحماية.. ترامب لا يريد تواجدًا عسكريًّا في الخليج «مجّانًا»

 

لا يمكن أخذ تصريحات الرئيس ترامب التي تتناول الشأن الخليجي بمحمل الجديّة، أو تفسيرها سوى برغبته في استثمار الوجود الأمريكي في منطقة الخليج بجلب مزيد من الأموال من هذه الدول، وابتزازهم بطرق غير مباشرة لوضعهم تحت التهديد الدائم، وخلق شعور بالقلق الدائم.

Embed from Getty Images

ترامب مع ابن سلمان في البيت الأبيض

 

وكثيرًا ما يذكّر ترامب قادة الخليج بأنهم باقون بفضل الحماية الأمريكيّة، مُطالبا إياهم بدفع الأموال، والتي كان آخر هذه التصريحات ما قاله لملك السعودية عن أنه «لن يظل باقيًا في منصبه لأسبوعين دون الحماية الأمريكية».

«دفعنا 7 تريليونات دولار خلال 18 عامًا في الشرق الأوسط، وعلى الدول الثرية الدفع مقابل ذلك». كانت هذه واحدة من تصريحات ترامب في أبريل (نيسان)، خلال مؤتمر صحافي جمعه بنظيره الفرنسي، وأكمل: «هناك دول لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا. عليها دفع ثمنٍ لذلك».

 

يحوّل ترامب خُططه القديمة حول رهن الوجود الأمريكي في الخليج بدفع أنظمته مزيدًا من الأموال إلى سياسة واقعية؛ وذلك على الرغم من الاستفادة الكبرى لواشنطن من هذا الوجود في تعزيز نفوذها السياسي والمالي داخل هذه المنطقة. وتبدو القرارات من جانب الإدارة الأمريكية انعكاسًا لعقلية ترامب التجارية التي يُريد أن يبيع فيها سياسته الخارجية بمقابل من المال، وهو أمر من صميم خطته منذ عقود قبل انتخابه رئيسًا لأمريكا.

ففي حوار أجرته معه المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري سنة 1988 يقول ترامب: «سأجعل حلفاءنا يدفعون ما عليهم من حصص، إنهم يعيشون كالملوك. أفقر شخص في الكويت يعيش كالملوك، ومع ذلك لا يدفعون. نحن نوفر لهم إمكانية بيع نفطهم، فلماذا لا يدفعون لنا 25% مما يجنونه؟».

وفي 2015 أعلن ترامب خلال المنافسة الانتخابية: «لولانا لما وجدت السعودية، وما كان لها أن تبقى»، وأضاف: «الآن لا يستطيع أحد إزعاج السعودية لأننا نرعاها، وهم لا يدفعون لنا ثمنًا عادلًا. إننا نخسر كل شيء».

آخرها في الصومال.. القواعد العسكرية التركية تتمدد في الدول العربية

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!