كانت الصين أشد الدول حرصًا على إنجاح مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، وظهر ذلك من خلال المُقترحات التي تضمنت إطارًا تفاوضيًّا يقوم على التنازل المتبادل خطوة بخطوة لإنجاحه.

لكن هذه المساعي والمُقترحات لم تكن فقط للوزن السياسي للصين فحسب، بل لكون بكين ستكون الأكثر استفادة من إنجاز الاتفاق سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي ولن يترك أي تداعيات سلبية واضحة عليها.

خلال السطور التالية، تشرح “ساسة بوست” لماذا تُعتبر الصين أبرز اللاعبين والمستفيدين من تسوية ملف إيران النووي سلميًّا، وكيف ستسهم الاتفاقية في تحسين علاقتها بطهران وإنجاح مشروعها “طريق الحرير” لتعزيز التعاون الاقتصادي بين شرق آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط.

الصين .. أحد أبرز الداعمين لإيران عسكريًّا وتجاريًّا

برزت العلاقات العسكرية بين إيران والصين، مع تدهور علاقات إيران مع الولايات المُتحدة الأمريكية خلال سنوات الحرب الثمانية مع العراق، ورفض القوى الغربية تزويد طهران بالسلاح. حيث قدمت الصين في كثير من الأحيان المبيعات العسكرية إليها بصورة غير مباشرة من خلال طرف ثالث عبر دول مثل كوريا الشمالية. ولم يتوقف الأمر عند حد تزويدها بالأسلحة الصغيرة فحسب؛ بل زودتها كذلك بالصواريخ البالستية وصواريخ كروز، ما يجوز معه الادعاء بأن الصين كان لها دور حاسم في انطلاق المؤسسة العسكرية لإيران.

كذلك امتدت جهود الصين في تأسيس القدرات النووية الإيرانية، حيث تمحورت هذه الجهود في الدعم المادي المباشر مع البدء في البرنامج النووي الإيراني، والدعم الدبلوماسي المُتمثل في سعيها الدؤوب، بصحبة روسيا، لعرقلة قرارات مجلس الأمن، وإضعاف تأثير العقوبات.

كذللك تُعد إيران سوقًا كبيرًا لتصريف المنتجات الصينية اللازمة لإدامة معدلات التنمية المرتفعة التي تشكل الأساس لنموذجها الاقتصادي الحالي، بجانب تولي الصين التعاون لتنفيذ ما لا يقل عن 100 مشروع خاص بتطوير شبكات السكك الحديدية والأنفاق في جميع أنحاء إيران.

كيف توثقت العلاقات بين الجانبين خلال فترة المفاوضات؟

حرصت الصين طوال المفاوضات النووية على الحفاظ على روابط وثيقة مع إيران من داخل مجموعة 5 + 1، وذلك بهدف تجنيب البلد آثار قرارات فرض العقوبات. حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين وإيران من ثلاثة مليارات دولار في عام 2001 إلى ما يزيد على 50 مليار دولار في عام 2014، كما ارتفعت واردات النفط الصينية من إيران في عامي 2014 و2015 إلى أعلى مستويات لها على الإطلاق، وذلك بعد تراجعها مؤقتًا في 2012 و 2013.

كما عملت الصين على إعادة تزويد مقاتلات نفاثة صينية بالوقود في إيران في عام 2010، وقيام السفن الحربية الصينية بزيارة إلى ميناء بندر عباس الإيراني في عام 2014، وذلك في سابقتيْن تعد كل منهما هي الأولى من نوعها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ساندت الصين، على الأقل بشكل غير مباشر، أجندة إيران الإقليمية باستخدامها حق النقض ضد العديد من قرارات مجلس الأمن الأممي بشأن سوريا.

كما عملت الصين على ملء الفراغ الذي خلفه رحيل الشركات الكبرى بعد الضغوط التي مورست من قبل الولايات المتحدة على العديد من البلدان الآسيوية والأوروبية للتخلي عن استثماراتها في إيران، حيث كانت الصين أهم لاعب أجنبي في عملية التنقيب والاستخراج خلال السنوات الفائتة من خلال الموافقة على تطوير العديد من الحقول، وعلى رأسها حقلا النفط العملاقان أزاديجان ويادوران، بالإضافة إلى حقل غاز بارس الجنوبي العملاق.

كيف ستُعظم الصين من مكاسبها بعد الاتفاق النووي الإيراني؟

 

ستساعد الاتفاقية النووية المبرمة حديثًا، على التوسيع بين البلدين بلا قيود عليهما، حيث من المتوقع أن تزداد نسبة واردات الصين النفطية التي تأتي من إيران، كما سيتضاعف حجم الاستثمارات الصينية في الأنشطة السابقة للإنتاج في قطاع النفط الإيراني لتعزيز أمن الطاقة الصيني، ورفع حجم التبادل التجاري بين البلدين لا سيما مع وجود طموح برفعه إلى حدود 200 مليار دولار بحلول عام 2024، أي بفارق 164 مليار عن حجم التبادل التجاري الحالي بين البلدين.

يؤكد هذه الحقائق تأكيد الرئيس الصيني على أن إيران هي البلد الوحيد الذي سيسمح موقعه لخطوط الأنابيب الصينية البرية بالوصول إلى الخليج العربي الغني بالنفط، وبالتالي تقليل المخاطر التي تتعرض لها بكين نتيجة لأخطار تعطيل نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيقَيْ هرمز وملقة.

بالنسبة للرئيس الصيني، شي جين بينغ، لم تكن الاتفاقية الإيرانية لتأتي في وقت أفضل من هذا؛ حيث تتصور مبادرته التي تحمل عنوان “حزام واحد وطريق واحد” إنشاء سلسلة من حلقات الربط في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والملاحة البحرية تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وموقع إيران في ملتقى الطرق بين هذه المناطق يجعل مشاركتها في المبادرة مهمة لبكين.

وفقًا لنائب الرئيس الإيراني، ورئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية علي أكبر صالحي، من المتوقع أن تقوم الصين ببناء مفاعلين من أصل 4 مفاعلات نووية جديدة سيتم إنشاؤها في إيران خلال السنتين إلى الثلاث سنوات القادمة.

التخفيف من التوتر بين الصين وأمريكا

قبل الاتفاق، كانت الصين – مثل غيرها من الدول – تحاول أن تجاري العقوبات المفروضة على إيران، بشكل يشوبه بعض الحذر والقلق من رد عكسي من الجانب الأمريكي، الذي كان يعترض على بعض التوازنات الحاصلة بين الجانبين، وساهم في زيادة عوامل التوتر بين البلدين في عدد من القضايا المُشتركة.

لكن مع توقيع الاتفاقية بتوافق الصين وأمريكا على بنودها، فسيُسهم ذلك بالتأكيد في إزالة عامل من عوامل التوتر بين واشنطن وبكين وربما يفتح بابًا من أبواب التعاون كما هو الشأن في ملف مفاعل أراك.

طريق الحرير الجديد .. إيران الشريك المُحتمل

يُعد موقع إيران الجغرافي على طريق الحرير القديم عاملًا حاسمًا لاختيار إيران شريكًا في هذه المبادرة “طريق الحرير الجديد الصينية” والتي تختصر بمدلول (حزام واحد، طريق واحد)؛ لتعزيز التعاون الاقتصادي بين منطقة شرق آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط من خلال إنشاء سلسلة من حلقات الربط في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والملاحة البحرية تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد