كان لخبر انفصال نيلسون وويني مانديلا وقعٌ شديد أشبه بالصاعقة في العالم أجمع، ليس فقط في جنوب أفريقيا، التي كانت تمر بأهم مخاضٍ في تاريخها الحديث للتحرر من أحد أسوأ أنظمة التمييز العنصري في القرن العشرين.

كانت جنوب أفريقيا تحظى بالكثير من اهتمام العالم آنذاك، الذي كان يراقب الولادة المتعثرة لنجاح مسيرةٍ متميزة من النضال، غلب عليها طابع اللاعُنف في أكثر مراحلها، وكان بطلها هو المناضل الشهير نيلسون مانديلا، أول رئيس أسود البشرة في تاريخ دولة جنوب أفريقيا.

انفصل أهم زوجين في ذلك المسار الطويل لتلك الدولة، نيلسون وويني مانديلا، بعد ما يُقارب أربعة عقود من الزواج، قضى نيلسون أكثر من نصفها في السجن، وقضت ويني معظمها تناضل في سبيل حق زوجها في الحرية، ومن أجل العدل والمساواة للمواطنين السود في جنوب أفريقيا، الذين استأثرت دونهم الأقلية البيضاء من الأصول الهولندية والإنجليزية بالثروة والسلطة.

بعد خروجه من سجنه الطويل عام 1990، بصفقةٍ سياسية مركبة، شملت شروع البيض في التخلي تدريجيًّا عن السلطة، في مقابل تعهُّد نيلسون مانديلا ضمنًا أن يهدئ من حالة الفوران التي كانت تجتاح صفوف السود، الذين أحالتهم عقود القمع إلى تبني نظرةٍ أكثر راديكالية تجاه الأقلية من البيض.

حينئذٍ ظهر جليًّا ما أحدثته سنوات السجن من تباينٍ كبير بين الزوجين المناضلين؛ إذ أصبحت ويني أكثر تشددًا، وإلهابًا لمشاعر جماهير السود، وبدا دون خفاء اتساع الهوة بينها وبين زوجها، ليس فقط في كيفية استكمال النضال السياسي، وحصاد نتائجه، إنما على مستوى حياتهما الاجتماعية والزوجية أيضًا، فاعتُبرا مُنفصلين واقعيًّا منذ عام 1992، ثم وصلا إلى لحظة الطلاق الرسمي عام 1996.

والآن، نعود 60 عامًا إلى الوراء قبل لحظة انفصال أشهر زوجين في تاريخ جنوب أفريقيا، وبالتحديد إلى ثلاثينيات القرن العشرين.

نشأةٌ لم تخلُ من المآسي

في السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام 1936، وُلدت ويني في إحدى قرى جنوب أفريقيا المتواضعة، وكانت الخامسة بين تسعة من الإخوة والأخوات.

منذ نعومة أظفارها، كانت ويني صعبة المراس، واتصفت بالشدة، حتى في أثناء لعبها مع إخوتها وأخواتها. وكانت تساعد والدها في أعمال الحقل، لكنها كانت متفوقةً في دراستها، فعبرت التعليم الأساسي دون صعوبات، ثم التحقت بإحدى المدارس المسيحية البروتستانتية في مدينة أخرى لتكمل تعليمها، حتى إن بعض أخواتها قد تركن مسار التعليم، لتوفير المال اللازم لتكمل ويني النابغة تعليمها.

سياسة

منذ سنتين
حفيد نيلسون مانديلا: هذه أوجه الشبه بين جنوب أفريقيا وفلسطين

كان من أبرز الأحداث التي تركت بصمةً غائرة في جبين عمر الطفلة ويني، وفاة شقيقتها ثم أمها بداء السل، واضطرارها لأن تنضج قبل الأوان؛ إذ تولت رعاية أصغر إخوتها، الذي وضعته أمُهم قبل رحيلها بزمنٍ قصير، ثم ما لبث والدها أن تزوج بعد أمها، لكن لحسن الحظ أحسنت الزوجة الجديدة لويني والأطفال. ولا شك أن عبور تلك المحنة الشخصية الهائلة أسهم في تكوين شخصيتها الصلبة التي فرضت نفسها خلال سنوات الكفاح المُضني التالية.

حين كانت في الخامسة عشرة من عمرها، حدث اعتداء كبير على منزل الأسرة من قبل بعض المعارضين للحكومة، الذي اتهموا والدها بموالاة السلطة العنصرية، لرفضه الانضمام للمعارضة، ولكون خطيب ويني آنذاك كان من مؤيدي الحكومة، وتسبب هذا الاعتداء في إصابة زوجة أبيها بشلل نصفي.

أسفرت تلك الحادثة عن انقسام عائلتها ما بين موالين للحكومة ومنهم أبيها الذي حصل على وظيفة حكومية جيدة، وآخرين معارضين للحكومة. أما ويني، فما لبثت أن انفصلت عن خطيبها، لاعتراضها على ارتمائه في أحضان سلطة التمييز العنصري.

تحت رحى التمييز العنصري

لم يتأخر كثيرًا الاصطدام الأول لويني بالتمييز العنصري الذي كانت تمارسه الأقلية البيضاء الاستعمارية ضد الغالبية العظمى من المواطنين السود في جنوب أفريقيا. فحين كانت ويني طفلةً دون العاشرة من العمر، مُنعت ووالدها من حضور احتفالٍ محلي بانتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، بحجة أنه يحق للبيض فقط الحضور.

كذلك كانت ويني تراقب غاضبةً سوء معاملة التجار البيض – المسيطرين على معظم اقتصاد مدينتها الصغيرة بيزانا – للزبائن السود، رغم أنهم يشكلون الغالبية العظمى من السكان في تلك المدينة. تلك المواقف جعلتها منذ الطفولة أكثر تحسسًا ونقمة تجاه مظاهر التمييز العنصري ضد بني جلدتها.

عام 1953، حدثت أبرز نقلةٍ في حياتها المبكرة، عندما وجَّهها أبوها لتسافر إلى جوهانسبرج، كبرى مدن جنوب أفريقيا، وعاصمتها الاقتصادية، لتلتحق بمدرسة الخدمة المُجتمعية، التي كان نيلسون مانديلا، المحامي الشاب الذي بدأ صيته في الذيوع، أحد الداعمين لها.

في تلك المدينة الهائلة، والمحتقنة بالتمييز العنصري، والمكتظة بكافة فرص الدراسة والعمل والمتعة والحياة، أصبحت ويني مثل أي ريفيٍ بهرته أضواء المدينة، إلا أن تلك الأضواء لم تُغش نظرها عن الهدف الذي قطعت لأجله كل تلك المسافة.

بعد عامين، تخرجت ويني من المدرسة بتفوقٍ ظاهر، مما أهَّلها لتحصل على فرصة نادرة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراستها. لكن لم تكد ويني تهنأ بتلك الفرصة، حتى وجدت نفسها أمام اختيارٍ صعب، فقد حصلت في ذلك الوقت أيضًا على وظيفةٍ كانت تتطلع إليها كثيرًا؛ عاملةً اجتماعية في أحد أكبر مشافي جوهانسبرج.

بعد تردد كبير، فضلت ويني التي لم تُكمل العشرين من عمرها أن تختار الحصول على الوظيفة في بلدها، لا سيما وقد أرضى كبرياءها أن تكون أول سمراء تنضم إلى طاقم العمل بذلك المشفى، وأن تظهر صورها غير مرة في الصحف، مثالًا للفتاة الطموحة.

بدأت تطلُعات ويني السياسية في النضوج، خاصة بعد أن توثقت علاقتها بخطيبة أحد قادة المؤتمر الوطني الأفريقي، تلك المنظمة التي تناضل سياسيًّا من أجل الحقوق الكاملة للمواطنين السود، وكان من أبرز كوادرها آنذاك المحامي نيلسون مانديلا، الذي أُعجبت به ويني أيما إعجاب، لانخراطه الكثيف في النضال السياسي، وهو ما لم تجده ويني حاضرًا في حبيبها الأول سامبسون، الذي كان، رغم مزاياه الشخصية، شخصًا غير مُسيس، ولا يعارض عنصرية البيض بفعالية.

Embed from Getty Images

ويني تحمل لقب مانديلا

عام 1957، توطدت العلاقة بين ويني ونيلسون الذي كان يكبرها بـ16 عامًا، لتُكلل بالزواج في منتصف العام الذي يليه.

كانت الشهور الأولى في الزواج صعبةً على الزوجين، لا سيما على ويني، التي وجدت نفسها أيامًا عديدة فريسةً للوحدة بين جدران منزلها، نظرًا لذوبان زوجها حتى النخاع في أعباء عمله بالمحاماة، وكذلك مهامه القيادية في المؤتمر الوطني الأفريقي. كذلك بدأت الزوجة الشابة تعتاد على اقتحام زوار الفجر من شرطة الحكومة العنصرية لمنزلها، وإحالة عُشها الهادئ مسرحًا للفوضى ببحثهم العنيف والعشوائي عما يريدون.

لاحقًا في ذلك العام الحافل، أسهمت ويني تنظيمًا ومشاركة، في مظاهرة نسوية حاشدة في قلب جوهانسبرج، ضد الحكومة العنصرية التي لم تتردد في قمع المظاهرة بقسوة، واعتقال المئات من المشاركات، من بينهن ويني، التي كان تحمل في أحشائها طفلتها الأولى من نيلسون.

ظلت ويني رهن الاعتقال لأسبوعين، قبل أن يتدخل المؤتمر الوطني الأفريقي، ويدفع الغرامات، وتخرج من السجن، وقد ذاع صيتُها أكثر فأكثر بصفتها مناضلة صلبة، لا سيما وقد أُقصيت من وظيفتها بعد فترةٍ وجيزة من خروجها من السجن. ثم شهد فبراير (شباط) 1959 ولادة طفلتها الأولى زيناني.

Embed from Getty Images
صورة تجمع ويني مانديلا، ورئيس جنوب أفريقيا السابق جاكوب زوما، أثناء المؤتمر رقم 54 لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017.

مذبحة شاربفيل

في 21 مارس (آذار) 1960، وقع حادث مأساوي، كان فاصلًا في تاريخ جنوب أفريقيا ونضال السود ضد التمييز العنصري. في مدينة شاربفيل جنوب جوهانسبرج، وأمام قسم الشرطة المتحصن بداخله العشرات من الجنود بيض البشرة المتحفزين، احتشد أكثر من 20 ألف من المواطنين السود من كافة الأعمار، في مظاهرة غاضبة ضد قوانين التمييز، وقطع المئات منهم وحرقوا وثائق الهوية الصادرة من السلطة العنصرية.

على حين غرة، فتح الجنود النار من رشاشاتهم الآلية صوب المتظاهرين العُزل، فسقط منهم ما يقارب 70 قتيلًا، وجُرح المئات، وكان من بين الضحايا أكثر من 50 من النساء والأطفال.

صدمت مذبحة شاربفيل مشاعر السود في جنوب أفريقيا والعالم، لا سيما وأن السلطات العنصرية شنت في الأيام التالية حملة قمعية شديدة استهدفت كافة المنظمات الداعمة لحقوق السود، ومنها المؤتمر الوطني الأفريقي.

اعتُقل خلال تلك الحملة أكثر من 11 ألف ناشط ومواطن، من بينهم نيلسون مانديلا، الذي سيُطلق سراحُه بعد أشهر، مع قرب ميلاد طفلته الثانية زندزي، لكنه سيضطر للتخفي كثيرًا في الشهور التالية، لا سيما وقد بدأت بعض أجنحة المؤتمر الوطني الأفريقي، في تبني نهج العنف ردًّا على قمع الحكومة العنصرية، مؤسسين منظمة «رمح الأمة» لاستهداف الحكومة.

جدير بالذكر، أنه بعد أكثر من 36 عامًا من المذبحة، سيوقع نيلسون مانديلا في ديسمبر (كانون الأول) 1996، مشروع الدستور الجديد لجنوب أفريقيا ما بعد سقوط الفصل العنصري في مدينة شاربفيل، في رمزيةٍ لا تخفى.

عُمْرٌ خلف القضبان

في تلك الأيام العصيبة، كانت ويني تقابل زوجها المتخفي سرًّا، لكن رغم ذلك، نجحت السلطات في القبض عليه في أغسطس (آب) 1961، وظل أشهرًا في حبسٍ انفرادي، قبل أن يظهر للمحاكمة بقائمة عريضة من التهم، عقوبة بعضها الإعدام.

بالتوازي مع ذلك، ضيقت السلطات على ويني، فحظروا عملها السياسي عام 1962، ومنعوها من مغادرة منطقة جوهانسبرج، ومن الإدلاء بأية تصريحات صحفية أو إذاعية، كما زرعوا العديد من العملاء في الدائرة المحيطة بها، وذلك لاستباق أية تحركات مفاجئة لها للدفاع عن زوجها أو لاستكمال مشروعاته النضالية.

سياسة

منذ سنتين
من الديمقراطية إلى الديكتاتورية.. روح نيلسون مانديلا لا ترقد بسلام في جنوب إفريقيا

أواخر 1963، سُمح لويني أن تزور زوجها في معتقله النائي في جزيرة روبن الواقعة قرب رأس الرجاء الصالح، وهكذا قطعت ويني أكثر من 1400 كم وصولًا إلى كيب تاون، ومنها إلى جزيرة روبن، لتحظى بزيارة لأقل من نصف ساعة، تحت أعين المراقبين وأسماعهم، ودون تواصل مباشر بين الزوجين.

عام 1964، حُكم على نيلسون ومجموعة من رفاقه في المؤتمر الوطني الأفريقي بالسجن المؤبد مدى الحياة تخفيفًا من الإعدام، لامتصاص بعض من الغضب الشعبي والدولي، ونُقلوا إلى معتقل جزيرة روبن.

لم تكتف السلطة بتلك العقوبة الانتقامية من مانديلا في ذلك المنفى البعيد، إنما كثفت المضايقات لأسرته، فمنعوا ويني من إلحاق الطفلتين بالمدارس، لتضطر إلى إرسالهما إلى دولة سوازيلاند – الواقعة داخل حدود جنوب أفريقيا – لاسكتمال دراستهما بمساعدةٍ من بعض الأصدقاء. كذلك منعت لسنوات عديدة من زيارة زوجها في المعتقل.

كانت الشرطة تقتحم منزل ويني مانديلا فجرًا اقتحامًا دوريًّا، وتبحث في كل بقعةٍ من المنزل عن أي خطاب مخفي، أو أموال، أو كتابات تحريضية أو ما شابه ذلك. وفي عام 1965، قيدوا حركتها في نطاق الضاحية السكنية المحيطة بمنزلها، ومنعوا من الحصول على أية وظيفة أيًّا كانت لتعتاش منها، كما كانوا يهددون من يحاول إعانتها من المتعاطفين مع الحركة النضالية. رغم كل تلك القيود، استمرت ويني في تنظيم جهود مساعدة المعتقلين، وإعادة تجميع المناضلين.

في مايو (أيار) 1969، اقتحمت الشرطة منزل ويني كالمعتاد، بينما كانت طفلتاهما في المنزل في الإجازة المدرسية، وانتزعها الجنود وسط بكاء واستجداء الطفلتين، لتُلقى في السجن 17 شهرًا متواصلًا بتهمة الإرهاب، عُزلت فيها تمامًا لأكثر من 6 أشهر عن أي تواصل بشري من أي نوع، وفي زنزانة لا تليق نظافتها بحظيرة.

أيضًا، تعرضت ويني مانديلا للتعذيب وفنون كسر الإرادة غير مرة. ثم أطلق سراحُها مع تشديد الإجراءات الأمنية عليها إلى ما يشبه الإقامة المنزلية الجبرية. عام 1973، سُجنت ويني لأكثر من ستة أشهر لمخالفتها الإجراءات الأمنية، والتقائها ببعض المحظورين.

معًا، اليد في اليد، حاملين أعواد ثقابنا العزيزة، والأغلال التي سنضعها في رقاب الخونة، سنحقق حلم الحرية. *ويني مانديلا في إحدى خطبها الحماسية.

بحلول منتصف السبعينيات، كان الغضب قد تصاعد كثيرًا في صفوف شباب السود، لا سيما الطلاب منهم، فتصاعدت المظاهرات، والمواجهات المتفرقة مع السلطات. وكان هؤلاء الشباب يعتبرون ويني مانديلا رمزًا للقضية، ويحاولون دائمًا الاتصال بها فتشجعهم.

في يونيو (حزيران) 1976 ، اندلعت انتفاضة شبابية كبيرة في مدينة سويتو – حيث يقع المنزل الذي تزوج فيه الزوجان مانديلا – تتخللها الكثير من التخريب والمواجهات، فحملت السلطات ويني المسؤولية، واعتقلتها لخمسة أشهر، لا سيما مع جهودها الخفية والعلنية في دعم المعتقلين والمصابين من الشباب وأسرهم.

في منتصف 1977، نُفيت ويني إلى منطقة معزولة تقع على مسافة 400 كم من جوهانسبرج، وتُدعى براندفورت، وحُذر السكان المحليون من التواصل معها. ورغم أنها ظلت لثماني سنوات في ذلك المنفى، فإن شعبيتها أخذت في التصاعد في أوساط السود لثباتها، ومحاولاتها الحثيثة للحث على النضال ضد السلطة رغم أنف القيود الأمنية في منفاها.

لم تكتف ويني بالعمل السياسي من المنفى، إنما تعاونت مع أصدقائها بإنشاء العديد من المشروعات الخيرية والتنموية في المناطق الفقيرة المحيطة بمنفاها، مما رفع أسهمها كثيرًا في صفوف الناس.

ويني مانديلا تعود إلى العاصمة.. واتهامات بالعنف والتحريض على القتل

عندما عادت ويني مانديلا إلى جوهانسبرج في منتصف الثمانينيات، كانت المدينة تموج بالاضطراب؛ إذ استجاب الآلاف من السود لدعوات بعض المناضلين من المهجر لجعل مهمة السلطات في فرض الأمن والاستقرار أكثر صعوبة.

جمعت ويني العديد من الشباب المتحمس حولها، مستغلة تراخي قبضة السلطة نسبيًّا، وأصبح هؤلاء يعرفون بفريق مانديلا المتحد للكرة، الذين أصبحوا ما يشبه حرسًا شخصيًّا لها، وكانوا يقودون العديد من الأنشطة لمقاومة السلطة العنصرية، لكنهم وُصموا ببعض الأعمال غير الأخلاقية، مثل ملاحقة بعض السود بتهم التخابر مع الأمن، وقتل بعضهم، وكان منهم فتًى في الرابعة عشرة من العمر، اهتزت لمقتله البلاد لسنوات، وحوكمت ويني لاحقًا بتهمة التحريض على قتله.

في تلك الأجواء الحماسية، كانت ويني تظهر دائمًا بالملابس العسكرية، وتلقي الخطب النارية محرضةً على مواجهة السلطة العنصرية بسقفٍ مفتوحٍ من الوسائل. وكانت الضغوط الدولية قد تصاعدت ضد حكومة جنوب أفريقيا العنصرية، وطالب المجتمع الدولي بالإفراج عن المعتقلين، والتفاوض معهم من أجل انتشال البلاد من الفوضى. استغل المعارضون تلك الضغوط للحصول على بعض المكاسب من السلطة، وأصبح خروج نيلسون مانديلا من السجن بعد قرابة ربع قرن، قاب قوسين أو أدنى.

رغم اعتراض الكثير من أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي على تشدد ويني، ودعاويها الصريحة للعنف والانتقام، فإنهم لم يستطيعوا انتقادها علنًا، نظرًا إلى رمزيتها الكبيرة، وللشعبية الجارفة التي تحظى بها بين الشباب، الذين أسبغوا عليها لقب «أم الأمة»، وكذلك لاستثمار مواقفها الحادة في الظهور بمظهر المعتدلين أمام العالم أثناء المفاوضات مع النظام، الذي وجد أنه لا مفر له من التعاون مع الأجنحة المعتدلة في المعارضة، وتقديم التنازلات لهم لرفع أسهمهم في مواجهة المتطرفين.

مطلع عام 1990، أعلن الرئيس الجنوب أفريقي، دي كليرك، مبادرة سياسية استثنائية، ضغط خلالها على البرلمان لإلغاء حظر المؤتمر الوطني الأفريقي، وأكثر من 30 منظمة أخرى للسود، وأتبعها بالإفراج عن نيسلون مانديلا في فبراير (شباط) 1990، ليحظى الزوجان مانديلا باستقبال شعبي حافل، وبدا أن سنوات النضال الصعبة قد شارفت على النهاية، وأن ما يقارب الثلاثين عامًا من الاعتقال لم تذهب سُدى. لكن لم تكن الصورة وردية تمامًا.

سنوات ما بعد النضال

خلال سنوات سجن زوجها الطويلة والعسيرة، تحملت ويني كما ذكرنا جانبًا مهمًّا من إكمال مسيرة النضال التي ألقت بنيلسون خلف القضبان. تركت تحديات تلك السنوات العجاف، وما تعرضت له خلالها من سجنٍ وتنكيل وإيذاءاتٍ جسدية ونفسية، ندوبًا كبيرة في شخصية ويني، وآرائها السياسية والحركية، وغيرتها حتى الأعماق، فغدت أكثر راديكالية ضد العدو الأبيض العنصري، وأقل قابلية للرضا بأية محاولاتٍ للتهدئة أو لتقديم تنازلات مقابل مكاسب آنية أو لاحقة.

تسبب هذا التشدد الذي تبنتهُ في اتساع الهوة بينها وبين زوجها الذي جعلته سنوات السجن التي حملته إلى سن الشيخوخة، أكثر طواعيةً، وقابلية للتفاوض، ولتقديم تنازلات محسوبة في مقابل انطلاق عملية التغيير ولو ببطء، لا سيما وأن قطاعًا كبيرًا في الأقلية البيضاء بدأ يتفاعل بواقعية مع ضرورة أخذ خطوةٍ أو خطوتين إلى الوراء.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
هل تنضم «جنوب أفريقيا» لقائمة ضحايا «صندوق النقد الدولي» في القارة السمراء؟

في تلك الأثناء، تعرضت ويني للمساءلة القانونية بسبب قضية قتل الشاب الصغير الذي اتهمه الشباب الموالون لها بالتجسس، وحُكم عليها بست سنوات من السجن لكن خفف الحكم، كي لا يفسد المرحلة الانتقالية، إلى الغرامة المالية.

تسببت الخلافات المتصاعدة بين الزعيمين الزوجين في انفصالهما واقعيًّا عام 1992 دون طلاقٍ رسمي، الذي تأخر إلى نهاية عام 1996، لكن لم يؤثر هذا كثيرًا في شعبية أيٍّ منهما، وإن صُدم الكثيرون لتلك النهاية الحزينة لزواجٍ استمر رغم القمع والاضطهاد لأكثر من ثلاثة عقود.

في عام 1993، وتقديرًا لدورها النضالي الكبير ضد السلطات العنصرية، اختيرت ويني مانديلا رئيسةً للرابطة النسوية التابعة للمؤتمر الوطني الأفريقي. في العام التالي، نجحت ويني في الانتخابات التشريعية، لتصبح عضوةً في أول برلمان جنوب أفريقي بعد التخلص من الفصل العنصري.

عام 1994، انتخب نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، واحتفى به العالم أجمع. وعينت ويني نائبة لوزير الثقافة والعلوم، لكن ما لبث زوجها أن عزلها من المنصب بعد أقل من عام لاستمرار لهجتها الخطابية الحادة ضد البيض، فخشي أن تهدد استكمال رحلة التغيير. لكن ظل لويني أنصار عديدون بين السود، الذين اعتبروا أن البيض التفوا على نضالهم الطويل، واحتفظوا بمعظم مكامن الثروة في البلاد، والعديد من مفاصل الدولة، بينما انسحبوا من الواجهات السياسية الكبرى.

عام 1997، مثُلت ويني أمام لجنة الحقيقة والمصالحة التي شكلت للتحقق في أحداث ما قبل سقوط نظام الفصل العنصري، وأدانتها بارتكاب جرائم الخطف والقتل، وقدمت اعتذارها أمام اللجنة. لم يمنعها ذلك من الترشح للبرلمان مجددًا عام 1999، لكن بعد أربع سنوات، اضطرت للاستقالة على خلفية فضيحة فساد مالي، رغم أن المحكمة لم تُدنها إدانة قاطعة.

في السنوات التالية، خبا نجمُها في عالم السياسة قليلًا، وإن ظلت مكانتها رمزًا للنضال كما هي. لكن سُجلت لها العديد من التصريحات المثيرة للجدل، مثل انتقادها طليقها نيلسون مانديلا في مواقف عديدة، منها موافقته على الحصول على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الرئيس الأبيض دي كليرك، إذ عدتها تنازلًا وتكريمًا بشكل أو بآخر للعنصريين، وإن كانت ويني قد تبرأت من ذلك التصريح لاحقًا.

كما أنها انتقدت في عدة مناسبات بعض سياسات الحزب الحاكم الحالي، المؤتمر الوطني الأفريقي، واتهمته أحيانًا بالانقلاب على مسيرة النضال. رغم ذلك، مُنحت ويني مانديلا عام 2016 واحدًا من أرفع أوسمة دولة جنوب أفريقيا، تقديرًا لنضالها التاريخي في سنوات الفصل العنصري.

نهاية الرحلة

في الثاني من شهر أبريل 2018، لفظت ويني مانديلا أنفاسها الأخيرة في مدينة جوهانسبرج العاصمة الاقتصادية لجنوب أفريقيا، وقد تجاوزت الثمانين من عمرها، لتُختتم بذلك مسيرة طويلة وصاخبة، ومُفعمة بالتقلُبات، وبالمواقف الاستثنائية، التي صنعت تلك السيدة الاستثنائية التي، رغم كل شيء، ما تزال تنعم بلقب «أم الأمة» في البلد الذي ضحت بزهرة شبابها فيه نضالًا من أجل رفع القيود عن كاهل الغالبية العظمى من أبنائه، الذين شعروا دائمًا بأنها واحدة منهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد