الآن وقد بدأت ساعات النهار تصبح قصيرةً، وفي مقابلها ساعات الليل طويلة، قد يمر يوم أو أكثر بدون أن نرى الشمس، الأمطار تهطل في الخارج والبرودة القارسة تجعلنا ننكمش داخل البيوت في محاولة لاستعادة أكبر قدر من الدفء. هنا يبدأ مزاجنا في التغير، ونصبح أكثر كآبةً وإحباطًا، لا نرغب في الاستيقاظ في موعد أعمالنا، ولا نرغب في مغادرة الأريكة المريحة، ولا نريد إزالة الأغطية التي تمنحنا الدفء، تبدأ بعض الشكوك تساورنا، ونميل أكثر لمشاهدة البرامج التليفزيونية الحزينة، ونتساءل: هل دخلنا مجددًا في حالة من الاكتئاب؟

قد يتفهم بعضنا وجود تغيرات في المزاج من فصل لآخر على مر العام، لكن ما الذي يحدث لنا في فصل الشتاء تحديدًا؟ ولماذا يكون تغير المزاج بهذه الحدة لدرجة أن بعضنا يرتبك، ويعتقد أن لديه شخصية مختلفة تمامًا لنفسه في فصل الشتاء عما سواه من فصول العام؟

اكتئاب الشتاء.. «على العهد» كل عام

يطلق على هذه الحالة الاضطرابات العاطفية الموسمية (Seasonal affective disorder)، وتسمى أيضًا اكتئاب فصل الشتاء، والشجن الشتوي، والاكتئاب الموسمي. هذه الحالة معترف بها في مراجع الطب، وقد دُرست وشُخصت، ودُرست أعراضها ومسبباتها بالفعل، وبالمناسبة فهي ليست قاصرة عليك لكنها تصيب نسبة معتبرة من الناس كل عام.

الاضطراب الموسمي يمثل مجموعة فرعية من اضطرابات المزاج، يعاني الناس الذين يملكون صحة عقلية ونفسية طبيعية خلال معظم أوقات العام، من أعراض الاكتئاب التي تظهر في نفس الوقت كل عام، والأكثر شيوعًا أنها تكون في فصل الشتاء.

في «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» تم تغيير وضع الاضطراب الموسمي، فلم يعد يصنف على أنه اضطراب مزاج فريد من نوعه، بل إنه الآن يتزامن ويرتبط مع النمط الموسمي لاضطرابات نوع من الاكتئابات، والذي يسمى الاكتئاب الرئيسي، وهو يتكرر ويحدث في وقت محدد من السنة.

اضطراب الاكتئاب الرئيسي، والمعروف أيضًا باسم الاكتئاب فقط، هو اضطراب عقلي يتميز بأنه يستمر مدة أسبوعين على الأقل من المزاج المنخفض الموجود في معظم الحالات. غالبًا ما يكون مصحوبًا بتدني احترام الذات، وفقدان الاهتمام بأنشطة ممتعة رغم اعتياد الشخص عليها في الظروف الطبيعية، وانخفاض الطاقة، والألم دون سبب واضح.

وعلى الرغم من أن الخبراء كانوا متشككين في الأمر في البداية، إلا أن هذه الحالة معترف بها الآن على أنها اضطراب شائع. على سبيل المثال ينتشر في الولايات المتحدة بشكل واضح، وتصل نسبته بين الناس في ولاية مثل فلوريدا حيث الشمس ساطعة لأوقات طويلة في الشتاء إلى 1.4%، بينما تصل نسبة انتشاره بين الناس في ولاية ألاسكا حيث نادرًا ما تظهر الشمس إلى 9.9%.

تشير «مكتبة الطب الوطنية الأمريكية» إلى أن «بعض الناس يعانون من تغير حاد في المزاج عندما تتغير المواسم، وقد ينامون كثيرًا، وقد لا يكون لديهم طاقة تذكر، كما قد يشعرون بالاكتئاب. وعلى الرغم من أن الأعراض يمكن أن تكون شديدة، إلا أن غالبيتهم يخرجون منها ويتعافون». يمكن أن تحدث هذه الأنواع من الاضطرابات أيضًا في فصل الصيف عند بعض الناس، وقد تكون الحالة شديدة إذ يصاب هؤلاء بنوع من القلق الشديد.

يذكر أنه وصف هذه الحالة رسميًّا «نورمان روزنتال» وزملاؤه في المعهد الوطني للصحة النفسية، عام 1984. وقد تم التشكيك في صحة هذه الاضطرابات الموسمية من خلال تحليل حديث لبيانات المسح لحوالي 34 ألف شخص، والتي جمعها المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض، هذا المسح لم يكشف عن وجود روابط بين الاكتئاب والمواسم أو التعرض لأشعة الشمس.

الأعراض.. من خفيفة إلى شديدة

الاضطرابات الموسمية هي نوع من اضطرابات الاكتئاب الرئيسية، وقد يظهر على المرضى أي من الأعراض المرتبطة بها، بداية من مشاعر اليأس، وحتى أفكار الانتحار، مرورًا بفقدان الاهتمام بالأنشطة، والانسحاب من التفاعل الاجتماعي، ومشاكل النوم والشهية، وصعوبة في التركيز واتخاذ القرارات، وانخفاض الدافع الجنسي، ونقص الطاقة.

وأعراض الاكتئاب الشتوي غالبًا ما تشمل الإفراط في النوم، أو صعوبة الاستيقاظ في الصباح، والغثيان، والميل إلى الإكثار من تناول الطعام، وفي كثير من الأحيان مع حنين للمواد الكربوهيدراتية؛ مما يؤدي إلى زيادة الوزن. وعادةً ما ترتبط هذه الحالة مع الاكتئاب الذي يحدث في فصل الشتاء، لكن هناك أنماطًا أخرى من الاضطرابات الموسمية الأخرى الأقل شيوعًا. فعلى النقيض من اكتئاب الشتاء، الناس الذين يعانون من اكتئاب الربيع والصيف قد يكون من المرجح أن تظهر عليهم أعراض مثل الأرق، وانخفاض الشهية، وفقدان الوزن، والإثارة أو القلق.

اكتئاب الشتاء يمكن أن يكون أكثر خطورة، ويرتبط بنوع آخر من الاكتئابات –بعيدًا عن الاكتئاب الرئيسي– مثل الاكتئاب ثنائي القطبية بنوعيه. معظم الناس يعانون من اضطرابات الاكتئاب الرئيسية الحادة، لكن حوالي 20% منهم قد يعانون من الاضطراب ثنائي القطب.

الاضطراب ثنائي القطب، ويعرف أيضًا بالاضطراب ثنائي الوجه، هو أحد الاضطرابات النفسية التي تتميز بوجود حالة من التناوب بين فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي، ونصف هذا الأخير بأنه غير طبيعي لأنه يختلف عن الشعور بالابتهاج الطبيعي، كونه قد يؤدي إلى أفعال طائشة غير مسؤولة. وللأسف يمكن لهذا الاضطراب ثنائي القطب التسبب في محاولات الانتحار. وتشير التقارير إلى أن شخصًا من كل ثلاثة أشخاص أصيبوا بهذا المرض عامة أقدموا على محاولة الانتحار.

لذلك، من المهم التمييز في التشخيص بين الاكتئاب الرئيسي، والاكتئاب ثنائي القطب إذا ما تعرض أحد إلى حالة اضطراب شتوي قوية، لأن هناك اختلافات مهمة في العلاج. في هذه الحالات، علينا الانتباه إلى الناس الذين تأتيهم أعراض شديدة من اكتئاب الشتاء، ثم يستعيدون حياتهم الطبيعية في فصل الصيف بشكل موسمي متكرر.

الأسباب.. من الشمس وحتى الهرمونات

في العديد من الحالات، يتضاءل النشاط خلال أشهر الشتاء نتيجة انخفاض الغذاء المتاح، وقلة التعرض لأشعة الشمس التي تختفي عادة وراء السحب لفترات طويلة -وخاصةً بالنسبة للأشخاص النهاريين بطبيعتهم-. بعيدًا عن الإنسان، نلاحظ أن بعض الكائنات الحية تتغلب على قلة الغذاء والشمس من خلال السبات الطويل، وهو يعد مثالًا متطرفًا. ويفترض العلماء أن الطعام كان شحيحًا في معظم عصور ما قبل التاريخ البشري، وأن الميل نحو المزاج المنخفض خلال أشهر الشتاء كان يمكن أن يتم التكيف عليه عن طريق تقليل الحاجة إلى تناول السعرات الحرارية.

واقترح العلماء أسباب تقريبية مختلفة وراء هذه الاضطرابات الشتوية. أحد الاحتمالات هو أن اكتئاب الشتاء يرتبط مع نقص مادة  السيروتونين Serotonin، ويمكن أن تلعب ظاهرة «تعدد أشكال» السيروتونين دورًا مهمًا، على الرغم من أن هذه الفرضية كانت موضع نزاع بين الأطباء.

الأبحاث أشارت إلى أن الفئران غير القادرة على تحويل السيروتونين إلى أسيتيل سيروتونين (عن طريق إنزيم معين لا يوجد في الفئران)، تظهر لديها تعبيرات سلوكية مشابهة لأعراض الاكتئاب، ومضادات الاكتئاب مثل «فلوكستين» تسبب زيادة كمية الإنزيم؛ وبالتالي زيادة كمية أسيتيل سيروتونين، وهو ما جعل هذا الدواء مضادًا للاكتئاب.

نظرية أخرى تقول إن السبب قد يكون ذا صلة بهرمون الميلاتونين الذي ينتج في الضوء الخافت، والظلام بواسطة الغدة الصنوبرية؛ لأن هناك اتصالات مباشرة بين شبكية العين والغدة الصنوبرية. ويتم التحكم في إفراز الميلاتونين بواسطة الساعة البيولوجية الذاتية، ولكن يمكن أيضًا منع أو تقليل إفراز الميلاتونين نتيجة الضوء الساطع.

وتناولت إحدى الدراسات ما إذا كان بعض الناس يمكن أن يكونوا مهيئين أكثر للإصابة باكتئاب الشتاء على أساس السمات الشخصية. ويبدو أن الترابط بين سمات شخصية معينة، ومستويات أعلى من العصبية، والقبولية، والانفتاح، وأسلوب التكيف، شائع في أولئك الذين يعانون من اضطراب الشتاء الموسمي.

السؤال الأهم.. كيف أتعامل مع اكتئاب الشتاء؟

قبل أن نتحدث عن العلاجات الخاصة بالأنواع الشديدة من اكتئاب الشتاء، سيهمنا بالطبع تناول التعامل مع الحالات البسيطة والمتوسطة من هذا النوع من الاضطرابات. لإدارة الأعراض في المنزل والتحكم فيها، عليك الحصول على قسط كافٍ من النوم، وتناول الأطعمة الصحية. تعلم معرفة وتشخيص العلامات المبكرة التي تشير إلى أن الاكتئاب يزداد سوءًا. وعليك وضع خطة مسبقة للتعامل في هذه الحالة.

عليك أيضًا محاولة ممارسة التمارين الرياضية بصورة أكثر من المعتاد، واختر الأنشطة البدنية التي تجعلك أكثر سعادة في المعتاد. لا تستخدم الكحولات أو أنواع المكيفات غير المشروعة. هذه يمكن أن تجعل الاكتئاب أسوأ، كما يمكن أن تسبب لك التفكير في الانتحار.

عندما تكافح ضد هذا الاكتئاب، عليك الحديث عما تشعر به مع شخص تثق به. حاول أن تكون حول الناس الذين يهتمون بك بإيجابية. ويمكنك أيضًا التطوع أو المشاركة في أنشطة جماعية.

تشمل علاجات الاضطراب العاطفي الموسمي الكلاسيكي (في فصل الشتاء) العلاج بالضوء، والأدوية، والتعرض للهواء المتأين، والعلاج المعرفي السلوكي، وتناول هرمون الميلاتونين في أوقات محددة بدقة، والعلاجان الأخيران بالطبع يجب أن يكونا تحت إشراف كامل من طبيبك المعالج.

العلاج باستخدام الضوء أثبت فعاليته كثيرًا؛ لأن له علاقة بإفراز الميلاتونين، والذي يؤثر في دورات المزاج الموسمي من الحزن. العلاج يتضمن استخدام صندوق ضوئي يحتوي على أكثر من شمعة ضوئية بينها واحدة للضوء الأبيض، وثانية للضوء الأزرق أو الأخضر، كل منها في نطاق محدد من الأطوال الموجية.

العلاج بالضوء الساطع أيضًا فعال مع المريض الذي يجلس على مسافة محددة، عادة 30- 60 سم، أمام الصندوق الضوئي مع عينين مفتوحتين لكن دون تحديق مباشر في مصدر الضوء لمدة 30- 60 دقيقة. وتشير دراسة نشرت في مايو (أيار) 2010، إلى أن الضوء الأزرق غالبًا ما يستخدم لعلاج اكتئاب الشتاء.

العلاج بالضوء يمكن أن يتضمن أيضًا التعرض لأشعة الشمس، إما عن طريق قضاء المزيد من الوقت خارج المنزل، أو استخدام جهاز تحكم معين يعكس أشعة الشمس في نوافذ المنزل أو المكتب. وعلى الرغم من أن العلاج بالضوء هو العلاج الرئيسي للاضطراب العاطفي الموسمي، يجب تجنب أشعة الشمس المباشرة لفترات طويلة، أو الأضواء الاصطناعية التي لا تمنع مجموعة الأشعة فوق البنفسجية بسبب إمكانية الإصابة بسرطان الجلد.

وقد ثبت أن مضادات الاكتئاب المعروفة باسم «مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية SSRI» فعالة في علاج الحزن والاكتئاب من هذا النوع. مضادات الاكتئاب الفعالة هي: فلوكستين، وسيرترالين، وباروكسيتين. ويمكن أن تتزامن هذه العلاجات مع التعرض للضوء في أوقات محددة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد