كان السحر وممارساته محظور في الكنيسة الكاثوليكية، ومع ذلك كان موجودًا ولم يتعرض السحرة إلى أي أذى أو ملاحقة. وبحلول القرن الخامس عشر كان الإيمان بالسحرة مقبولاً في المجتمع الغربي، وتحول إلى ظاهرة، ثم بدأ عصر ملاحقة السحرة في القرنين 16 و17، حتى توقف الغرب عن محاكمة وإعدام الساحرات في أواخر القرن 18. لكن في ظل انتشار السحرة كان هناك حالة من الهستيريا الجماعية التي اجتاحت الناس بسبب أفعالهم، وفي فترة ملاحقة ومطاردة السحرة وأغلبهم من النساء العجائز؛ لجأ الغرب إلى طرق غريبة لاختبارهن قبل عقابهن. فما هي هذه الطرق؟

1. كعكة الساحرات.. بول الشخص المصاب يحدد النتيجة

كان هناك اعتقاد سائد في أوروبا وانتقل مع الأوروبيين إلى المستعمرات الأمريكية؛ يقول بأن هناك كعكة تصنع خصيصًا للكشف عن إصابة شخص ما بالسحر، عرفت باسم «كعكة الساحرة». وتصنع هذه الكعكعة بنوع معين من الدقيق بالإضافة إلى بول المشكوك في إصابته بالسحر، ثم يتغذى كلب على هذه الكعكة، فإذا أظهر الكلب الأعراض نفسها التي يعاني منها الشخص، فهذا يثبت السحر. أما اختيار الكلب تحديدًا، فيعود إلى أن الكلب في المعتقدات الغربية القديمة مرتبط بالشيطان، وكان من المعتقد أن يدل الكلب أيضًا على الساحر المسؤول.

Embed from Getty Images

في قرية سالم بولاية ماساتشوستس الأمريكية عام 1692، اشتكت الطفلتان إليزابيث باريس ابنة القس صموئيل راعي كنيسة قرية سالم، وأبيجيل ويليامز، إحدى أقارب القس وتعيش مع عائلته؛ من الحمى والتشنجات، فصلى القس صموئيل مع رجال الدين الآخرين من أجل علاج الفتيات لعلاج آلامهم، إلا أن الصلاة لم تفلح. ليخبرهم الطبيب المحلي بعد الكشف أنه لا يجد سببًا لمرضهم، وبالتالي أرجع الجميع السبب إلى السحرة، وقرروا اختبار «كعكة الساحرة» للتأكد.

رغم أن اختبار «كعكة الساحرة» لم يفلح، ولم يشر إلى أن الفتيات مصابات بالسحر، إلا أن القس صموئيل ندد في الكنيسة باستخدام هذا السحر، وجرت محاكمات لساحرات سالم؛ وهي عبارة عن سلسلة من جلسات الاستماع والملاحقات القضائية للأشخاص المتهمين بالسحر في ولاية ماساتشوستس، اتهم فيها أكثر من 200 شخص، وأدين منهم 19، وعوقبوا بالإعدام شنقًا، بينما توفي أربعة في السجن.

2. كرسي التغطيس.. الساحرات ينلن عقوبة المزعجات

في القرون الوسطى في إنجلترا وويلز كان الإزعاج العام جريمة؛ ويقصد بالإزعاج الشخص الذي يخرق السلام العام عن طريق التعدي بالجدال والشجار. وكان أغلب الأفراد المعاقبين من النساء، وكانت العقوبة تتراوح بين مخالفة مالية أو وضعها على «كرسي التغطيس» وهي آلة خشبية بها كرسي يوضع عليها المعاقب مُقيدًا، ثم يغطس في نهر أو بركة، بهدف التأديب عبر الإذلال، ومثل المزعجات نالت العاهرات والساحرات العقوبة نفسها، إلا أن عقوبة الساحرات كانت أكثر غلظة وغرابة.

استخدم «كرسي التغطيس» في حالات السحر، لكن لم يكن عقوبة بل وسيلة مضمونة لتحديد ما إذا كانت المشتبه بها ساحرة أم لا. إذ كانت تقيد المرأة على الكرسي ثم تلقى في الماء، فإذا طفت فهي ساحرة لأنها رفضت الماء الطاهر، وإذا غرقت فهي بريئة، وفي حالة إثبات براءتها بعد موتها، فهذا أمر جيد لسمعة عائلتها. ثم طوروا الكرسي بإلغائه؛ واكتفوا بتقييد الساحرة عبر إلصاق اليد مع القدم، (كان إبهام اليد اليمنى للساحرة يلتصق بأصبع قدمها اليسرى)، تم تربط بحبل من الخصر، وتلقى في الماء.

آخر الحالات الموثقة لاستخدم «كرسي التغطيس» تعود إلى مطلع القرن 19 في مدينة يومنستر، بإنجلترا، وتلقت العقوبة امرأتين في عامين مختلفين، وبسبب الإزعاج، بعد ذلك اختفى الكرسي نهائيًا.

3. الجرح والوخز.. دماء لا تجد من يضمدها

اختبار آخر تبناه المجتمع الغربي لإثبات صفة السحر على المتهمين به؛ وهو «الجرح»؛ وفيه يتقدم الضحية إلى المتهم بالسحر، ويخدشه حتى يجرحه وينزف الدماء، وكان يعتقد أن هؤلاء المصابين بالسحر؛ سوف يشعرون بالارتياح إذا خدشوا الشخص المسؤول عن آلامهم، وإذا تحسنت الأعراض، فهذا دليل على أنهم عثروا على الساحر.

أسلوب آخر لإثبات ممارسة السحر كان عبر الوخز بالإبر، وكان الاعتقاد الشائع أن جميع السحرة لا يشعرون بالألم أو بالنزيف عند الوخز، وأن لديهم أيضًا علامة سحر في أجسادهم، لذا كانوا يبحثون عن العلامة في الجسد، ويستخدمون الأبر للوصول إلى العلامة الحساسة ثم يوخزونهم بقوة، وإذا لم يشعر المشتبه به بأي ألم، فيعلن على الفور أنه ساحر.

محارق الساحرات.. لماذا اضطُهدت النساء في التاريخ وحُرقن بينما نجا الرجال؟

4. الموت سحقًا.. العقوبة الأكثر قسوة

كان القانون الإنجليزي في القرون الوسطى ينص على أن المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام؛ لا بد أن يترافعوا في المحكمة سواء لاعترافهم بالذنب أو عدمه. وفي هذه الحالة لو أعدم، لا يرث أهله شيئًا من ممتلكاته، أما من يصمت في المحكمة رافضًا المحاكمة نفسها، فيرث أهله ممتلكاته، لذا وضع قانون لتعذيب المتهمين من أجل التحدث؛ عبر وضع صخرة ثقيلة أو عدة صخور عليهم حتى يقبلوا المرافعة أو أن يموتوا، واستخدمت هذه الطريقة مع المتهمين بالسحر لإثبات أنهم سحرة عبر الاعتراف المباشر من المتهم.

Embed from Getty Images
أثناء قضية محاكمة سحرة سالم في أمريكا في القرن 17، اتهم جيلز كوري؛ وهو مزارع يبلغ من العمر 80 عامًا، ويعيش مع زوجته مارثا كوري في مزرعة في قرية سالم بالسحر. كل ذنب جيلز، أن زوجته مارثا شككت علنًا في الفتيات أقارب القس المصابات بالحمى والتشنجات، وأشارت إلى أنهن زيفن أعراضهن، وبالتالي اتهمت الفتيات مارثا وزوجها بالسحر، وادعت الفتيات أنهن رأين طائرًا أصفر يرضع من بين أصابع مارثا، ثم اتهمت الفتيات زوجها جيلز أيضًا بالسحر، وأودع كلاهما في السجن وحقق معهما.

لجأت المحكمة إلى وسيلة التعذيب بالضغط بالأحجار على جيلز ليقر بالذنب، إلا أن جيلز أصر على عدم قبوله المحاكمة، ورفض أن يتحدث أو حتى يدافع عن نفسه، بدا متماسكًا رغم سنه، ووضع عليه الأحجار الثقيلة واحدًا تلو الآخر، وكانت آخر كلماته: «المزيد من الوزن».

5. التعرية والبحث عن حلمة ثالثة

كان هناك اعتقاد شائع في الغرب أن السحرة، لديهم «حلمة ثالثة» في أجسادهم. وعلى الرغم من أن الحلمات الإضافية تظهر بشكل طبيعي في نسبة صغيرة من السكان، وهي حقيقة لم تكن معروفة في العصور الوسطى، إلا أن هذه النتوءات الجسدية الزائدة في تلك الحقبة كانت كفيلة بإعدام صاحبها في حالة اتهامه بالسحر.

آمن الغرب في تلك الحقبة بالحلمة الثالثة، لاعتقادهم أن السحرة لديهم شياطين يعيشون معهم ويتحولون إلى حيوانات، وكان الاعتقاد أن الشياطين تتغذى على الدماء، لذا كانت السحرة ترضعهم الدماء من الحلمة الثالثة، والأكثر غرابة أن الحيوانات الأليفة كان مشكوك فيها في تلك الفترة إذا وجدت عند الإنسان بما في ذلك الأرانب والفئران، أما القطط السوداء فكان مصدر الشك الرئيسي، لذا كان الخوف الشديد من القطط أحد أسباب مذابح القطط التي اجتاحت أوروبا في العصور الوسطى.

Embed from Getty Images

لجأ القائمين على محاكمة السحرة إلى تجريد الساحرات من ملابسهن، وتعريتهن، وإزالة الشعر من كل مناطق الجسد بحثًا عن الحلمة الثالثة أو علامة أخرى للسحر، وإذا عثر على ورم أو تورم أو نتوء يعتبر حلمة ثالثة، يعلن عن كونها ساحرة.

6. الحلم والأناجيل.. وأشياء أخرى

الحلم كان واحدًا من الأدلة الغريبة على السحر، فإذا رأى أحد يشتبه أنه مصاب بالسحر في حلمه شخصًا أخافه، فهذا دليل على أن هذا الشخص المخيف هو من صنع له السحر. واستخدم الحلم دليل إدانة ضد المتهمين بالسحر، وفي كثير من الحالات كان يظهر للمريض حيوان، مثل القط الأسود، أو الذئب، ويتهم أحدًا بأنه ظهر له في الحلم متنكرًا في الحيوان، وكانت تقبل هذه الشهادات حتى لو كان المتهم في مكان بعيد عن الشخص المصاب.

العديد من الأدلة الأخرى الغريبة الأخرى استخدمت للتحقق من السحرة، مثل؛ وزن الساحرة المشتبه بها مقابل عدد من الأناجيل المقدسة، فإذا كانت الأناجيل أثقل أو أخف وزنًا، فهي قادرة على السحر، أما إذا تساووا في الوزن فهي ساحرة واضحة. أيضًا؛ إذا همهم المتهم بالسحر مع نفسه أو تحدث إلى نفسه فكان هذا دليلًا علي أن المتهم ساحر ويحاول أن يلقي تعويذة. في النهاية يبدو جليًا أن كل الطرق كانت تؤدي تقريبًا إلى إثبات أن المتهم بالسحر، ساحر بالفعل.

بين التعذيب والحرق أحياء.. هكذا تعقد «محاكمات الساحرات» في القرن الحادي والعشرين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد