انطلاقًا من هذه الآية التي ذُكرت في العهد القديم من الكتاب المقدس، شن العالم الغربي حربًا شعواء ضد النساء اللواتي اتُهمن بممارسة السحر؛ فعذبن بأبشع الطرق، ونُصبت لهن أعواد المشانق وحُرقت الساحرات أحياء.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم حول ماهية السحر الذي عُذبت وأُعدمت بسببه كل هؤلاء النساء عبر التاريخ، وهل هو حقًّا يعتبر تهمة يتوجب معها الإعدام؟ وإن كان كذلك فهل احترفته النساء فقط أم النساء والرجال؟ وإن كان كلا الجنسين قد احترفه؛ فلماذا تمت معاقبة النساء فقط بالشنق والحرق دون معظم الرجال؟

«نحنُ نصنع وحشًا لندين أفعاله»: ماذا تعرف عن المرأة التي صنعت وحشًا لتدافع عنه؟

لماذا الساحرات؟

دعنا نبدأ بطرح سؤال حول أول صورة تتبادر إلى ذهنك حين تسمع كلمة «سحر»، إن كنت قد تخيلته في صورة امرأة عجوز شمطاء قبيحة الوجه ترتدي مئزرًا أسود وتمتطي مكنسة؛ بينما تعلو وجهها ضحكة ماكرة؛ فينبغي أن تعرف أن للأدب والثقافة الجمعية دورًا كبيرًا في تكوين تلك الصورة لديك. فمعظم الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية قد ربطت ممارسة السحر بالنساء، وجعلت من الساحرات مرادفًا لكل ما يمثل الشر والتعدي على الآخرين.

ولكن ما هو السبب وراء ارتباط تهمة السحر بالنساء على وجه الخصوص على مر الأزمنة المختلفة؟ وهل كان ذلك بسبب المعتقد السائد وقتها بأن النساء أكثر عرضة للوقوع في غواية الشيطان، والاتصال بقوى خارقة للطبيعة، أم أن للأمر أبعادًا اجتماعية وسياسية تم غض الطرف عنها لقرون طويلة؟

بدأ الأمر في أواخر القرن السادس عشر، حين ساد اعتقاد في أوروبا يقول بأن الساحرات يملأن البلاد، وأنهن يشكلن تهديدًا قاتلًا للحياة والنظام الإلهي، بسبب اتصالهن بالشيطان والقوى الغيبية. وقد ساعد علماء اللاهوت على انتشار هذا المعتقد بين العامة، إذ صرح عالم اللاهوت الفرنسي جان بودين في عام 1580، بأن النساء أكثر عرضة 50 مرة من الرجال، للخضوع لإغواءات السحر.

وبالتالي؛ فقد قررت الكنيسة معاقبة كل من تثبت إدانتها بممارسة السحر بالشنق أو الحرق. وعلى الرغم من أنه ثبت أن ممارسة السحر لم تكن مقتصرة على النساء فقط، إلا أن نسبة النساء اللواتي أُعدمن في تلك المحاكمات كانت تتراوح ما بين 70-80% من إجمالي المحكومين بالإعدام.

هل كانت أحكام الإعدام بسبب ممارسة السحر فعلًا؟

في أواخر القرن التاسع عشر، فاجأت الناشطة في حقوق المرأة ماتيلدا جوسلين غيج الجميع، بتصريحها الذي أثار جدلًا واسعًا وقتها، والذي تؤكد فيه أن كل تلك المحاكمات التي عقدتها الكنيسة للنساء المتهمات بالسحر لم تكن بغرض محاربة الشر، أو مقاومة الشيطان كما ادُعي آنذاك، بل كانت تلك المحاكمات تهدف إلى قمع وتقويض سلطة النساء النابغات في ذلك العصر، واللواتي رأت فيهن الكنيسة آنذاك تحديًا حقيقيًّا للبطريركية بسبب تخطيهن الحدود التي فرضها المجتمع على النساء.

وفقًا لماتيلدا جوسلين، بلغ إجمالي عدد المحكوم عليهم بالإعدام شنقًا وحرقًا بسب تهمة ممارسة السحر في تلك الأوقات، 9 ملايين شخص، كان معظمهم من النساء اللواتي لم يكن عجائز شمطاوات، يركبن عصا المكنسة ويطرن عاريات في الظلام ليذهبن إلى أرض الشياطين، بل كُن نساء حكيمات وقابلات، وكاهنات لا يؤمن بالمسيحية، وبالتالي كن هدفًا لرجال الكنيسة الذين رأوا فيهن تهديدًا لسلطتهم، وبالتالي اتهموهن بالسحر بسبب ميلهن الفطري كونهم نساء نحو الخطيئة، وفقًا لادعاءاتهم.

وقد فتحت تصريحات ماتيلدا جوسلين الباب أمام العديد من الدراسات اللاحقة، والتي سعت لتوضيح السبب الحقيقي وراء محاكمات الساحرات في أوروبا وأمريكا الكولونيالية خلال العصور الوسطى. ففي مقال لها بعنوان «الساحرات والإبادة الجماعية» أكدت الكاتبة والناشطة النسوية آندريا دوركين، أنه يمكن وصف محكامات الساحرات بأعمال الإبادة الجماعية، التي هدفت إلى محو أي تهديد قد تشكله النساء على السلطة المطلقة للرجال في تلك الأوقات.

فالساحرة، سواء كانت امرأة حكيمة، أو طبيبة، أو قابلة، أو حتى امرأة على اتصال بقوى خارقة للطبيعة، كان بإمكانها إيقاع الهزيمة بالرجال في الميادين التي كانوا يحتكرونها؛ فمن كان سيقبل في تلك الأوقات أن تلعنه امرأة، أو تتجاهله، أو ترفضه، أو حتى تحاول منافسته في عمله طبيبًا.

امرأة عجوز قبيحة.. من أين جاءت تلك الصورة النمطية عن الساحرات؟

اتفق المؤرخون على أن النساء -خصوصًا الأرامل- اللواتي كانت تتجاوز أعمارهن 50 عامًا، كن أكثر عرضة لتلقي اتهامات بممارسة السحر. ومن هنا جاءت تلك الصورة النمطية الكلاسيكية عن الساحرات، باعتبارهن عجائز بأرجل عرجاء وأعين غائمة وبشرة شاحبة مليئة بالتجاعيد.

وقد كان أحد الأسباب الأساسية كون الشريحة العظمى من المتهمات عجائز فوق الخمسين، يتمثل في كونهن قد أصبحن غير قادرات على الإنجاب في عصر يبجل خصوبة المرأة، ويرى أن مهمتها الأساسية في الحياة تتلخص في كونها زوجة وأمًا، وأنها لا قيمة لها إن لم تعد قادرة على إنجاب الأطفال. وبالتالي فإن أفراد المجتمع الأوروبي آنذاك، كانوا يرجعون أي كارثة تحدث لهم إلى السحر الذي ربما قامت به جارتهم الأرملة الفقيرة العجوز، بسبب شعورها بالحسد تجاههم.

ولم يكن سن المرأة وحكمتها، أو احترافها لمهن احتكرها الرجال، مثل الطب، هو فقط من يجعل منها ساحرة محتملة في نظر رجال الكنيسة، ولكن سخطها على الأعراف الاجتماعية التي أقرها المجتمع في ذلك الوقت على المرأة، ومحاولتها الثورة عليها؛ كان أيضًا من أهم العوامل التي قد تجعلها تواجه الإعدام حرقًا، أو شنقًا بسبب تهمة ممارسة السحر.

هل ما زالت تهمة السحر تلاحق النساء حتى عصرنا الحالي؟

من المرجح أن اتهام النساء بالسحر بسبب تجرؤهن على المشاركة في الأمور السياسية، بدأ بقيام الفرنسية جان دارك بقيادة جيش بلادها إلى عدة انتصارات مهمة خلال حرب المائة عام. فحين وقعت جان دارك في نهاية المطاف في قبضة إنجلترا؛ حاكمتها الأخيرة بتهمة الزندقة وممارسة السحر بسبب ما ادعته المحكمة وقتها من استحالة قيام فتاة شابة في مثل عمرها بتحقيق كل تلك الانتصارات بمفردها، دون الاستعانة بقوى خارقة للطبيعة، وأعدمت حرقًا وهي في التاسعة عشر فقط من عمرها.

Embed from Getty Images

أما في عصرنا الحديث، فقد أبت تلك التهمة التي لازمت النساء منذ القرون الوسطى أن تفارقهن، فما زالت النساء اللواتي قررن خوض معترك الحياة السياسية -التي يسيطر عليها الرجال- يوصفن بالساحرات من قبل خصومهن، ويُصورن على أغلفة الجرائد والمجلات في صورة نساء عجائز شمطاوات يرتدين مئزرًا أسود أو يركبن مكنسة.

وتعتبر انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة خير مثال على ذلك، فقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وقتها بصور لهيلاري كلينتون، مرشحة الرئاسية آنذاك، وهي ترتدي قبعة سوداء وتمتطي مكنسة، كما أطلق معارضوها عليها لقب «ساحرة اليسار الشريرة».

وعلى الرغم من أن هيلاري كلينتون تعتبر أبرز مثال للنساء اللواتي اتهمن بالسحر في العصر الحدث، إلا أنها لم تكن الوحيدة؛ فقد أطلق المعارضون لقب ساحرة أيضًا على كل من جوليا جيلارد، أول رئيسة وزراء في أستراليا، ونانسي بيلوسي العضوة البارزة في مجلس النواب الأمريكي، وكذلك تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا الحالية.

مترجم: لم يكن سحرًا.. حادثة أمريكية قبل 3 قرون أخيرًا اكتشف العلم سببها!

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد