ما بين عامي 1692 و1693، في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، ظهر مصطلح «اصطياد الساحرات»؛ إذ اتهم أكثر من 200 شخص بممارسة السحر الأسود. كانوا مطلوبين للعدالة، وعقدت محاكمات عرفت بـ«محاكمات السحر في سالَم»، أعدم على إثرها 20 شخصًا، كانت أغلبيتهم من النساء. كان ذلك في عصرٍ انتشرت خلاله الخرافات، وشعر أتباع الديانات أن الساحرين والساحرات لديهم قدرات شيطانية تمكنهم من إيذاء الآخرين. وفي العصور الوسطى انتشر فكر «حرق الساحرات» على الصلبان، وذلك أملًا في التخلصِ من تأثيرهم الشرير.

كل هذه الممارسات انتهت بمرور القرون، حتى أصبح صداها في النفوس أشبه بالحكاياتِ الخيالية وأفلام الرعب. إلا أن العصر الحديث، قد شهد أحداثًا مماثلة، استخدمت الصحف فيها التعبير نفسه «مطاردة الساحرات»، وذلك لوصف ممارسات بعض الشعوب في حق السحرة؛ فهل نشهد الآن عصرًا جديدًا من محارق الساحرات؟

في حربهم على السحر الأسود.. يقطعون حلوق الأرامل في الهند

في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013، أجبرت أم وابنتها بمدينة جهارخاند على ترك منزلهما؛ إذ جرهما قرويون بأيديهم إلى الغابات القريبة، وهناك قطعت حلوقهن. كانت الأم أرملة، توفي زوجها منذ سنوات، ثم انتشرت شائعات في القرية تتهم الأم وابنتها بالسحر. في 2013، بدأ أطفال القرية يمرضون، دون معرفة سبب واضح للمرض، ونتيجة لنقص الأطباء، أعاد أهل القرية سبب المرض لـ«السحر الأسود».

تعتبر الهند أكبر دولة ديمقراطية في العالم، وعلى الرغم من أن تلك الدولة الضخمة تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا، إلا أنها من ناحيةٍ أخرى إحدى أفقر الدول؛ إذ يعيش معظم السكان على الفتات والجهل، وفي بعض القرى تنتشر الخرافات في محاولاتٍِ يائسة لعلاج الأمراض، والعثور على الحب، وتيسير الأمور، وفي أحيانٍ أخرى من أجل الإيذاء.

(وثائقي عن قتل الساحرات في الهند)

كان السحر الأسود واحدًا من الآثار الجانبية لانتشار الخرافات، إلا أنه قد جلب معه نوعًا خاصًا من العنفِ أشبه بذلك الذي شهدته العصور الوسطى؛ إذ اتهم الكثيرون بممارسة السحر، وعذبوا وقتلوا وحرقوا أحياءً. كان أكثرهم من النساء «العجائز والأرامل». ويشير تقرير السجلات الجنائية في الهند إلى أن هناك أكثر من 1700 امرأة قتلت ما بين عامي 1991 و2010 والدافع «السحر».

«لم أعد أثق في أحد، ما زلتُ أخشى أن يقتلوني إن أمسكوا بي وحدي». *رامكانيا ديفي، عجوز هندية، تبلغ من العمر 80 عامًا.

كانت ديفي بحسب صحيفة «يو إس إيه توداي» تعيش في خوفٍ دائم منذ ثلاثة أشهر، وذلك بعدما اتهمها أحد الجيران بممارسة «السحر». وتعود قصة ديفي إلى مرض إحدى التلميذات، مما اضطر أهلها للسفر إلى قرية أخرى وزيارة ساحر، يُعرف عنه قدراته على الشفاء، وهناك أخبرهم الساحر بأن الفتاة تعاني من سحرٍ أسود، واتهم العجوز المسكينة. هدد أهل الفتاة أسرة ديفي بالقتل وإحراق منزلهم، وقد عاشت المرأة 18 يومًا في ظلامٍ دامس خوفًا من أن يكتشف الجيران وجودها بالمنزل.

كان القتل الجماعي بدافع «السحر» جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الهند منذ أن كانت مستعمرة بريطانية؛ إذ اكتشف الباحث أجاي سكاريا أن الهند البريطانية مارست قتل وتعذيب النساء اللواتي اتهمن بأنهن «ساحرات» على مدار تاريخها، أما بالنسبةِ إلى هؤلاء النسوة ممن ينجحن في الفرار من الموت بعد هذه الاتهامات، فإنهن يجبرن على الانتقال إلى منطقة جديدة، دون أموالٍ أو ممتلكات لبدء حياتهن.

كانت ولاية جهارخاند في شرق الهند، والتي تدين بديانة «سارنا» -إحدى الديانات القديمة- من الولايات التي اشتهرت بهذه الممارسات العنيفة؛ إذ تعامل ديانة هذه المقاطعة النساء مثل مواطنات من الدرجةِ الثانية، ويخشون الأرامل والعجائز خاصةً، ممن يتهمن بممارسة السحر. وعلى الرغم من وجود قانون يمنع أعمال «السحر والشعوذة»، من أجل حماية النساء أن يقعن ضحايا تلك الاتهامات، إلا أن القانون لم يستطع أن يمنع السحر أو القتل.

أكل الجثث للتواصل مع أرواحها.. ماذا تعرف عن طقوس «النكرومانسي» المخيفة؟

غينيا الجديدة.. «ساحرات بابوا»

في الفترة الفائتة، عانت غينيا الجديدة من سلسلة عمليات وحشية لصيدِ «الساحرات»، وذلك في منطقة مرتفعات بابوا؛ إذ اجتمعت القبائل ضد النساء، فاغتصبوهن وعذبوهن حرقًا بالسواطير الساخنة في هجمة شرسة على السحر الأسود، بهدف القضاء على الأفعال الشيطانية للساحرات اللواتي «التهمن قلب الرجال»، على حد تعبيرهم. إحدى هذه اللقطات كان تعرض صور امرأة جُرت من كوخها إلى الخارج، ومن ثم ضربت وعذبت، قبل أن يحرقوها حية.

(وثائقي ناشيونال جيوغرافيك عن قتل الساحرات في غينيا الجديدة)

شهدت مرتفعات بابوا في غينيا الجديدة 20 حالة وفاة مماثلة، استعرض بعضها الفيلم الوثائقي التابع لـ«ناشيونال جيوغرافيك»، والذي تناول قصة باحث سافر إلى غينيا ورصد حالات تعذيب الساحرات. ينتشر في هذا البلد الأفريقي مصطلح «سانجوما» وهو مرادف السحر الأسود كما يطلق على من يمارسه. عن ذلك تقول راشيل، البالغة من العمر 55 عامًا، أنها تعرضت لاتهاماتٍ بالسحر، وأطلقوا عليها «سانجوما»، وذلك بعدما توفي رجل في قرية مجاورة، وعندما ذهبت لأداء واجب العزاء، أمسك بيدها ابن المتوفى، واتهمها بالتسبب في وفاة والده.

طلب الابن من راشيل أن تعيد «قلب» والده، واغتصبها القرويون وأحرقوها بالسواطير الساخنة مدة يوم كامل، مما خلف علامات دائمة على جسدها، تضيف راشيل قائلة: «كان الألم فوق قدرتي على التحمل». اعتقدت السيدة أنها ستموت في تلك اللحظة عندما كمموا فمها وأحرقوا جسدها، إلا أن نزاع محلي قد أنقذها؛ إذ نشبت معركة بين ما يقرب من ألف رجل، فأطلق أهل القرية سراح المرأة حتى حين آخر.

في الفيلم الوثائقي، يستعرض الباحث المكان الذي عذبت فيه «الساحرات»، وسط أراضٍ زراعية كان هناك رماد، إذ يشعل المحليون النار في بقعةٍ من الأرض، يضعون عليها سواطير الحديد حتى يتحول لونها بفعل الحرارة إلى الأحمر، ومن ثم يحرقون بها أجساد النساء، يقول الرجل المحلي: «عندها يعترف النساء بممارسة السحر». يضيف الرجل أن النساء بإمكانهن تحويل أجسادهن إلى حيوانات، مثل الكلب أو القطة أو الذئب، ويؤمن السكان أن تلك الحيوانات تسكن أرواحهن، ولهذا لا تمتلك النساء البراءة.

في تنزانيا.. تعقد المحاكمات الأهلية سرًّا لممارسي السحر

شهدت تنزانيا في العقدين الأخيرين محاكمات أشبه بتلك التي اشتهرت بها العصور الوسطى؛ قتل على إثرها آلاف النساء، أغلبهن مسنات، بعد إدانتهن بممارسة «السحر الأسود». كان هذا التقليد مرتبطًا منذ مئات السنين بالعديد من المعتقدات الخاطئة، لدى السكان المحليين؛ إذ انتشرت الخرافات، واعتقد الأهالي أن السحر هو المسؤول الأول عن المرضِ والموت ونقص المحاصيل، وطبقًا للفيلم الوثائقي التابع لمنظمة «Unreported»، روى أحد زعماء القرية أن الاتهام بالسحرِ في كثيرٍ من الأحيان، يعتبر وسيلة لإجبار شخص ما على التنازل عن أرضٍ أو ميراث.

(وثائقي محاكمة الساحرات في تنزانيا)

في تنزانيا، وبالقربِ من بحيرة فيكتوريا، يعتقد الأهالي أن البحيرة مسكونة بالأرواحِ الشريرة، التي تستخدمها النساء لإيذاء الأهالي. وهناك لا تقتل النساء بغتةً، بل تعقد لهن محاكمات محلية، يتهمن خلالها بممارسة السحر، ومن ثم يعذبن إجبارًا على الاعتراف، وبعد أن يقتلن، تلقى أجسادهن في النار. بدأ الأمر عندما توفي طفل يبلغ من العمر أربع سنوات لأسبابٍ غامضة؛ مما جعل أهل القرية يعتقدون أن السحر قتل الطفل، واتهموا نساء القرية.

تقول إحدى هؤلاء النساء، وهي عجوز امتلأ وجهها بالندبات العميقة، حتى أصبح خليطًا من الجلد المخيط واللحم: «كان لديهم منجل، وبدأوا في تقطيع جزءًا من وجهي»، فرت العجوز من الموت بأعجوبة، وهجرت القرية متوجهة إلى إحدى المناطق النائية. تضيف المرأة: «حدث ذلك عندما اتهمني إخواني بممارسة السحر من أجل قتلهم».

وفقًا لتقرير «مركز بيو» للأبحاث عام 2012، فإن 90% من سكان تنزانيا يؤمنون بالسحر والقوى الخارقة للطبيعة، وكل قرية من قرى تنزانيا لديها «معالج روحاني»، رجل يعالج بالطرق التقليدية والسحر. يرى الأهالي أن المعالج يمتلك قدرات خارقة يستخدمها في مساعدة الناس والشفاء. في أحيانٍ كثيرة يحدد هذا المعالج مصير الساحرات؛ إذ يؤمن السكان أن لديه البصيرة اللازمة لتحديد هويات الساحرات وجرائمهن. وبعد انتشار جرائم القتل، أصبحت الشرطة تستخدم المعالجين في تحديد هويات السحرة، من أجل القضاء على ممارسات السحر الأسود، واتجه المعالجون بعدها لبيع الأعشاب الطبيعية والخلطات الطبية التقليدية لكسبِ رزقهم.

«الساحرات» يحرقن حتى الموت في كينيا

في أواخر شهر مايو (أيار) من عام 2008، نشرت وكالات الأخبار قصة 15 شخصًا في كينيا، معظمهم من النساء المسنات، قتلوا بالقربِ من بلدة كيسي، وذلك لاتهامهن بممارسة السحر. قال الأهالي إن هناك أكثر من 100 شخص، كانوا يحملون المناجل والسكاكين، ويقتحمون المنازل في كيجوجي بعد منتصف الليل، يقول عن ذلك جوستوس بوسير، من أسرة إحدى الضحايا: «أتوا إلى منزلنا، يقرعون الأبواب بعنف، ومن ثم اقتحموا المنزل وقتلوا جدتي»، هرب بوسير من المنزل، حينها شاهد منزله يحترق، كانت جدته ميتة ممددة على الأرض وقد تحول سريرها إلى كتلة جمرٍ، أما والده، أصبح في عداد المفقودين.

يروي بوسير قصة اتهام جدته ووالده بممارسة «السحر الأسود»، وعن انتشار دفتر غامض في مدارس القرية، كتب فيه أسماء كل المتهمين بالسحر، مع تهديداتٍ بقتلهم في المستقبل القريب. كان الإيمان بالسحر والغيبيات له تأثير قوي في كينيا؛ إذ يؤمن الأهالي بالخرافات، ومسؤولية السحرة عن المرض والموت وضيق العيش. يقول أحدهم: «أؤمن بوجود السحر، وبإمكان السحرة صب لعناتهم على الناس، وحتى القتل».

(وثائقي الجزيرة عن قتل الساحرات في كينيا)

كانت تلك المنطقة من أكثر المناطق الريفية المأهولة بالسكان في غرب كينيا، قسمت فيها الأراضي بين القاطنين، ويعتقد البعض أن نوبات القتل بحجة السحر قد بدأت بدافعٍ من الفقر، والجشع للاستيلاء على الأراضي. وفي 2009، عرضت «الجزيرة» تقريرًا يوثق تعذيب خمسة أفراد مشتبه بممارستهم السحر، وإحراقهم. إذ تجمع بعض الشباب يحملون العصي، وبدأوا في ضرب النساء ومن ثم حرق أجسادهن. وتعاني أسر المتهمات بالسحرِ من النبذ المجتمعي؛ ويعزف الجيران عن مساعدتهم في البحثِ عن عمل، وهو ما يضطر البعض للسفرِ إلى أجزاء نائية من كينيا، لكسبِ قوت يومهم.

عن ذلك يقول جوزيف أونديك: «بعدما قتلوا والدتي، أصبح الجيران ينادوننا بالسحرة، ويرفضون إعطاءنا فرص العمل، مما يضطرني أحيانًا للذهاب إلى أقصى حد ممكن من قريتي لأجل العمل وكسب تكاليف المعيشة». في الوقت ذاته تعجز قوات الشرطة عن حماية المواطنين كبار السن، وذلك رغم الجهود المبذولة لتوعية المواطنين.

محارق الساحرات.. لماذا اضطُهدت النساء في التاريخ وحُرقن بينما نجا الرجال؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد