كأنّه لا شيء يحدث في بيتها الداخلي، وكأن انسحاب قيادات منها في اليومين الأخيرين فقط ليس ذا أهمية كبرى، صدرت تصريحات عن حركة النهضة التونسية، يوم الثلاثاء، “تندد” فيها بالأحكام القضائية التي حكمت بها إحدى المحاكم المصرية على أزيد من 500 شخص بالإعدام، في جلسة حُكم واحدة، معتبرة أن “استعمال القضاء لسحق أي طرف سياسي يهدد وحدة مصر ويعمق الانقسام”.

وفي حين كان المتتبع للشأن السياسي التونسي ينتظر توضيحات مقنعة من حركة النهضة بخصوص استقالة أو “طلب إقالة “القيادي حمادي الجبالي”، التي كانت موضوع التقارير الإخبارية، خلال الأيام الأخيرة، فوجئ الرأي العام بقيادي آخر يقدم استقالته من الحركة، بل ويعلن عن تأسيس حزب سياسي آخر، وأكثر من ذلك أنه وجه انتقادًا حادًّا إلى حركة راشد الغنوشي، معتبرًا إياها بأنها تفتقد إلى “الديمقراطية الداخلية”.

أزمة النهضة!

 

قيادات من حركة النهضة


خروج القيادي السابق بحركة النهضة الإسلامية، رياض الشعيبي، إلى الإعلام وإعلانه عن تأسيس حزب سياسي جديد، وكذا توقعه حصول المزيد من “النزيف” في جسم النهضة الإسلامية، بالموازاة مع إعلان حمادي الجبالي عن تخليه عن مهمة الأمين العام للحركة، جعل البعض يتحدث عن أزمة حقيقية تمر بها الحركة الإسلامية الأكثر حضورا في تونس ما بعد ثورة 14 يناير.

إنها الأزمة التي ابتدأت داخليًا عندما “انتفضت” عدة أحزاب ونقابات وفعاليات شبابية ضد “سيطرة” حركة النهضة على مقاليد الحكم، و”فشلها” في تحقيق أهداف الثورة التونسية، بحسب خصوم الحركة، لتتواصل الأزمة بعدما اضطرتها إلى التخلي عن الحكم في سنة 2012 بعد اغتيال معارض سياسي، ولتتفاقم الأزمة أكثر، عندما بدأ البعض من المعارضين، ينادي ويطالب علانية بضرورة “إنهاء” حكم وسيطرة الإسلاميين، أسوة بما جرى في مصر للإخوان المسلمين، مع بداية صيف سنة 2013 .

ربيع أم خريف؟

 

راشد الغنوشي رفقة أعضاء في حركته


يبدو أن “الربيع العربي” الذي كان بردًا وسلامًا على “الإسلاميين” في عدد من الدول العربية؛ حيث جعلهم يصِلون إلى الحكم ويتوفرون على مقاليد السلطة في أكثر من بلد عربي، هو اليوم في تراجع يشهد به حتى أبناء التيار الإسلامي أنفسهم قبل غيرهم، وهو “التراجع” الذي لا يتردد “خصوم الربيع” والمتشائمون، في نعته بأنه تحول إلى “خريف عربي” تتساقط فيه أوراق الإسلاميين في السلطة الواحدة تلو الأخرى.

وبعدما “سقط” الإخوان في مصر، بل وزُج بأبرز قياداتهم، وعلى رأسهم، الرئيس المنتخب محمد مرسي، ومرشد الجماعة محمد بديع، في السجون وتهديد رقابهم بأحكام قضائية بدأت رائحة الإعدام تُشتم منها، ها هي الأنظار تتحول إلى “حركة النهضة التونسية” الإسلامية، وتتعدد بشأنها القراءات عما إذا كانت ستصمد أم أنها لن تقاوم أمام “الحرب” المعلنة وغير المعلنة على الإسلاميين، في هذه الأيام، والتي تعتبر ورقة “الإرهاب” إحدى أبرز وأخطر الأدوات التي يستعملها كثيرون للإطاحة بهم؟!

انشقاق.. لماذا؟

هل يمكن القول إن استقالة الشعيبي القيادي في النهضة، وقبله القيادي الآخر الجبالي، وقبلهما القيادي أيضًا منار إسكندراني، أن (استقالة) هؤلاء تعتبر “فرارًا” من مصير محتوم بدأت قيادات النهضة الإسلامية تتحسسه، أم أنها مجرد اختيارات شخصية أتت بها الصدفة في هذه الأيام التي تستقطب فيها بلدان الربيع العربي، وخاصة تونس ومصر، أنظار واهتمام قوى إقليمية ودولية؟

أحد تجمعات حركة النهضة


داخليًّا، على صعيد تونس تحديدًا، وإذا كان الجبالي قد أعرض عن سرد أسباب ومبررات قرار مغادرته سفينة “النهضة”، وهو ما لم ترد عليه لحد الآن الحركة، التي يبدو أنها مشغولة بإجراء استفتاء داخلي حول تأجيل مؤتمرها الاستثنائي المقبل إلى ما بعد الانتخابات التونسية المقبلة، فإن الشعيبي – الذي يستعد لتأسيس حزب “البناء الوطني” – أكد أن الأخير “سيضم نوابًا من المجلس الوطني التأسيسي كانوا ينتمون إلى الحركة”، وانضموا إليه، بل أضاف أن “نزيف الاستقالات سيستمر داخل (النهضة) وفي صفوفها الأولى، نتيجة تعمق الخلافات الداخلية بسبب وجود تيارات بداخلها لا تقبل برأي المخالف”، كما جاء في تصريحاته لوسائل إعلام تونسية.

خارجيًّا، الكل يتذكر التصريحات المناهضة لـ”الإرهاب” التي أدلى بها رئيس الحكومة التونسي، مهدي جمعة، أثناء زيارته لدول خليجية طلبًا لجلب رؤوس أموال “البترودولار” من أجل ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد التونسي المحتاج إليها أكثر، هذه التصريحات التي جاءت “متناغمة” مع ما صدر بالخصوص عن السعودية التي اعتبرت جماعة “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية، اعتبر البعض أنها تحمل “رسائل” إلى حركة النهضة، التي يعتبرها كثيرون فرع “الإخوان” في تونس.

أبرز تلك الرسائل هي ضرورة “توضيح” العلاقة مع تنظيم “الإخوان المسلمين”، هذه العلاقة التي يبدو أنها تتجاوز مجرد اقتسام نفس المرجعية والأيديولوجية الدينية، إلى كونها علاقة وحدة المصير أو المصير المشترك، بعدما كانت الثورة المشتركة سبيلهما إلى الحكم؛ إنها العلاقة التي جعلت “النهضة”، وهي تشهد “انشقاقات” داخلية، و”تلميحات” من قبل السلطة، و”تهديدات” إقليمية، لا تعبأ بكل ذلك وتعلن “تضامنها” مع المحكوم عليهم بالإعدام من طرف نظام الحكم الحالي في مصر من الموالين للرئيس المطاح به محمد مرسي، فهل تصمد النهضة في وجه كل هذه التحديات؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد