خلال الأسابيع القليلة الماضية، البحرين تشهد موجة من الاحتجاجات والغضب قد تفاقم الوضع السياسي المتأزم أصلاً بين السلطة والمعارضة، حيث كان آخرها سحب الجنسية عن عشرات البحرينيين المقيمين في الخارج، بحجة تورطهم في أعمال مخلة بالأمن والأمان.

قرار سحب الجنسية جاء في إطار الإجراءات التي تتخذها وزارة الداخلية للحفاظ على الأمن والاستقرار ومكافحة المخاطر والتهديدات الإرهابية، فيما تقول أصوات في المعارضة إنه لكتم الأفواه، وتقييد حرية الرأي، والعمل السياسي.

“77” هم من شملهم مرسوم وزارة الداخلية بسحب الجنسية عنهم، ومعظمهم مقيمون في الخارج، وينتمون لتيارات “إرهابية”، حسب قول السلطات البحرينية، لكن المعارضة تؤكد أن “50” من بينهم هم نشطاء سياسيون طالبوا لمرات عديدة بضرورة التحول الديمقراطي، والإصلاح السياسي.

ليست المرة الأولى التي تصدر فيها السلطات البحرينية قرارًا بسحب الجنسية، فهي الخطوة الثانية من نوعها التي تشهدها البحرين بعد إسقاط النظام الجنسية عن 31 معارضًا عام 2012، فضلاً عن تمكين القضاء من الحكم بإسقاط جنسيات متّهمين في بعض القضايا.

ورقة ضغط

 

وثمة من يرى أن مثل هذه القرارات قد تدخل البحرين في دوامة جديدة من الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة، لا سيما وأن النشاط السياسي بات مهددًا، في ظل فصول من التضييق والاعتقال وعقد المحاكمات الصورية.

حتى إن قرار سحب الجنسيات هو سياسي بحت وصدر بمرسوم وليس بقرار قضائي، ما يجعله قرارًا تعسفيًا، لذلك بعض المسقطة جنسياتهم لم يعتقلوا يومًا، ولم توجه إليهم تهمة، ومنهم من يعمل في الإعلام ومجال الحقوق والسياسة.

وبالتالي، فإن حقوقيين بحرينيين يرون أن القرار استهدف بالأساس مجموعة من البحرينيين السنة الذين يقاتلون في الخارج، سواء في العراق أو سوريا، ووضعت أسماء الشيعة الذين يبلغون الضعف في القائمة من أجل أن تخرج الحكومة من الحرج، ولعدم استثارة القاعدة السنية في البحرين على السلطات.

لذلك، بات قرار سحب الجنسية ورقة جديدة تستخدمها الحكومات الخليجية، وليست البحرينية لإسكات معارضيها، رغم مخالفتها للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، حيث تحرم من تقوم بسحب جنسيتهم من حقوقهم المدنية والسياسية، فضلاً عن انتهاكها لحرية الرأي والتعبير التي تكفلها كافة المواثيق الدولية والدساتير.

نتائج القرار

قوى نسوية معارضة للسلطة خلال مظاهرات للمطالبة بالإصلاح “أرشيف”

ويشار إلى أن قانون الجنسية البحرينية، يجيز إسقاط الجنسية عن كل من يتمتع بها إذا تسبب في الإضرار بأمن الدولة، لكن النتائج المترتبة عليها تتمثل في إسقاط جميع الامتيازات التي كانت تقدمها الدولة إليهم، ومنها البيت الحكومي والوظيفة والرخص التجارية.

إضافة إلى منحهم مهلة معينة لإخلاء المساكن الحكومية التي تتبع مؤسسة الرعاية السكنية، ووضع “بلوك” في المنافذ على المواطنين الذين سحبت جنسياتهم حتى لا يغادروا البلاد بجوازات سفر الدولة، وتقديمهم جميع الأوراق والإثباتات التي تخص الدولة، ومن لا يتقدم سيتم التوجه إلى منزله.

ويترتب أيضًا على سحب الجنسية فقد المسحوب جنسيته لوظيفته، إلا في حالة واحدة، وهي طلب الوزارة استمرار عمل الشخص لديها، ولكن على بند المكافآت.

لكن، ثمة أصوات أخرى داخل البحرين تؤيد مثل هذه القرارات، واعتبرتها ضرورية لتخليص البلاد من أعمال العنف التي أثرت على معيشته اليومية، وأصابت اقتصاد البلاد بأضرار، فهي تأتي ضمن محاربة الإرهاب، وضمن خطوات دستورية وقانونية.

وترى أنها ستحد الخطوات من أعمال العنف التي تشهدها البحرين منذ عام 2011 بسبب جمعيات سياسية تؤمن بالعنف وتنفذ أجندات خارجية في الغالب، في إشارة إلى الأشخاص المقيمين في الخارج.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البحرين بدأت في استخدام هذه الورقة بشكل واسع بعد الحراك الذي شهدته الحياة السياسية، والمطالب بتطبيق أوسع للديمقراطية في عام 2011، عقب اندلاع ما سمي بـ” ثورات الربيع العربي”.

مصلحة

Untitled

علي سلمان الأمين العام لجمعية الوفاق البحرينية

ومع اقتراب الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة في البحرين، والتي تصادف 14 فبراير 2011، تتواصل التظاهرات الشعبية، ويتواصل القمع العنيف الذي تنتهجه الشرطة تجاه المتظاهرين، كما يتواصل أيضًا استهداف قيادي المعارضة، مما ينذر بأن الأزمة البحرينية في طريقها للاحتدام والتصعيد وليس الاستقرار، حسب رأي مراقبين.

وتأتي ذكرى الثورة في ظل اعتقال الأمين العام لجمعية الوفاق البحرينية والمعارض للسلطة علي سلمان، مع استمرار المظاهرات المناهضة لذلك، والدعوات للإفراج عنه، لا سيما وأن اعتقاله يعد استهدافًا لكل العمل السياسي، والمطالب بالتحول الديمقراطي، كما يرى مراقبون.

ويروا أن مساحة العمل السياسي في البحرين تقلصت، بعد استهداف الوفاق وأمينها العام، وهما العمود الفقري للعمل السياسي المعارض، حتى إنه بقي للسلطة استهداف الجمعيات الأخرى المتحالفة معها، لإنهاء العمل السياسي العلني السلمي.

إلى جانب، أن محاكمة سلمان تأتي في إطار القبضة الأمنية، وما وصلت إليه الحريات من تراجع على جميع المستويات، كما إنها دليل آخر على التراجع المخيف في حرية التعبير، وهو عامل تأزيم للوضع في البحرين.

حتى إن أطرافًا في السلطة من وجهة نظر المتابعين لديها مصلحة من وراء حالة التأزيم، ولذلك تعاند وتستمر في عدم تغيير الساحة باتجاه الحل السلمي، فهي من أفشلت الحوارات، واليوم تحاول القضاء على الحراك السياسي العلني.

 

 

المصادر

تحميل المزيد