ميرفت عوف 17
ميرفت عوف 17

5,779

فيما انشغل المواطن السوري المعارض بالسخرية من إعلان روسيا الانسحاب من أراضيه، وأظهر المعارضون شماتة كبيرة في إهانة رئيس النظام السوري بشار الأسد حين أزاحه ضابط روسي عن خط سير الرئيس «فلاديمير بوتين»، كانت هذه التطورات تظهر ملامح سياسية جديدة في المنطقة. رسائل روسية لواشنطن، ولرئيس النظام السوري، وللعالم أجمع، ومسار جديد لا يخفى – بالرغم من النصر المعلن – حقيقة الموقف الروسي الضعيف في نظر بعض المحللين بسوريا.

للمرة الثالثة.. بوتين يعلن سحب قواته من سوريا

شهد 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي جولةً مكوكية للرئيس الروسي، «فلاديمير بوتين»، قصد بها دول حلفائه في الشرق الأوسط، وفي محطته الأولى بسوريا زفَّ خبر «النصر» على ما أسماه «الإرهاب في سوريا»، وكذلك أعلن عن سحب قواته من سوريا، فخاطب جنوده في قاعدة حميميم الجوية بالقول: «أصدقاؤكم ووطنكم في انتظاركم».

جنود روسيين في سوريا (المصدر: Sputnik)

 وفيما بقي هؤلاء الجنود لا يعرفون متى عليهم حزم الأمتعة والعودة لبلادهم، تحيط السرية أيضًا بالعتاد العسكري والأسلحة والمقرات التي ستخليها روسيا، وذلك بالرغم من الإعلان عن سحب 25 طائرة حربية من سوريا، وكذلك سحب القوات الخاصة، والشرطة العسكرية، ومستشفيات ميدانية، وكتيبة إزالة الألغام من سوريا، فقد بث الجيش الروسي صورًا لمجموعة من القوات الروسية تعود من سوريا عبر طائرتين عسكريتين.

لكن يثار حول هذا الإعلان شكوك من عدة جهات، وهي شكوك قائمة على أن هذا الإعلان للانسحاب هو الثالث؛ فقد سبق وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تقليص عدد القوات الروسية في سوريا جزئيًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، وكذلك جرى الإعلان عن انسحاب في مارس (أذار) 2016، وهي إعلانات تبعها: ارتفاع عدد القوات الروسية، وتوسيع نطاق عملها هناك.

رئيس النظام السوري مع الرئيس الروسي

الأمر الذي دعا أستاذ العلاقات الدولية، خالد العزي، إلى القول «إن روسيا تريد تحويل الصراع مع الأمريكان إلى: وجود شرعي، ووجود غير شرعي»، ويستدرك القول: «عودة الجيوش الروسية؛ كي لا تطلق عليهم قوة احتلال، وإنما تحويل الأنظار إلى الصراع مع الإدارة الأمريكية، التي طالبتها روسيا بالخروج من سوريا هي ومليشياتها؛ لأن وجودها غير شرعي، بخلاف الوجود الروسي الذي هو ضمن اتفاق رسمي بين بلدين، كما أن روسيا تحاول إرسال رسالة طمأنة للجميع بأن مهمتها انتهت وأصبحت جاهزة لأن تلعب دور الوسيط بين الموالاة والمعارضة السورية».

هل يتخلى بوتين عن الأسد؟

خلال الأيام القليلة الماضية، بات مشهد لقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ببوتين في قاعدة «حميميم» الروسية باللاذقية حديث الساعة؛ فقد أظهرت لقطة متلفزة ضابطًا روسيًا يمنع الأسد عن الالتحاق بـبوتين، واختار له مكانًا بعيدًا عن «القيصر الروسي».

في حين اعتبر البعض المشهد عاديًا، وحدث مع الكثير من رؤساء العالم، بدا المشهد بالنسبة لآخرين تكريسًا لرؤية واحدة، تظهر بوتين يهين فيها حليفه «المحلي الصغير»، بينما يظهر بوتين طوال الوقت «في مظهر مهيمن طاغ بصريًا، حيث يميل عليه الأسد بطوله الفارع بخضوع واضح، فيقصُر، ويبدو وكأنه يطلب البركات ويلتمس الرضا»، على حد وصف تقرير للــ«مدن» اللبنانية.

لا يمنع ذلك حقيقة أن بوتين جاء ليطمئن الأسد أن سوريا تحت وصايته المشتركة مع إيران، وضمان ذلك هو بقاء روسيا إلى أجل غير مسمى عبر قواعدها العسكرية في حميميم وطرطوس، ولذلك يصف الصحافي السوري، فراس ديبة، الحديث عن سحب روسيا لجزء من قواتها من سوريا بـ«حديث فارغ»؛ لكون روسيا لا يمكن أن تنفذه الآن، ويوضح لـ«ساسة بوست» أن «سحب القوات الروسية يعني أن تنهار الدفاعات الميدانية للنظام بشكل كبير جدًا، فلا يوجد بوادر حل سياسي بقدر ما هناك مؤشرات ودلائل بأن روسيا تضغط لفرض حلها السياسي على كافة الأطراف»، ويعتبر «ديبة» الانسحاب الروسي جزء من المهاترات التي تحدث بين الطرفين: الروسي، والأمريكي، فلن يكون هناك انسحاب روسي، ولن يكون هناك حل سياسي بغياب التدخل الأمريكي المباشر في فرض نموذج الحل، حسب ديبة.

أما تقرير موقع «دويتشه فيله» الألماني فيؤكد أن «بشار الأسد انتهز فرصة دعم موسكو من أجل تعزيز بقائه في الحكم، وحتى الآن، لا يمكن القول إن روسيا تستطيع إقصاء الأسد عن منصبه»، ويضيف التقرير: «من الناحية العسكرية، استطاعت روسيا إعادة أغلب المناطق في سوريا إلى يد النظام، باستثناء بعض المناطق شمال شرقي البلاد».

وبالرغم من القول بأن بوتين يمارس ضغطًا على الأسد للدخول في مفاوضات جدّية مع المعارضة، إلا أن بعض المحللين يستبعدون تلك الفرضية جراء الإعلان عن الانسحاب، ويتزامن ذلك مع الرغبة الروسية في عقد مؤتمر «سوتشي» لمناقشة مشروع «دستور سوري جديد»، والذي قدمته موسكو في يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ ترغب موسكو عبر هذا المؤتمر في خلق مرجعية جديدة للحل السياسي في سوريا، مرجعية تنسف المرجعية الأممية التي يعتمدها مؤتمر جنيف، وتنص على تشكيل هيئة حكم انتقالي في سوريا، لا وجود للأسد فيه.

يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، خالد العزي، على أن ملامح التسوية لن تقبل بها روسيا، ما لم توظف انتصارها العسكري في فرض حلول سياسية تعمم دورها في سوريا، وتفتح آفاقًا جديدة لملفات مغلقة، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «روسيا لن تدخل في أي تفاوض، إلا إذا كان التفاوض لمصلحتها، ومن هنا الإصرار الروسي على عقد سوتشي مهما كلّف الثمن، حتى لو كانت تعرف بأن فرص نجاحه قليلة جدًا».

النجاح الروسي «ما يزال هشًا» في سوريا

«روسيا ستقطع رؤوس الإرهابيين في حال ظهروا مرة أخرى بسوريا»، هكذا حذر «بوتين» تنظيم الدولة خلال خطابه في قاعدة حميميم الجوية، الاثنين الماضي.

بوتين يتوسط وزير دفاعه والأسد خلال زيارته لحميميم الاثنين الماضي (المصدر: رويترز)

بالرغم من نشوة الانتصار لـ«هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» التي أعلن عنها «بوتين»، لا يمكن أن تستبعد احتمالية عودة عناصر التنظيم في الأراضي السورية، فهناك عدد كبير من مقاتلي «لواء الأقصى» الذين التحقوا بالتنظيم في ريف حماة، وكذلك لا تخلو محافظة إدلب من وجود مجموعات من الخلايا الكامنة المتفرقة، فيما لم يزل «تنظيم الدولة» متواجدًا بشكل منظم في منطقتين على الأقل، هما مخيم اليرموك، والمناطق المحاذية له جنوب العاصمة دمشق، وفي شرق سوريا قرب مدينة الميادين بريف دير الزور، وتظهر الخارطة العسكرية المخصصة للحرب السورية (Syria Live Map) أن نسبة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم تزيد عن 2% من المساحة الكاملة لخريطة سوريا.

كما يظهر تخوف روسي من عودة عناصر «تنظيم الدولة» من سوريا إلى الأراضي الروسية، فقد أعلنت أجهزة الاستخبارات الروسية، في 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أن هناك نحو 2900 جهادي روسي غالبيتهم من جمهوريات القوقاز ودولة آسيا الوسطى حاربوا في العراق وفي سوريا.

يقول مدير الاستخبارات «الكسندر بورتنيكوف»: إنه «مع تحرير المعاقل الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية من قبل قوات النظام السوري، بدعم من الجيش الروسي، فإن قياديي التنظيم ومقاتليه سيسعون إلى البحث عن سبل لمواصلة نشاطاتهم الإرهابية على أراضي دول أخرى، بما فيها روسيا».

ويضيف حسب وكالة «إنترفاكس»: «عودة مقاتلين سابقين ضمن جماعات مسلحة مخالفة للقانون في الشرق الأوسط تشكل خطرًا حقيقيًا؛ إذ يمكن أن يلتحقوا بعصابات إجرامية وخلايا، أو حتى المشاركة في تجنيد مقاتلين آخرين».

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو يزور قاعدة حميميم في سوريا (المصدر:RT)

ولذلك يعتبر تقرير «لوموند» الفرنسية أن النجاح الروسي في سوريا ما يزال هشًا، فحسب تقرير  الصحيفة: «روسيا تخشى من ركود القضية السورية، وهي بحاجة إلى إيجاد حل دبلوماسي، وبالرغم من النجاح النسبي الذي تحقق بفضل مناطق (خفض التصعيد)، التي تم التوصل إليها بمساعدة إيران وتركيا، فإن موسكو تكافح بشدة من أجل إطلاق عملية سياسية حقيقية تنهي الأزمة السورية»، وتضيف الصحيفة: «إن تكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 200 و400 مليار دولار، وهنا لا غنى لروسيا ولسوريا عن رأس المال الغربي، ولاسيما الأوروبي. وبالتالي فإن قادة الدول الأوروبية يمتلكون ورقة قوية من أجل إحداث نوع من التوازن في القضية السورية، من خلال فرض عملية سياسية تؤدي إلى انتقال حقيقي للسلطة، وليس إلى تجديد للنظام القائم كما ترغب موسكو، ولكن هل لديهم الإرادة؟»

كذلك لا يمكن استثناء رغبة بوتين في الحصول على مستوى عالٍ من الدعم بالانتخابات الرئاسية في بلاده المزمعة في مارس من العام المُقبل 2018، فبالرغم من ثقة بوتين من انتصاره، إلا أنه بحاجة لبعض الزخم الشعبي، يقول الخبير العسكري، الكسندر غولتس: «من المهم لبوتين أن يظهر كمنتصر عسكري، وقائد لقوة عالمية أمام المواطنين الروس الذين سيصوتون له خلال أشهر قليلة»، ويضيف الخبير العسكري لـ«فرانس24»: «هذه الحرب بدأت لأسباب سياسية (..) ولأن الأمر يتعلق بحرب سياسية، فقد انتهت بقرار سياسي من السلطات الروسية».

ترامب لا يبالي بمصير سوريا.. وبوتين يسيطر أكثر

حضر منع امتداد النفوذ الأمريكي والغربي كسبب بارز في التحركات الروسية الأخيرة بسوريا، وعلى رأسها الإعلان عن انسحاب القوات الروسية، الذي فسر كمناورة سياسية لإيجاد ضغط سياسي على واشنطن، وحشرها في زاوية عدم الوجود الشرعي في سوريا، وهو الوجود الذي منح لروسيا عبر الاتفاقات مع النظام السوري.

يأتي هذا الإعلان الروسي كرسالة موجهة للبيت الأبيض، والذي خرجت معلومات تفيد رغبته في تعزيز وجوده شرقي سوريا، وبتعزيز شراكته مع الأكراد السوريين هناك، وفيما تظهر ردود فعل أمريكية عاجلة على هذا الانسحاب، كالتشكيك في جدية الانسحاب، والتأكيد أن القوات الأمريكية لا علاقة لها ببقاء أو انسحاب القوات الروسية، حسب الخارجية الأمريكية، وكذلك التأكيد على أن التحالف الدولي سيستمر بالعمل في سوريا، تظهر أيضًا مؤشرات هامة تؤكد أن الرئيس الأمريكي «ترامب» لا يبالي بمصير سوريا، وأنه وافق لبوتين أن يبقى الأسد حتى عام 2020، فقد أكّدت واشنطن في 13 ديسمبر (تشرين الأول) الحالي أن «بقاء الأسد أو رحيله لا تقرّره الولايات المتحدة؛ بل الشعب السوري»، وهو ما قرئ كتحوّل في الموقف الأمريكي الذي اشترط دائمًا رحيل الأسد.

ويتضح أكثر أن الولايات المتحدة تعمل باستراتيجية غير منتظمة في المنطقة، في وقت تزيد به القوة الروسية، فموسكو تنشط أكثر في ليبيا، وتقوي علاقتها مع السعودية، وتحافظ على تحالفها مع إيران، وكذلك حسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فإن «روسيا قد استفادت استفادةً كاملةً من عدم رغبة الولايات المتحدة بالتدخُّل في صراعاتٍ مختلفة بالشرق الأوسط، وخاصة سوريا، لتُعيد بناء علاقاتٍ مع عواصم مختلفة، مثل القاهرة، تلك التي طُرِدَ منها السوفييت في أوائل السبعينات بعد سنواتٍ من التعاون العسكري الوثيق»، وهو الأمر الذي منح «بوتين» فرصة لتقديم نفسه كمدافع عن النظام الدولي، واستخدم هذه الحجة كذريعة للحفاظ على الأنظمة الحليفة له، وهي الحجة التي مكنته من أن يصبح متحكمًا في الوضع السياسي والعسكري بسوريا، فالروس محتفظون في كل الأحوال بقوة متمركزة في قاعدتي اللاذقية وطرطوس بحكم الاتفاقات المبرمة مع النظام السوري، كما أسلفنا.

 نقطة أخرى مهمة قد تسجل كنقطة قوة لصالح الروس ضد واشنطن، وهي وصول قوات صينية إلى سوريا مؤخرًا، الأمر الذي يشير إلى وجود لعبة روسية جديدة في سوريا، حسب الخبير العسكري العقيد أديب عليوي، والذي أضاف في حديثه لـ«عربي21»: «روسيا تحاول جر الصين إلى سوريا بذريعة التهديدات من الحزب الإسلامي التركستاني، لمواجهة المخطط الأمريكي الذي يهدف إلى تطويق الصين، كما تشير الدراسات الدولية»، ويتابع القول: «الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز وجودها في المنطقة لأكثر من هدف، من أهمها: تحجيم قدرة العملاق الصيني من خلال السيطرة على نفط المنطقة. فروسيا تحاول خلط الأوراق على تلك المخططات الأمريكية، من خلال جعل الصين جزء من اللعبة، بدلًا عن أن تكون أحد المستهدفين فيها».