زوجة وأم لطفلين، تعيش في بيت واسع وجميل ذي حديقة رائعة، زوجها رجل وسيم يحبها ويحكي لها عن أدق تفاصيل عمله، هي نفسها امرأة جميلة ومحتفظة بشبابها ورونقها.

ربما تسأل نفسك الآن، أين المشكلة؟ فهذه الصورة، تكاد تكون لقطة مثالية للأسرة الصغيرة السعيدة كما يجب أن تكون. لكن هناك ما ينغص حياة هذه المرأة، فهي لا تستطيع أن تمنع عقلها من التفكير في حبيبها السابق! ولا أن توقف تداعي الذكريات الذي يحبسها داخل تاريخهما الحميم المشترك، طوال الوقت تفكر وتحلم بعلاقتهما الخاصة وكيف كانت تشعر بالرضاء الجنسي فيها، تلك هي باختصار قصة مسلسل «sex/life» المعروض حديثًا على منصة نتفلكس.

هذه الأفكار في عقل الزوجة، تحولت إلى هوس كاد أن يدمر كل شيء، وأصبح كل ذلك في مهب نفسيتها المشوشة التي تقود الجميع لأكثر التصرفات حمقًا، بدءًا من ضغط الأطفال ومتطلبات الأمومة، ومرورًا بضغط العمل الذي يؤمن هذا الشكل المرفه من الحياة، ومحاولات الزوجين المستمرة للتغلب على الروتين والإرهاق والأعباء، كل ذلك حقيقي ويلامس أعمق الاحتياجات الإنسانية جنبًا إلى جنب مع نمط الحياة المتسارع، مما يخلق صراعًا وحربًا مريرة بين العقل والجسد، يستعرضها المسلسل بالتفصيل، وبمنتهى الجرأة التي قد ينفر منها الكثيرون.

الرضاء الجنسي عمود من أعمدة مؤسسة الزواج!

تخبرنا (ر.أ) 35 عامًا، ربة منزل وأم لطفلين أن «الرضاء الجنسي مهم جدًا في الزواج»، فبعيدًا عن العملية الجنسية نفسها فإن القرب والحميمية والتقبل الذي تمنحه لها العلاقة الحميمة يمثل رمانة ميزان الزواج على حد تعبيرها، فهو يجعلها «أهدأ وألطف وأقدر على احتواء الخلافات إن وجدت» لأنها تصبح أكثر اطمئنانًا.

أما (أ.أ) 37 عامًا صحفية ومترجمة وأم لثلاثة أبناء فتقول إن «العلاقة الحميمة تؤثر في مدى استقرار الزواج»، فبالنسبة لها فإن الجنس الجيد يساوي زواجًا ناجحًا في أغلب الأوقات، والزوجان اللذان يرتاحان لبعضهما في الفراش ويخرجان منه شاعرين بالإشباع يكونان أكثر تمسكًا ببعضهم البعض وأكثر لطفًا في الخلافات وأكثر تحملًا لمطبات الزواج التي لابد منها.

أما (أ.م) 30 عامًا ربة منزل وأم لطفلين فتقول إنها قبل الزواج كانت تعتقد أن العلاقة الحميمة مهمة لكنها ليست أهم شيء، أما بعد الزواج فتيقنت أن الرضاء الجنسي عامل أساسي في استقرار وهدوء الزواج ويمكن اعتبارها عمود العلاقة الزوجية الأهم.

في بحث منشور على موقع مؤسسة «very well mind» الطبية عن فوائد ممارسة العلاقة الحميمة بين الأزواج؛ نرى أن تأثير العلاقة الحميمة ليس نفسيًا فقط، متمثلًا في تحسين صورة الذات ورفع مستوى السعادة وتقوية الروابط بين الشريكين، وتحسين جودة النوم، بل لها أيضًا تأثير جسدي ملموس على الصحة متمثلًا في تقوية الجهاز المناعي وتحسين وظائف الدماغ، بل تحفيز مستويات الأيض والمساعدة في خسارة الوزن.

كل هذا يقودنا إلى حقيقة يهرب الجميع منها وخاصة في المجتمعات العربية والشرقية ويعتبرها نوعًا من أنواع «التابو» الذي لا يجب الحديث عنه، هذه الحقيقة هي أن المرأة تحتاج العلاقة الجنسية!

لماذا تمارس المرأة الجنس؟

تقول آية السيد، طبيبة وعضو الجمعية العالمية والأوروبية للطب الجنسي أن «ممارسة الجنس ضرورة بيولوجية لا تفرق بين الجنسين، فكما أن الحديث متداول وعادي في المجتمع بين الرجال عن معاناتهم الجسدية إذا أجبرتهم الظروف على الامتناع عن ممارسة الجنس، والحديث المتكرر عن احتقان الأعضاء التناسلية والألم المصاحب لذلك واستقبال المجتمع لهذه الشكاوى بأريحية، فإننا يجب أن نعرف أيضًا أن النساء يعانين من آلام جسدية إذا لم يمارسن علاقة حميمة مشبعة بانتظام».

وتشرح د. آية أن «الدم يحتقن أسفل الحوض مسببًا آلامًا شديدة للمرأة ينتج عنها اعتلال في المزاج، ويمكن أن يصل الأمر لأن تعاني من آلام متفرقة في الجسد» تُعرف بـ«السايكوسوماتية»، أي أعراض ليس لها سبب مرضي لكنها ناتجة عن اضطراب المزاج والحالة النفسية السيئة، وكل هذا على الأغلب يكون نتيجة اضطراب العلاقة الحميمة بكل أشكاله.

تكمل د. آية كلامها قائلة إنه «كما أن الآلام الجسدية المرتبطة بالعلاقة الجنسية والتي يعاني منها الرجل تنتهي بالقذف بعد بلوغه للنشوة، فإن الشيء نفسه ينطبق على المرأة، فالاحتقان الدموي المرتبط بالعلاقة الجنسية لدى المرأة لا ينتهي إلا بوصولها للأورجازم أو الإشباع والرضاء الجنسي، أي أنه وبشكل مباشر تمامًا، الأورجازم ليس رفاهية بل هو ضرورة جسدية للطرفين».

وطبقًا لبحث منشور على موقع «بي بي سي فيوتشر» فإنه على الرغم من الفكرة السائدة أن الرغبة الجنسية لدى النساء أقل من مثيلتها لدى الرجال فإن الدراسات أثبتت أن ذلك غير صحيح، فالنساء رغبتهن ليست أقل من رغبة الرجل ولكنهن يمتلكن أنماطًا متغيرة من الاحتياج الجنسي أكثر من الرجل.

بمعنى أن المرأة أحيانًا تحتاج القرب والتعاطف أكثر من الإيلاج، ولكنها قطعًا لا تستغني عنه وعن بلوغ النشوة، لأن الحاجة إلى العلاقة الجنسية كما أسلفنا هي حاجة بيولوجية إنسانية طبيعية لا تفريق جندريًا بين الرجل والمرأة.

أيضًا وجدت دراسة أجريت في قسم علم النفس بجامعة ميتشيجان الأمريكية عن علاقة ممارسة العلاقة الحميمة بجودة الصحة الجسدية للجنسين، أن هناك علاقة وثيقة بين جودة العلاقة الحميمة التي تحصل عليها المرأة وبين صحة قلبها، وهي علاقة طردية فكلما زاد رضاء المرأة الجنسي تحسنت صحة قلبها وباتت أقل عرضة للأمراض والأزمات القلبية خاصة في سن متقدمة.

الأمر نفسه أثبتته دراسة أخرى منشورة على موقع المكتبة الوطنية للطب لباحثين في عدة جامعات أمريكية تحت عنوان «الرضاء الجنسي وأهمية الصحة الجنسية وتأثيرها في جودة الحياة للبالغين» وأن الصحة الجنسية جانب مهم من جوانب تحسين جودة الصحة الجسدية، وأن المشاركين في الدراسة ممن كانوا في صحة جسدية سيئة، ثَبُت بالتجربة أن صحتهم الجنسية متدنية أيضًا، ولذلك أوصت الدراسة أن تكون الصحة الجنسية للمرضى عاملًا مهمًا من عوامل التشخيص والمتابعة للأطباء؛ لأن الحياة الجنسية للبالغين تؤثر بشدة في صحتهم الجسدية.

كيف تحسن جودة علاقتك الحميمة؟ الرضاء الجنسي ليس رفاهية

عودة للمسلسل الذي بدأنا به الحديث، كانت بيلي تحتفظ بهواجسها وأفكارها وحنينها للماضي لها وحدها دون أن تشارك زوجها أي شيء، دون أن تشكو من الملل الذي أصاب علاقتهما الحميمة، ودون أن تخبره أن الهوة بينهما تزداد وحدة التوتر الجنسي بينهما تعلو يومًا بعد يوم، وتفاوت رغبتها الجنسية عن رغبة زوجها مما يخلق مشكلات ويشعرها بعدم الإشباع والرضاء الجنسي.

تقول (هـ.ن) 42 سنة مترجمة وأم لطفلين، أن توتر العلاقة الجنسية وتفاوت الرغبة بينها وبين زوجها دومًا ما يؤدي إلى حساسيات في الحياة اليومية، يمكن أن تؤدي في بعض الأحيان للانفصال العاطفي مما يؤثر سلبًا في جودة الحياة ويخلق نوعًا من الحساسية والفهم المغلوط لكثير من التفاصيل مما يعمق الفجوة أكثر فأكثر.

وبحسب مقال منشور على موقع كلية الطب لجامعة هارفارد بعنوان «11 طريقة تساعدك في تحسين حياتك الجنسية» فإن التثقيف الجنسي يحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية لتحسين العلاقة الحميمة والوصول إلى حالة الرضاء الجنسي، فالقراءة عن العلاقة الحميمة وتوسيع المدارك والفهم الحقيقي والعميق لاحتياجاتك واحتياجات شريكك هو أول الطرق لحياة جنسية مرضية للطرفين.

ويختتم المقال الحديث بالنقطة الأكثر أهمية في فعل أي شيء في الحياة والطريقة الأكثر فاعلية للنجاح وهي ألا تفقد الأمل، فالمحاولة مرة وأخرى ليست دليلًا على الفشل بل هي دليل على الإصرار.

أما التثقيف الجنسي؛ فقد أصبح متاحًا عبر العالم، فالإنترنت جعل كل شيء ممكنًا، ولذلك فالقراءة هي طوق النجاة، والإنترنت والأجهزة الذكية تمنحك هذا الطوق مجانًا كل يوم، بضعة ضغطات تمنحك معرفة كبيرة، المهم فقط أن تنتقي المصادر التي تتعلم منها، وإذا كنت تواجه صعوبة في متابعة المصادر الأجنبية فإن المصادر العربية بدأت في اللحاق بركب التقدم في هذا المجال، فمثلًا هناك مواقع متخصصة تقدم محتوى عربيًّا، بطريقة علمية وآمنة، أما إذا كنتِ من محبي وسائل التواصل الاجتماعي فيمكنك متابعة الدكتورة ساندرين عطا الله على «إنستجرام»، إذ تقدم محتوى علميًّا موثوقًا ونصائح مجانية ومناقشات عميقة في كل ما يخص التثقيف الجنسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد